يعد محمد البريكي أحد الأسماء الجديدة في مجال الإبداع الشعري، فهو يكتب قصيدتي التفعيلة والعمود والقصيدة المحكية، بالإضافة إلى أنه صحفي وباحث، حيث تعد دراسته على الطاولة إحدى المحاولات الجادة لفهم الشعرالشعبي، له تحت الطبع العديد من المخطوطات من بينها ديوانه أنثى البدايات .
الملحق الثقافي التقى الشاعر البريكي، وكان لنا الحوار التالي حول رؤيته الشعرية، ومفاصل متعددة من تجربته الإبداعية:
كيف تنظر إلى واقع القصيدة الإماراتية؟ وهل يمكننا القول إن هناك قصيدة إماراتية؟
- السؤال عن القصيدة الإماراتية كمسمى، يعني أن هناك هوية ما، وهذه الهوية تتمثل إما في لغة الطرح والمفردات المستخدمة في القصيدة، وإما في الإسقاطات المختلفة كالشخوص، والعادات، والأساطير، ومفردات التراث المادي وغير المادي، والحقيقة إن الشاعر الإماراتي تعامل مع كل هذه المعطيات ليوجد لنفسه هوية بين ساحات الشعر الخليجي خصوصاً، ولا يعني هذا عدم تأثر بعضهم بما هو وارد له، والانبهار بهذا الوارد، لكن بفضل القائمين على الملاحق الشعرية وانحيازهم للهوية في القصيدة الإماراتية، جعل الصورة تتضح يوماً بعد آخر .
أما واقعها فهو واقع انطلق من هوية لقيت الدعم اللامحدود، ووجدت من يسخر لها مناخاً ملائماً لتنطلق معبرة عن بوحها، لذلك فهي تعيش في أبهى صورة، وتنعم بثوب التجديد الذي أوصلها إلى مدن الجمال والتميز .
ماذا عن مستقبل القصيدة الجديدة؟
- إن كان المعني بالجديد هو في تجديد الإيقاع الداخلي ومكوناته من صورة شعرية بلاغية، ومفردة متعايشة مع زمانها، ومحلقة في خيالها، مبتكرة لطرحها ومضمونها، فإنها تعيش عصرها الجميل بهذا المفهوم الجميل، وشاركها هذا الاحتفال الجمالي الشكل الخارجي الذي دخل عليها من خلال قصيدة التفعيلة التي أضافت إلى جمال الشكل العمودي جمالاً آخر، وأعطت للقصيدة بعداً مشرقاً .
كيف تنظر إلى المضمون في القصيدة؟
- لا أعتقد أن الشاعر حين يبدع قصيدة يكتبها فارغة من المحتوى، أو الرسالة التي يريد إيصالها، سواء كانت وطنية أو قومية أو عاطفية أو خلاف ذلك، ومن اعتقد أن فرد عضلات اللغة وشحنها بالأخيلة مع تفريغ محتواها من أي مضمون قصيدة، فإنني أعتقد أنه واهم، فمسألة المعنى في بطن الشاعر ليست بالضرورة مقنعة للمتلقي .
وماذا عن الإيقاع الداخلي في القصيدة؟
- الإيقاع الداخلي هو القالب الحقيقي، والإناء الذي يضع فيه الشاعر جمالياته ويرتبها حسب المضمون، وهو الذي يمنح القصيدة التأثير في العقل الباطن للمتلقي، لكن هذا الإيقاع لا ينفصل عن إيقاعه الخارجي المتمثل في الشكل، فهو يتناغم مع الجرس الموسيقي الذي يصدر عن الوزن والتفعيلة، وهناك حروف راقصة في النثر تدعو القارئ إلى التوقف عند دهشتها .
رب قائل إننا لم نعد نجد تلك القصائد العظيمة، كيف تنظرون إلى مثل هذا الكلام؟
- هذا القائل يتحدث عن أي عصر؟ إن كان يتحدث عن العصر الجاهلي فإن العصر الإسلامي كشعراء بني أمية والدولة العباسية والحمدانية شعراء عظام، وإن كان يقصد عصرنا الحالي فإن أمثال أحمد شوقي، وحافظ، والأخطل الصغير، والبردوني، والسياب، والجواهري، ونازك، ونزار، وغيرهم شعراء عظام، يا أخي اللغة حبلى بكل شيء، وليست عقيماً عن ولادة شعراء عظام في أي زمان، وكم يقال لكل زمان دولة ورجال .
