من المعروف أننا نميز باللسان الأربعة مذاقات الأساسية: حلو، حامض، مالح ومر . بينما تعد المذاقات الأخرى دمجاً بين هذه المذاقات الأربعة، فبراعم التذوق الموجودة في طرف اللسان تستقبل المرارة والحلاوة . أما الطعم الحامض فيتم استقباله في أطراف اللسان والمرارة في القسم الخلفي منه . وهذا هو السبب الذي يجعلنا نميز على الفور طعم السكر أو الملح، عندما ندخل الأطعمة للفم، ولا نحس بالطعم المر إلا عندما نبتلع الطعام، كل هذه الاشياء يتمتع بها جميع خلق الله من دون استثناء، ولكن هناك اشخاص يطلق عليهم الذواقة وهم حساسون لدرجة المهنية والتخصص في التذوق للأطعمة والمشروبات، اقتربنا منهم للتعرف إليهم ومعرفة طبيعة مهنتهم وما يميزها عن بقية المهن، في هذا التحقيق .
طارق مسعود ذواقة عراقي ممتهن لمهنة الذواقة منذ17 عام، يقول: إنه تعود على التذوق منذ أن كان صغيراً، فأمه كانت تعتمد عليه في تذوق الطعام، حتى كبر وتعلم الطبخ وبدأ ممتهناً الطبخ في أحد الفنادق ليصبح بعد ذلك كبيرا للطهاة، حيث أصبح يشرف على الأطباق اليومية في الفندق الذي اشتهر بتقديم الأطباق الإيطالية، لدرجة أن الإيطاليين أنفسهم تعودوا على تناول الباستا والازانيا من الفندق الذي يعمل فيه، حيث أصبح يطلق عليه الآن طارق الإيطالي نسبة لتمكنه في أظهار الطعم الأصيل للأطباق الإيطالية، واقترن اسمه بكبرى المحال التي تقدم هذه المأكولات منذ 12 عاماً، وعن السر وراء ذلك يضيف أنه كان من أمهر الطهاه في المطبخ الإيطالي ولكنه تعود أن يعد الاطباق للإيطاليين أنفسهم في إيطاليا، حيث أقام هناك لمدة خمسة أعوام، فمرات عديدة يكون الزبون غير راض عن طعم البيتزا أو الباستا، وأحيانا تعجبه الشربة، ولكنه ظل يطهو ويتذوق حتى أنه أصبح لسانه على حد تعبيره إيطالياً، مؤكداً أنه اذا اردت أن تعرف الطعم الإيطالي، فخذ قطعة من الطعام وأغمض عينيك فإنك تحس وكأنك في وسط نابولي أو على أحد الشواطئ الإيطالية، وإذا لم يصلك هذا الإحساس فالطعام ليس ايطاليا وأنك خدعت في المطعم والطهاة .
جان بيير ذواقة انجليزي محترف يعمل بالساعة لدى من يريد من أصحاب الفنادق والمطاعم، وتخصص في تذوق المشروبات يقول: إذا أردت أن تتذوق مشروباً مصنوعاً من الفاكهة أو نكتار، فعليك ألا تبدأ بالشرب، بل يجب أن تمعن في النظر للكوب وهو في يد من يقدمه، فالعين تأكل وتشرب قبل الفم، ثم اللمس للتحسس والتأكد من كونه بارداً أم ساخناً، ومن ثم يبدأ الشخص بالشم وهو مغمض العينين، ويكون الشم سريعاً غير ملحوظ وعميقاً يشبع المتلقي برائحة المميزة للمشروب، ومن ثم البدء بالتذوق عبر اللسان، وتتم عملية التذوق لجان على مرحلتين، الأولى هي أرتشاف قدر صغير جداً للتأكد والاختبار، وغالباً ما يمررها عبر طرف اللسان الأمامي، مشيراً إلى أنك قد تتوقف عن تناول المشروب في هذه المرحلة، ثم تأتي المرحلة الثانية، والتي يتم فيها ارتشاف كمية أكبر من السائل لتمريرها عبر الحلق والأجزاء الأخرى من اللسان للتأكد من درجات الحلو والحامض والتي تتناسب مع الذوق والطعم المطلوب الذي يتطلبه الشخص .
