من الطبيعي أن تكون نهضة الفن نتاجاً طبيعياً للثورات، وهو ما جعل عدداً كبيراً من الأسماء على موعد مع الشهرة والنجومية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، حيث قدمت نجوماً للساحة الفنية والإعلامية لم يكن أحد يسمع عنهم شيئاً، بل وازدهرت فنون راقية في ظل مناخ ثوري كان هدفه الإطاحة بكل أنواع الفساد في الدولة، بما فيها الفن الهابط .

السطور التالية تؤكد أن النجومية ليست مرتبطة بالأسماء بقدر ما هي مرتبطة بقيمة ما يقدم للجمهور، والحدث الذي يصنعه هذا الفن .

فقد شهدت الفترة الأخيرة بزوغ نجومية العديد من الفرق الموسيقية في مصر التي تواجدت منذ فترة ليست بالقصيرة، غير أنها لم تصل إلى الناس إلا خلال وبعد ثورة 25 يناير، حيث جذبت الشباب وحققت نجاحات كثيرة في العديد من الحفلات، خاصة أنها تروّج للثورة من خلال أعمالها الفنية المقدمة، بل أصبحت لسان حال الشعب في معظم الأحيان، واعتمد معظمها على مجموعات من الشباب تقوم بتأليف وتلحين الأعمال الغنائية سواء بشكل فوري، أو من الأعمال التراثية التي ظن كثيرون أنها دفنت مع أصحابها ولن تعود للنور مرة أخرى، حيث تمت إعادة تقديم أعمال العمالقة مثل صلاح جاهين وفؤاد حداد وبيرم التونسي، إضافة إلى أعمال أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، وغيرهم .

من أبرز هذه الفرق افتكاسات التي تقدم أغاني ثورية حققت رواجاً كبيراً بين شباب التحرير عن طريق الموسيقا الإلكترونية، من خلال مزج موسيقا الجاز بالموسيقا الشرقية، وتتكون من سبعة شبان يعزفون على آلات متنوعة هي البيانو، الجيتار، الدرامز، الناي، الكمان، بالإضافة إلى أدوات الإيقاع المختلفة وهم: عمرو صلاح، سامر جورج، أحمد هشام، ليث سليمان، محمد مدحت، هاني بدير .

وتعتبر فرقة الشارع اسكندريللا، واحدة من أهم وأشهر الفرق الغنائية التي ظهرت منذ سنوات طويلة، وتميزت بوجود ستايل خاص في طريقة غنائها، ومن أشهر مطربيها ياسر المناوهلي، صاحب أغنية ياكش تولع التي غناها في العام 2007 بعد إجراء تعديل المادة 76 من الدستور، وتم إعادة الفرقة وأغانيها للحياة مرة أخرى بعد تواريها بفعل فاعل، بالإضافة إلى تقديمها للأمسيات الشعرية من أعمال أقطاب شعراء العامية المصرية، التي شارك فيها العديد من كبار الفنانين من الشعراء والممثلين والملحنين والمخرجين مثل أمين حداد، بهاء جاهين، محمد بهجت، محمود حميدة، عهدي صادق، ممدوح عبد العليم، رشدي الشامي، يوسف إسماعيل، أحمد إسماعيل، بسمة الحسيني، حسن حداد، محمد عزت، وجيه عزيز، تميم البرغوثي وآخرين .

وتتميز أعمال فرقة اسكندريللا التي أقامت العديد من الحفلات في ميدان التحرير وأصبح أفرادها نجوماً في سماء الفن المصري بالمزج بين الشعر والموسيقا والغناء في أداء مسرحي ودرامي، يبقى فيه الشعر هو البطل، وتعود جذور الفرقة إلى الأمسيات التي قدمها الشاعر الكبير فؤاد حداد بنفسه في منتصف الثمانينات، ثم استكمل الشاعر أمين حداد المسيرة، حيث قام بإعداد الكثير من الأمسيات التي شارك فيها أيضاً بالإلقاء .

ومن أشهر أغاني اسكندريللا بعد ثورة 25 يناير أغنية يحكى أن من تأليف أمين حداد التي يقول مطلعها: سرقوا بلادنا ولاد الأيه يحكى أن يحكى أيه، وهناك أغنية راجعين التي تم تصويرها في ميدان التحرير كفيديو كليب مؤخراً، والثالثة فوق بص لفوق أنت مصري .

