ليس علينا البحث بعيداً جداً عما يجري في أروقة الحكومة الأمريكية التي تتهم بأن تصرفاتها غير الحكيمة تؤدي إلى تبديد أموال الدولة . وإن كانت التهمة ذاتها تنصب على حكومات أخرى في العالم، وقد لا يكون هناك أي استثناء، فهي تبدد في الأماكن التي نتوقعها وفي أماكن لم نتخيلها قط . وتعود عملية تبديد الأموال إلى فترات أبعد من مرحلة التخطيط لبناء جسور في ولاية ألاسكا لم يتم بناؤها قط، منها خطة جسر نووير السيئة الصيت، وهي مجموعة من الجسور أقيم واحد منها فقط بينما ألغي المشروعان الآخران .

مع ارتفاع ديون الحكومة الاتحادية إلى 15 تريليون دولار وتراكم عجز مالي سنوي يزيد على تريليون دولار، بات واضحاً أن الحكومة الاتحادية تعاني مصاعب في ضبط تكاليف الدين أو القدرة على العيش في حدود الميزانية الاتحادية . . وإذا لم تكن الحكومة قادرة على إدارة أبسط الديون، فكيف لأحد أن يتوقع من الساسة اتخاذ إجراءات مشددة لخفض النفقات؟

ويمكن حصر تبديد الأموال في سبعة أساليب وفقاً لدراسة أعدها مايكل ساينبل نشرت في موقع انفستو ميديا، ومنها على الأخص أموال دافعي الضرائب، وهو ما حدث فعلا في تقويمات العام 2011 .

1- إنفاق 175587 دولار على دراسة خاصة بالكوكائين وعادات طير السمان الخطرة في علاقاتها العاطفية .

ولكن لماذا طائر السمان؟

السبب أن هذا الطائر يمكنه التفريخ في ظروف المختبرات ويوفر بديلا لحمائم المختبرات والفئران . ويبدو أن الحكومة بحاجة لإثبات ما توصلت إليه دراسات عدة سابقة بأن استخدام الكوكائين يمكن أن يضاعف مخاطر الممارسة العاطفية عند الإنسان . ولعل الأسوأ في ذلك انزلاق الحكومة في مواصلة هذه الدراسة حتى العام 2015 .

وتبدو هذه الدراسة أكثر إثارة للسخرية عندما نعلم أن القسط الأول من المبلغ 181406 دولار تلقته الدراسة من المعهد القومي الأمريكي للصحة، وكان الهدف من الدراسة معرفة تأثير الكوكائين في مضاعفة الدافع الجنسي لدى طيور السمان اليابانية .

وقدم المعهد الأموال لاستخدامها في الدراسة لتحسين فهم العلاقة ما بين استخدام المخدرات والسلوك الجنسي الخطر الذي يؤدي لانتشار الأمراض الجنسية المعدية في أحياء الضواحي المكتظة . كما تفحص الدراسة كيفية تأثير المخدر في الدافع الجنسي .

2- إنفاق 550 ألف دولار على إنتاج فيلم يبين مدى تأثير انتشار الروك آند رول في فرط عقد الشيوعية . وأخرج الفيلم الوثائقي جيم بروان ومن المقرر أن يتم عرضه في مايو/ أيار المقبل، وسيركز الفيلم، ويستغرق عرضه 90 دقيقة، على وصول فرقة نيتي جريتي ديرت باند الموسيقية إلى الاتحاد السوفييتي في أواخر عقد السبعينات من القرن الماضي .

وجاءت زيارة الفرقة بعد أن طرحت ألبومها هل يمكن تحطيم الدائرة وحظيت الفرقة باستقبال جماهيري منقطع النظير أو يكاد ينافس الاستقبال الذين حظيت به فرقة البيتلز البريطانية في موسكو . وفي تلك المرحلة كان الكرملين يؤكد على محاسن ومنافع استخدام القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية، وأراد الكرملين من وراء ذلك أن يظهر كيف يمكن للموسيقا المستوردة من الغرب أن تسهم في إنهاء الحرب الباردة .

3- إنفاق 592527 دولار لإثبات أن إلقاء البراز مهارة تستخدمها قرود الشمبانزي تؤدي إلى توثيق الاتصال فيما بينها .