بينما يسعى فليب ماندرويس مدير أحد الفنادق الكبرى بدبي، إلى تثبيت الطعم ضمن نسب، يقوم بوضعها أكبر الطهاة في الفندق، رامياً إلى أن يتعود النزيل على الطعم ومن ثم يطلب طعامه أو مشروبه وهو مغمض العينين، ولا يغامر في تجربة أطباق جديدة، موضحاً أن فندقه بالإضافة إلى أنه يحتوي على كثير من المطابخ العالمية فهو يحتوي على خبراء في كل طعم، من الذين درسوا اصناف الطعام، والطعم الأصيل لكل طبق في بلده الأصلي، ومن ثم من السهل عليهم أن ينفذوا هذه الأطباق في أي مكان في العالم بنفس النسب والمقادير المطلوبة لإنجاح هذا الطبق، ومن ثم وصول الطعم إلى الزبون الذي قد يكون من أبناء البلد الأصلية للطبق، مضيفاً أنها من المهام الأساسية والمهمة جدا لنجاح العمل الفندقي .
أما ان ماكينو ديماندو فتصف لنا كيف نتذوق الشيكولاتة، فالبداية تكون بالتدقيق في الشكل اللامع لقالب الشيكولاتة، ثم الملمس الناعم الذي يتحسسه متناوله وهو من علامات الجودة العالية، فهي عن طريق الشكل والملمس تستطيع بنظرة فاحصة ادراك الجودة، ثم يأتي بعد ذلك عنصر مهم تراه من أهم المراحل وهو #187;شم الارنب#171; وهي طريقة متعارف عليها في الشم، سميت بهذا الاسم لان الارنب من الحيوانات التي تشم بسرعة وبعمق في نفس الوقت، مؤكدة أن هناك شرطاً اساسياً للتذوق والشم، وهو الضمير الواعي للشخص المتذوق، حيث تعتمد الشركة أو المستثمر على الذواقة في تقدير نسب المبيعات فكيف تعتمد أي شركة على اي انسان لا يكون صادقا؟ وكيف تعرف انه لا يجامل، ولا يكذب، ولا يبالغ ؟ فقد تكون كارثة بحسب رأيها إذا حدث ذلك فتهوي الشركة وتخسر خسائر فادحة . أما إسماعيل القاسم الملقب بالدكتور، فله طريقته الخاصة في تذوق اللحوم فهو يجلس على كرسي، في غرفة نظيفة كأنها غرفة عمليات جراحية، بعد ان يرتدي ملابس واقية كأنه جراح . ثم تنفتح نافذة جانبية، ويأخذ صحناً فيه قطعة لحم . يشمها، ثم يلمسها بطرف إصبعه، ثم يمضغها ببطء، ثم يبصقها . ويدون، مع كل خطوة، رقما على ورقة امامه، مدونا من عشرة درجات كم يأخد كل من الشكل وطريقة التقديم والملمس والرائحة والطعم، مشيراً إلى أنه قد يعنف الطاهي في كل مرة لا يرى فيها درجة الطهي مناسبة للمكان، حيث يحرص في كل مرة الاخذ في الاعتبار ملاحظات الزبائن بعد تناول اللحوم، وهي من أهم تخصصاته المباشرة بالفندق، فبحسب الدكتور خسارة الفندق الذي يعمل فيه خسارة له شخصياً، فعدم الرضا عن طريقة الطهي وطعم وشكل اللحوم المقدمة، تعني أنه فاشل كذواقة ممتاز كما يحب أن يصف نفسه .
من جانبه أشار الشيف لي جي تونغ صاحب العشرون عاماً من الخبرة في المطبخ الصيني في الشارقة، إلى أن الطعام الصيني له أصوله وطعمه الخاص وطريقة تقديمه التي تتفرد بها الصين عن بقية الدول، فمن السهل على الزبون معرفة أن يكون الطبق المقدم أمامه صينياً أو آسيوياً أو عربياً أو أوروبياً، ولكنك من الصعب أكتشاف الاخطاء التي قد تكون في الطبق الصيني، والتي يتعرف إليها المغرمون به وأبناء البلد أنفسهم، فهم برأيه المحك الرئيس والركيزة الأساسية التي تكشف له أخطاء طباخيه من غير الصينيين، مؤكداً أن هناك من بين الطهاة العرب من يقومون بإعداد الأطباق الصينية وإجادة طهيها طبقا للمقادير والنسب المتعارف عليها لدى الصينيين، وعما يميز لطعم الصيني يقول: إن هناك مجموعة من الصوصات التي يستخدمها الصينيون في أطباقهم مثل الصويا صوص والاوسترا والفيش صوص، بالاضافة إلى الملفوف الصيني والتوابل، بالاضافة إلى طريقة الطهي السريع، والتي قد تبهر الزبائن في المطعم .