أعضاء الفرقة وصفوا ثورة 25 يناير بأنها طوق النجاة للفن الراقي في مصر الذي عانى كثيراً ليصل للناس لأن المتحمسين للفن الهابط رفضوا دائماً أن ننتشر جماهيرياً لأن ما نقدمه ضد التجارة الفاسدة التي يروجون لها .

واختار أعضاء فريق بساطة الغنائي هذا الاسم، ليعبروا ببساطة عن القيمتين الأساسيتين في تكوين الفريق، وهما قيمة الانتماء وقيمة الاختلاف، الانتماء لهذا الوطن . . لترابه وتاريخه ولغته ورموزه وموسيقاه، والاختلاف عن السائد من أغاني الحب والهجر والفراق وتعتمد الفرقة على توليفة موسيقية، تمزج الآلات الشرقية (العود والرق والطبلة)، بالآلات الغربية مثل الجيتار، بالموسيقا الكلاسيكية تشيلو، مدعمة بكلمات مختلفة لشعراء شباب اختاروا الابتعاد بمواضيعهم عن المعتاد، منهم إسلام حامد، محمد سرحان، سامي الرفاعي، سالم الشهباني، وهشام الجخ، الذين كتبوا للوطن، لذكريات المدرسة والطفولة، للرغبة في كسر القيود، للحرية وآفاقها، وحتى لرمز من رموز مصر ك أبلة فضيلة ويحاول أعضاء فرقة بساطة دوماً تقديم معان عميقة بشكل بسيط وشديد التكثيف في الوقت نفسه ودائماً ما أظهروا في أعمالهم تضحيات شباب ثورة يناير، ومن يسمع الأغاني التي يقدمونها يستمتع بلحن لطيف وكلام قريب للقلب يجد غايته، ومن يفكر قليلاً في ما يسمعه ويحاول إدراك ما وراءه يجد ما هو أعمق وأكثر تأثيراً، كما يسعى الفريق للحديث عن الجوانب المتعددة في حياة الإنسان المصري المعاصر، والنقد الاجتماعي من خلال الأغنية، من خلال الغناء الجماعي في إطار فني مبسط خالٍ من الآلات الإلكترونية يعتمدون فيها على الوتريات والآلات الخشبية في الأساس .

كذلك فرقة حاجة تانية خالص التي بزغت نجوميتها في ميدان التحرير، وهي تعتمد على فكرة التجديد في الموسيقا والغناء والكلمات والألحان، ولا تعتمد على أغان أو موسيقا فقط، بل الجمع بين الاثنتين، وقد أقامت العديد من الحفلات في بعض الأماكن مثل ساقية الصاوي، مسرح الجمهورية، المعهد الثقافي الإيطالي، اتحاد الكتاب العرب، جامعة حلوان، مسرح الصوت والضوء، كما شاركت في أداء موسيقا تصويرية لبعض المسرحيات، ومن أشهر أغانيها حاجة تانية خالص، سيب وأنا أسيب، كوسة، من غير قيود، وصحرا .

أيضا قدمت فرقة ليل وعين العديد من الأغنيات الوطنية، التي تشجع على الثورة، بالإضافة إلى بعض الأغنيات الرومانسية منها قصيدة وغنوة، ممنوع الحب للرجالة، تنورة، حقي، دفتر أساس الهاموس، وأنا لوحدي، ومن أشهر أعضائها: أشرف إيهاب، نور ناجح، أحمد فيتا، مادا، هشام مصطفى، لؤي خليفة، ورامز يوسف . كما زادت شعبية فريق كاريوكى بعد ثورة 25 يناير، حيث اشتهر بتقديم عدد من الأغاني التي لاقت استحسان وإعجاب الكثيرين من الشعب المصري، وبات لها جمهور كبير خاصة من رواد ميدان التحرير، ومن الأعمال التي قدمتها مطلوب زعيم، افرد جناحك، وآخرها يا الميدان التي قدموها كدويتو غنائي مع الفنانة عايدة الأيوبي، وأُذيعت في العديد من القنوات الفضائية .

وأكد أعضاء الفرقة أن الثورات دائماً تأتي لتخدم كافة أوجه الحياة ولم يكن غريباً أن تكون ثورة 25 ينايروجه الخير عليهم جميعاً .

وتعد فرقة يوركا للفنون أهم الفرق المسرحية التي تهتم بشتى أنواع الفنون، وحيث إن المسرح هو أبو الفنون، ويضم تحت عباءته الكثير من الفنون المختلفة، ونتيجة للحاجة إلى ظهور فن حقيقي وجديّ كما قال أعضاؤها جاءت فكرة تكوين الفرقة بعد ثورة يناير، وهي تحاول تحقيق مبدأ الرقي بالفن والفنان وتضم الفرقة العديد من الخبرات الفنية التي تسعى إلى تطوير وتحقيق المعادلة الصعبة، وهي فن هادف ودرجة عالية من الإمتاع والترفيه، وتشارك في معظم المهرجانات واللقاءات الفنية داخل وخارج مصر .

