عادي
أفق

"أعالي القرنفل"

02:55 صباحا
قراءة دقيقتين

كثيراً ما يخفى على المشهد الشعري وجود أسماء شعرية وازنة لا تقل أهمية عن تلك التي تحتل المساحة الأرحب فيه، وقد تكون في بعض الأحيان أهم منها أيضاً، وهذا ما يعانيه عشرات المبدعين العرب الذين غابوا خلف أسوارٍ علت بعلو مظاهر السطو والسلب التي تقوم بها فئة تحاول احتكار الظهور والوصول المجاني .

من الأسماء التي تواضعت في الظهور أو بتعبير أدق لم تتقن الولوج إلى فضاء العلاقات وتسويق الذات بطرق غير مستقيمة، الشاعر الفلسطيني يوسف المحمود الذي أصدر أخيراً ديواناً شعرياً بعنوان أعالي القرنفل يعد قاموساً ثرياً بمفردات الجمال والقصائد الغارقة بماء الشعر . . الشعر الذي يقدم نفسه بنفسه من دون الحاجة إلى مقدمات من أي نوع كانت .

المحمود في ديوانه هذا يجمع بين الذات والوطن والمرأة والقصيدة والتأمل في تفاصيل الكون بدءاً بالعشبة حتى آخر نجمة، وهو في كثير من مواضعه يلملم فوضى الحياة ليصنع منها باقة من كلام الزهر والشعر المجبول بالمعنى الممتنِع الذي لا يقع في فخاخ المباشرة والقول الجامد، فحتى في حديثه عن وطنه أجده يحمل هذا الوطن على أكف القصيدة دونما عناء، فالوطن هنا ليس بحاجة إلى كلام مثقل بالخطابة بقدر ما هو بحاجة إلى أن يتنفس الرحيق من وردة الكلام، بعد أن اختنق بأنفاس المنتفخين بهواء فاسد مرهق بالنفاق والمفردات منتهية الصلاحية، تماماً كما يشير لذلك بقوله: طائشٌ/ غير أني قتيل بلادي التي مزقتها المساطرْ/ وطريد بلادي التي لعقتها الكلاب/ وبلادي التي صارَ يكتبها كل (داشِر) .

القصيدة لدى المحمود ليست بحاجة إلى لغة ضاربة، ولا إلى صورة مركبّة فهي لينة كالماء وهادئة كالحرير، يكتبها بقلم القلب، ويلتقط صورها بعدسة الواقع الخيالي الذي يرمي بعينيه على ما حوله رافضاً أن يرى الأشياء سوى بعين الضوء والنور، حتى وإن كانت موغلة بالعتمة، فهو قادر على أن يُجمّل ما حوله بزينة الشعر وحُليّ الفكرة، ويجرّ بحبل النار قافلة الماء . . ها أنا أنتَ/ كنا نجرّ بحبلٍ من النارِ قافلة الماءِ في كلّ وادٍ/ ونرسم بالدمعِ ظلّ الحصانْ/ ها أنا أنتَ/ قلبٌ طعين وعينان جارحتانْ .

بهذه الانسيابية المدهشة يقدم المحمود قصيدته التي يقطفها من شجرة القول، ويبرهن من جديد أن الشعر في فلسطين لا يمكن حصاره وحصره في تجربة لشاعر واحد أو ذات رؤية واحدة، لأن فيها من الشعر ما يمكن أن نملأ به جدار الكون، ثم نعود لنسأل هل من مزيد .

إن هذه الأعالي لا تخلو في سطورها وجملها من دهشة لافتة، أو مفارقة تجبر القارئ على الوقوف مذهولاً أمام هذه الدلالات والتعابير التي ينسجها الشاعر بتمكن واقتدار، ليضع أمامنا فسيفساء شعرية جديرة بأن يشار إليها وأن يتم وضعها في واجهة مكتبة الشعر الفلسطيني .

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"