كيف تنظر إلى ثيمتي البحر والصحراء في القصيدة الإماراتية؟
- البحر هو الذي منح الإماراتي الرزق، كما منحه الجمال من خلال ما أعطاه من جواهر ثمينة غاص لأجلها أعماقه، والصحراء هي من علمته كيف يحافظ على هذا الجمال مع جمال ما فيها، لذلك فإن هذه البيئة هي بيئة الإماراتي التي يلتقي عليها مع بيئة الجبل .
ثمة مَنْ يرى أن الشعر لم يعد ديوان العرب . . بم تعلق على ذلك؟
- إن أبلغ تعبير هو ما قالته العرب عن الشعر لن يترك العرب الشعر حتى تترك الإبل الحنين، فهل تركت الإبل حنينها حتى ينقطع الشعر عن الحضور في المجالس، أو يكون الشعر ديواناً يجتمع فيه الناس؟
بات كثيرون يرون أن المبدع عموماً، والشاعر خصوصاً لم يعد هناك من يقرؤهما؟
- ربما تميل كفة القراء في بلدان الخليج لمصلحة الشعر الشعبي، لأن الشعر الشعبي يتحدث بلهجة المجتمع، وإن كان البعض قد ابتعد عن القراءة، فإن سماع هذا الشعر يعوض قراءته لديهم، أما الشعر الفصيح فإن عملية التجديد في بنائه الداخلي، وإبعاده عن التقريرية والكلاسيكية البالية، أعادت الجمهور إلى قراءته، دعني أقل: إن الجمال يفرض نفسه على المتلقي .
ماذا عن تبادل التأثير بين الأنواع الإبداعية؟
- أنماط الأدب كالشعر والقصة والرواية والمسرح متقاربة في المضامين، وإن اختلفت أساليب المعالجة، لكن الصور واللغة والخيال، تكاد تكون متقاربة أو متشابهة، لذلك فمن الطبيعي أن تؤثر في بعضها، وتلتقي في جوانب كثيرة للوصول إلى التعبير عن فكرة ما .
ماذا عن مستقبل الشعر في ظل الثورة المعلوماتية؟
- أرى أن الشعر ذكي إلى درجة التعايش مع الثورة المعلوماتية والرقمية والأخذ منهما، ثم تشكيل ما يريده برؤية مختلفة ومشوقة، فالشعر يحرك السواكن، ويضع على المعلومة مسحة من الماكياج، أو الديكور لتكون جميلة في نظر المتلقي، عذبة إلى سمعه، الشعر حفلة راقصة بالكلمة والإيقاع .
هل تكتب في مجال آخر غير الشعر؟
- أكتب الشعر بشقيه الفصيح والشعبي، وما يتعلق به من أناشيد وأوبريتات وغيرها، كما أكتب المقال والأعمال المرتبطة بالإعلام والقراءات النقدية والبحوث المرتبطة بالشعر ورواده والتراث .
ثمة مَنْ يقول: الرواية باتت ديوان العرب، ماذا تقول هنا؟
- مؤكد أن كل مَنْ يكتب في أي مجال إبداعي، سينحاز إلى مجاله الإبداعي، والرواية استطاعت بحق أن تسجل تطوراً هائلاً، وصارلها قراؤها وكتابها، إلا أن كل هذا لا يعني أن الشعرقد انحسر، إذ لايزال الشعر هو الذي يهزنا جميعاً، وعلى ضوء الثورات الشعبية التي تتم، فإننا نجد أن أبيات قصيدة ما يكتبها شاعر حقيقي تمارس تأثيرها في نفوس المتلقين، وهناك أمثلة كثيرة يمكن الاحتكام إليها، وفي مطلعها أن أبا القاسم الشابي الذي قال: إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، استطاع أن يؤكد من خلال هذا البيت وحده، فحسب، كم أن رؤية الشاعر صائبة، وكم أن لكلمته سطوتها وفعاليتها .
هل تجد أن النقد الأدبي قد أنصفك؟
- لا تخلو هذه العملية من جانب الرضا وعدم الرضا، لكني بشكل عام أشعر أن ما أجده من نقد صريح وصادق، بعيد عن المحاباة أو المجاملة، أفاد تجربتي ومسيرتي الأدبية، وأنصفني في ظل اتساع رقعة الكتاب والشعراء، مقابل قلة النقاد الذين يتناولون هذه الأعمال بشيء من التحليل والتفسير والتدقيق، للوصول إلى رؤية حول أوجه الضعف والقوة فيها . أياً كان واقع النقد الإماراتي، إلا أنه موجود، وهناك حركة نقدية تواكب الإبداع عامة، والشعر على نحو خاص، وهذا النوع من النقد حتى لو نظر إليه، على أنه تراكم كمي، من قبل بعضهم، فإنه في نهاية المطاف يؤدي إلى توافرحالة نقدية نوعية عالية، وفي الحقيقة هناك دراسات نقدية متميزة لبعض الأسماء، ولا يمكن تجاوزها أثناء دراسة الشعر الإماراتي .