مبدعون

وبعد ثورة 25 يناير تم اكتشاف جيل جديد من المبدعين أطلق عليه اسم مطربو الثورة، الذين اكتسبوا شهرتهم ونجاحهم من قلب ميدان التحرير، إذ أصبح الجمهور يحفظ أغانيهم عن ظهر قلب ويرددها معهم في كل جمعة، ولعل ميدان التحرير بما شهده من اعتصامات متكررة ومستمرة حتى الآن، قد ساهم في خروج هذا الجيل إلى النور، الذين لم يخططوا إلى أي شهرة، بل إن الحظ حالفهم ليكون جزءًا من نجاح واحدة من أهم الأحداث التي عاشتها مصر، وهي ثورة يناير، وكان من بين هؤلاء رامي عصام الذي استطاع أن يتصدر قائمة مطربي الثورة وهو شاب جاء من المنصورة إلى القاهرة ليس من أجل الغناء، ولكن من أجل المشاركة في ثورة يناير، ولكن مع استمرار وجوده في الميدان حاملاً معه جيتاره الذي لا يفارقه، بدأ رامي يغني للثورة، ومن أشهر أغانيه عيش حرية عدالة اجتماعية، وهي الشعارات الأساسية التي اندلعت من أجلها الثورة، لتتوالى أغاني رامي بعد ذلك ويقدم أغنيتي الجيش العربي، ويسقط يسقط حكم العسكر وغيرهما وازدادت شهرة رامي خلال الشهور القليلة الماضية لحرص المتظاهرين في ميدان التحرير على الاستماع إليه في اعتصاماتهم الأسبوعية، بل إنهم كانوا يطلبونه بالاسم للصعود للمنصة والغناء .

ومن بين الفنانين الذين خرجوا من قلب الميدان المطرب محمد محسن، الذي اشتهر بتقديم أغاني الشيخ إمام والشيخ سيد درويش، كذلك المطرب محمد النحاس صاحب أغنية أنا مش آسف يا ريس الشهيرة وبخلاف رامي ومحسن والنحاس، هناك الكثيرون الذين ساهمت الثورة في تعرف الجمهور إلى موهبتهم والاقتراب منها رغم أن الميدان لم يكن هو السبب الرئيس في ظهورهم، حيث كانوا بالفعل موجودين في الوسط الفني لكن الأضواء لم تكن مسلطة عليهم، ومنهم المطرب حمزة نمرة الذي يحرص على تقديم كلمات وألحان هادفة، إلى جانب مواقفه الثورية التي كانت تنتقد دائماً السلبيات والفساد الذي كنا نعيش فيه في عهد النظام السابق، وقد تحدى نمرة الظروف والتخبطات التي يمر بها السوق الغنائي، وأطلق ألبومه الغنائي إنسان منذ فترة وحقق نجاحاً كبيراً، كما أصبح ضيفاً دائماً على برامج التوك شو، حتى إنه ظهر في الفترة الأخيرة مع الإعلاميين: معتز الدمرداش ويسري فودة ودينا عبد الرحمن خلال فترة وجيزة .

ومثلما تألق حمزة نمرة فإن هناك مطرباً كبيراً غابت عنه النجومية لسنوات طويلة رغم امتلاكه صوتاً قوياً لا غبار عليه هو الفنان علي الحجار الذي أصبح رمزاً للثورة وكان من الطبيعي أن تشهد حفلاته التي تقام في ميدان التحرير حضوراً جماهيرياً يقدر بعشرات الآلاف كما حقق ألبومه اصحى ياناير مبيعات كبيرة رغم غياب الدعاية عنه .

الموسيقار حلمي بكر أوضح أن الفرق الموسيقية التي ظهرت إبداعاتها في ميدان التحرير قادرة على صناعة نهضة شاملة للغناء المصري لأنها لم تبحث لحظة عن النجومية وكان الشعب المصري هو هدفها الرئيس، ومن حقها علينا أن يستمر دعمنا لها حتى تغير الحالة الفنية المصرية للأفضل وتقطع الطريق على تجار الفن الرخيص .