وتهدف الدراسة إلى تحديد السبب الذي يحدو الشمبانزي إلى رمي البراز والأطعمة على المارة وعلاقة ذلك بالبنى العصبية وتدخلها في الاتصالات لتلك الحيوانات .

ومنحت تلك المبالغ إلى مركز أبحاث ياركز الوطني الأمريكي المتخصص بدراسة أشكال الحياة البدائية . واكتشفت الدراسة أن القرود في المجاهل تتعلم أن ترمي أغراضها أو أي شيء لتطوير قدرتها على السيطرة على الشمبانزي الآخرين وعلى الحيوانات البدائية الأخرى . وبعد إنفاق أكثر من نصف مليون دولار، اكتشفت الدراسة أن الشمبانزي التي برعت في رمي برازها لديها أيضا مهارات اتصال جيدة .

4- إنفاق 742907 دولارات على دراسة تأثير رعي الأغنام في التخلص من الأعشاب الضارة .

ومنحت وزارة الزراعة الأمريكية أموالا إلى جامعة مونتانا الحكومية لإجراء الدراسة وتطوير دراستين تغطيان وتوضحان النتائج . وعلى الرغم ذلك كان بدهياً إلا أنه تم إنفاق 750 ألف دولار على الدراسة .

ونظرا لأن استئصال تلك الأعشاب لا يحتاج إلى مواد كيماوية، فإن المزارعين الذين يفضلون الزراعة الخالية من الأسمدة الكمياوية يمكنهم التخلص من تلك الأعشاب عن طريق إطلاق قطيع من الأغنام لرعيها بدلا من حراثة الأرض . وتبين للدارسين أن فضلات الأغنام أثناء الرعي تخصب التربة باعتبارها أسمدة طبيعية .

5- إنفاق 765828 دولاراً استخدمت لتمويل إقامة مركز دولي للبانكيك في ضاحية مرتفعات كولومبيا التابعة للعاصمة واشنطن . وعلى الرغم من أن هذه الأموال أنفقت على أمور لا يستحقها ذاك المجتمع الثري، فإنها جزئيا ذهبت إلى مركز البانيك وإلى تجار تجزئة مثل بيست باي وتارجيت اللتين تخوضان حملات ضد البدانة الآن .

6- 17،800،000 دولار أنفقت على هدايا قدمت للصين .

ويتم ذلك على الرغم من أن الحكومة الأمريكية مدينة للصين بأكثر من تريليون دولار .

ويتساءل كثيرون عن الأسباب التي تدعو وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة التنمية الأمريكية الدولية لتقديم الملايين من الدولارات لبلد في الوقت الذي يمكن أن تستخدم هذه الأموال في سداد الديون . وتم إنفاق 4 .4 مليون دولار في تحسين البيئة في الصين والتبرع ب 5 .2 مليون دولار للخدمات الاجتماعية في الصين . تلك أهداف نبيلة، لكن الحكومة الصينية قادرة على تحمل مثل تلك النفقات . وفيما يفوق الدين السيادي الأمريكي إجمالي الناتج المحلي، فإن الديون الرسمية الصينية لا تزيد على 26 في المئة من إجمالي الناتج المحلي .

7- إنفاق 120 مليون دولار على الموتى . تدفع الحكومة الأمريكية مبالغ طائلة على الموتى مما أدى إلى إهدار أموال دافعي الضرائب خلال الأعوام الخمس الماضية، حيث بلغت أكثر من 600 مليون دولار، وتنحصر تلك المبالغ في معظمها في مبالغ خاصة بالتقاعد وبالعجز تدفع لموظفي الحكومة الاتحادية الذين وافتهم المنية . ومن الأمثلة دفع مبالغ بلغت نصف مليون دولار إلى ابن موظف اتحادي متوفى لسداد شيكات بقيت من غير سداد طوال 37 سنة، ولكن لم يتم اكتشاف أن تلك المبالغ لم تدفع إلا بعد وفاة الابن، ولم تتم استعادتها على الإطلاق .

النتيجة

تغطي تلك البرامج الآنفة نفقات لا يمكن اعتبارها أولويات حكومية، وما ذكر في هذه العجالة ليس سوى قمة جبل الجليد من أموال أخرى تهدر من دون فائدة سوى تحميل الخزينة الأمريكية أعباء هي في غنى عنها طالما أن ديون الحكومة فاقت 15 تريليون دولار .