كيف تنظرإلى قصيدة النثر؟
- قصيدة النثرأصبحت واقعاً، لا يمكن شطبها بسهولة، كما قد يفعل بعضهم، وأنا كثيراً ماقلت: إن هناك قصائد نثرية متميزة، تشد القارئ إليها، كما أن هناك قصائد عمودية أو قصائد تفعيلة قد تكون مكتوبة بشكل رديء ولا تشدان قارئهما، إذاً لابد لنا من أن نكون دقيقين عادة، قبل أن نجازف في رفض قصيدة ما أو قبولها، ليكون لنا في ذلك معايير حقيقية . وإذا كنت أكتب قصيدتي العمود والتفعيلة، وأرى في الموسيقا الشعرية أمراً لابد منه، فإنه علي أن أعترف بأنني أتابع إبداعات الكثير من شعراء قصيدة النثر المتميزين، لأن قصائد هؤلاء تهزني من الأعماق، وأعتقد أنني عبرت هنا عن رأيي بكل وضوح .
ماذا عن العمل الصحفي بالنسبة إلى الشاعر؟
- العمل الصحفي يجعل الشاعر مقروءاً إلى حد بعيد من قِبَل جمهور واسع من القراء، لاسيما إذا كان يعمل في الحقل الثقافي، وهذا ما تتميز به الكتابة الصحفية التي تتفاعل على نحو يومي مع دائرة جد واسعة من المتلقين، وقد يستطيع الشاعر المبدع إذا عمل في الحقل الصحفي أن يجسر بينه وبين قرائه، وهذه مسألة مهمة، إلا أنه لابد لنا من أن نعترف في المقابل، بأن للعمل الصحفي غوايته كما قال عامر الأخضر، إذ إن كثيراً من الشعراء الذين ينخرطون في لجة العمل الصحفي، أو يزاوجون بين الصحافة والشعر، يختطفهم هذا العمل، على حساب الشعر، وهي مسألة خطرة حقاً .
محمد البريكي يكتب النقد، والدراسة الأدبية، والشعر باللغة الفصحى واللهجة الشعبية، أين تجد نفسك أكثرحضوراً في كل تلك العوالم؟
- حقيقة أجدني في كل هذه الحقول، فإذا كان الشعر ملاذي وعالمي الحقيقي، سواء كان باللغة الفصحى أو بوساطة اللهجة الشعبية، فإنني أجدني أحوج إلى أن أعبر عن رؤيتي للإبداع، عبرما يتيحه لي الوقت، فأكتب الدراسة، بل حتى المقال، لأوصل رؤيتي إلى المتلقي، أينما كان، مادام مهجوساً بمتابعة مبدعه .
* * *
نماذج من شعر البريكي
وقوفٌ على باب العزيز
وقوفي على بابِ العزيزِ عجيبُ
وحيدٌ . . على هذا الطريق رقيبُ
أسافرُ طيراً لا جناحيَ قادرٌ
علي . . ولا هذا الفضاءُ رحيبُ
أؤثثُ فوقَ الريحِ حلمَ مدينتي
ويغرسُني بين السحابِ نحيبُ
وما أنا في بعد عن الأرض إنما
علي أمورٌ والغريبُ غريبُ
أنا بين جرح خلفتهُ نوارسي
وجرح بوجهي ينتشي ويطيبُ
أنا وطنُ الأحزان والهم ناسُهُ
تعيشُ أساها والزمانُ عصيبُ
على منبرِ الآلام أُفضي لأحرُفي
كأن حروفي للزمانِ خطيبُ
أمد يدي للحلمِ يقطعُها المدى
وأصرخُ لكنْ من تراهُ يُجيبُ
أعودُ إلى ظهري أرى كل خيمة
أصافحُ أمي حولها . . وأغيبُ
ويسحبني وجهي إلى حيثُ ما أنا
وأسألُ : من تحتي؟ يقولُ: لهيبُ
كأن لهيباً صار كل مفارشي
ومن غيرهُ عند المنامِ قريبُ؟!