شعراء

ومن الغناء إلى الشعر فقد كانت ثورة 25 يناير على موعد مع اكتشاف موهبة الشاعر الحلمنتيشي عمرو قطامش الفائز بالمركز الأول في برنامج اكتشاف المواهب الأشهر في العالم العربي Arabs Got Talent الذي قال إنه شعر بأن الوطن العربي كله والمصريين خاصة كان لديهم فخر بأنه شخص قادم من ميدان التحرير ليقول كلاماً حقيقياً عن مجد شعب أسقط نظامه ورئيسه، فهز العالم كله .

وزادت أيضاً نجومية الشاعر هشام الجخ لأن نجوميته ارتبطت هي الأخرى بثورة يناير التي وصفها بأنها ملهمة الإبداع والفن الراقي وكان برنامج شاعر المليون مسرحاً لتحية الجخ وثورة يناير .

ومن الشعر إلى تقديم البرامج التي شهدت ظهور مذيع بدرجة طبيب هو باسم يوسف الذي تخرج في كلية الطب عام 1998 وحصل على دكتوراه في جراحة القلب والصدر من جامعة القاهرة، ويعمل حالياً عضو هيئة تدريس بكلية الطب، وقد بدأ باسم تقديم البرامج السياسية الساخرة عن طريق الإنترنت بعد ثورة 25 يناير من خلال برنامج باسم شو الذي بدأ عرضه على موقع يوتيوب يوم 8 مارس 2011 وبلغت مشاهدات حلقات البرنامج أكثر من 6 ملايين مشاهد .

بدأ باسم يوسف في تقديم برنامج البرنامج على قناة ON .TV وحقق البرنامج شهرة كبيرة، وأكد باسم أنه مدين لثورة 25 يناير بالنجومية التي حققها والتي لم تكن في الحسبان . مشيراً إلى أن الميدان مازال به مئات المواهب التي تبحث عن فرصة ولا بد من مد يد العون لهم . كذلك الفنانة بسمة، التي عرف عنها أنها موهوبة في التمثيل ولكن نضالها الثوري أظهر موهبتها كمذيعة وتألقت في برنامج من أنتم؟!، وأكدت أن من يعيش في الميدان مدافعاً عن حق بلده تزداد موهبته نضوجاً ولذلك فإن الفرق الموسيقية والمواهب الشعرية وغيرها من الفنون وجدت نفسها في حالة تميز والجمهور منح المواهب الفنية شهادة ضمان مدى الحياة، ما داموا ملتزمين باستمرار ثورة الفن داخلهم .

وكان التمثيل أيضاً على موعد مع ظهور نجوم جدد لم تتضمنهم خريطة النجومية قبل ثورة يناير، وأبرزهم الفنانة منى هلا التي كان برنامجها على الإنترنت منى توف بمثابة نقطة تحول في مشوارها الفني، فقد انتقدت كل السلبيات التي فرضت نفسها إبان ثورة يناير، وسخرت من الفنانين الذين عارضوها بشكل كوميدي حقق تواصلاً جيداً مع الجمهور .

أما المطرب حمادة هلال فقد تغيرت حياته الفنية بشكل كامل، حيث ساهمت الثورة في دعم شعبيته بشكل كبير، خاصة بعد أن وقف وسط ميدان التحرير مساء الحادي عشر من فبراير عام ،2011 بعد قرار تنحي الرئيس السابق، ليغني ويردد معه الملايين والله وعملوها الرجالة ورفعوا راس مصر بلدنا، لذا لم يكن غريباً أن يحقق فيلمه السينمائي الأخير أمن دولت إيرادات عالية، فقد حرص شباب ميدان التحرير على دعم نجوميته بشكل كبير .

فنون تشكيلية

كما شهدت الفنون التشكيلية حالة من الرواج الكبير، فلم تتفجر مواهب جديدة في الرسم فحسب، بل ظهر أيضاً مفهوم العمل الجماعي، وانخرط آلاف الشباب في رسم جداريات ضخمة، فتحت الباب أمام نشر هذا الفن خارج حدود التحرير، لتشمل ميادين مصر وشوارعها .

محمود عبد الرازق أحد الشباب المشهورين في ميدان التحرير أكد أنه لم يشعر بذاته إلا حينما وجد نفسه وسط مجموعة تنفذ جدارية، أو بالأحرى أرضية على أسفلت الميدان، ووجد نفسه يبدع في رسم مشاهد عن الثورة شهد الجميع بروعتها، وأكد أن الثورة وميدان التحرير لم يحققا له إسقاط النظام وإنعاش الأمل في الحرية والعدالة فحسب، بل اكتشاف نفسه أيضاً .