ئأنا بينَ ذاكَ البدوِ والعدوِ لا أرى
قميصاً وبيتُ الأمنياتِ قشيبُ
أعودُ إلى يعقوب ألقي حقائبي؟
ولكن عودَ الراحلينَ مُريبُ
أبي . . كنتَ في قصرِ العزيزِ مُصلّياً
لماذا تركتَ القصرَ؟ . . أنتَ لبيبُ
أتبعثُ إخواني تقولُ: تحسسوا
وتعلمُ عن جرحي وأنتَ طبيبُ
تعال معي . . نلقى مدينةَ حلمنا
لقد شابَ هذا الرأسُ . . كيف يشيبُ
ليوسف في بيت العزيز حكايةٌ
نهايتها . . إنّ الغريبَ مُصيبُ
ولكنني ما زلتُ أكتبُ قصةً
نهايتها . . إن الغريبَ غريبُ
وقالت: مَنْ الطارق؟
وقالت:
مَنْ الطارقُ الآنَ
والليلُ يغفو؟
ومن يستفز الأحاسيسَ
والبيتُ ناطورهُ غابَ
والبردُ إبليسُ
والليلُ في صمتهِ
مدفأهْ
دع البابَ واغرُبْ . .
فلستُ التي إن تغيبَ عنها الضياءُ
تفتشُ عن ظلمةٍ تكنسُ النورَ
حتى إذا عادَ
عادَ ليسألَ: من أطفأهْ؟
أنا أحرسُ الوردَ والفل
لي من يقلبُ جمري
ومن يطفئُ الجمرَ
بعد نضوجِ عشائي
وآخر ما يستفز الضلوعَ
هو الخوضُ في وشوشاتِ الشعورِ
ودغدغةِ القلبِ نحو العناقْ
أنا لستُ في غيبةٍ عن قميصي
فقد قد من قبلٍ حين قلتُ لربي
أريد صلاحَ ابتهالاتنا بالفضاءْ
نريدُ لهذا الفضاءِ جناحينِ
نخرجُ من ظلمةِ القهرِ
عن عينِ من ينقلون لعينك
صورةَ أكواخنا
أنها من رخام
وأنا ننامُ على الريشِ
تجري الجداولُ تحت خطانا
ولكننا حين قلنا لهُ قالَ:
أف لكمْ . .
لا حديثَ معي
إنني الظل . .
ملكُ المدينة ملكي
وأنهارُها تحت رجلي
قال لنا:
ما عليكم سوى الموتِ من أجلِ هذا الطموح
ومد مخالبَهُ
تنهشُ اللحمَ منا
أيا أيها الطارقُ
ارجعْ
فإن قرانا تجوّلَ فيها أسدْ
مهلا يناير
مهلاً ينايرَ إن الليلَ ينكسرُ
ولست تعلمُ هل يلقى له وترُ
لا تشحذ الحنجراتِ اليومَ أغنيةً
فالنور عن مشرق الأحلام يستترُ
صبراً فإن أماني الروحَ تحملها
مراكبُ الوقت . . إن الوقت يعتصرُ
لو كان للسفح أمرٌ في مرابعنا
ما قال للجبل المغتر ما الخبرُ
في ثورة النيل أحلامٌ تبعثرها
عواصفٌ . . ولها في سيرها حفرُ
وقد يسيرُ جنونُ الماء منتشياً
وينحني لحظةً والسيلُ ينهمرُ
لم يبلغِ الموجُ أحياناً مواطنهُ
فكيف نبلغها والنار تستعرُ؟!
الأمرُ ليس بتحرير ولا مدنٌ
ولا ميادين يحدو حولها المطرُ
لا . . سيد الثورة العصماء طائرُنا
فضاءهُ أعينٌ . . والعينُ تنشطرُ
قل للذي اتسخت في الوحلِ غرتهُ
هل كان للوحلِ في أيامهِ شجرُ؟
وهل تمرّد كي يلقى لهُ وطناً
عن العيون بعيداً . . هل له قمرُ؟
ليست كنانةُ في منأى . . وليس لها
سورٌ يجغرفها والذئبُ ينتشرُ
إزحف إلى قمة الأهرام ممتطياً
عقلاً يبث طموحاً كاد يحتضرُ
واترك جنونك للأحجار تسجنه
لا سيف يقطعُ هذا المد يا حجرُ
واقلب على موقدِ التحرير أرغفةً
ولا تغادر طحينك إلا حين يختمرُ
إن كان في بيدر الأيام سنبلة
تمد للجوع قمحاً بعدهُ سفرُ
أرسل إليه عيون الوصل أدعيةً
كي لا يدوس عليه الطير والبشرُ
لأنك الآن أشعلت المدى . . وإذا
تركتَ جذوَتهُ ما حلقَ الظفرُ