توم أويجرم من أحد الفنادق الشاطئية الانجليزية بدبي، يقول إنه كذواقة يدرك أن التذوق أصبح يفوق الحواس المعتادة مثل تذوق الحلو والمر والحامض والمالح، إلى احساس جديد وهو #187;أومامي#171; ويعني #187;لذة#171; في اللسان، خاصة لذة اللحم والجبنة، موضحاً إلى أن السبب ربما يكون بسبب الشحم والزيت مشيرا إلى تفوق النساء على الرجال في القدرة على التذوق . ويتفوق الأفارقة والآسيويون على الأوروبيين في ذلك، فهو بخبرته الطويلة في المطاعم، يستطيع أن يتعرف عن بعد إلى الزبون المستمتع بالطعام والرافض له، وحتى الذي يأكل لمجرد الطعام وملء المعدة، ومن الجدير بالذكر أن الذواقة هم أناس عاديون لهم نفس الاعضاء كباقي البشر ولكن السر كما يذكره لنا الشيف توم، يكمن في التعود على الطعم الذي يطبع بدوره في الذاكرة، ولا ينسى، لدرجة أن المتذوق يرفض غراماً من الملح يزيد أو يقل، أو ملليغرام واحد من السائل أو الصوص أو الكريمة، إضافة إلى تعوده على التكوينات التي قد تتماشى مع بعضها بعضاً، من حيث الاطعمة التي تقدم كطبق رئيس أو جانبي أو حتى مقبلات، فعندما يذكر له نوع معين من الطعام يستطيع أن يخبرك بالبدائل والاطباق التي تتوافق مع بعضها بعضاً، ولا تتنافر لتوحد الطعم والوصول إلى اللذة والاستمتاع بالطعام .
أما الأفراد العاديون فقد يكون من بينهم ذواقة، فمحمد يوسف (موظف) يتردد على المطاعم بحكم تناوله لوجبه الغذاء خارج المنزل كل يوم، ويرى في كل مرة طعماً جديداً لنفس الطبق الذي يحرص على تناوله، موضحاً أن الاستيك المشوي، قد يظنه البعض أنه مجرد قطعة لحم موضوعة على النار لمدة حتى تنضج، ولكن الموضوع بحسب رأيه طويل ومعقد، فقد يعتمد على التتبيلة التي توضع فيها اللحم والمدة، علاوة على نوع اللحم المستخدم والقطعة وحجمها ودرجة طهيها، فهناك #187; well done#171; وهي مطهية جيداً لتشرب ماءها، وال#187;medium #171; أو الوسط وهي الطرية الحمراء من الداخل .
أما سعيد بو علي (إماراتي) فيعشق الأرز أو #187;العيش#171; فقد أصبح من ضمن الذواقة المشهود له من الأهل والأصدقاء في تذوق البرياني، وهو طبق يعشقه الإماراتيون ويعرفوه جيداً، من شكله ورائحته ومذاقه، أما سعيد فهو يستطيع طهيه مع الأصدقاء في البر وليالي الشتاء الجميلة على حد تعبيره، حتى أصبح معروفاً بإعداده لأطيب برياني يتذوقه الاهل والأصدقاء، بينما يصر على أخذ الادوات كاملة للحصول على الطعم المناسب للبرياني، مؤكداً إلى أن برياني اللحم يختلف في طعمه ورائحته عن برياني الدجاج، على الرغم من كونهما بنفس الاسم .
وتضيف نورا الشحي (موظفة) أنها تستطيع أن تكتشف الطعم الاصلي للمعكرونة بشتى طرقها، وليس ذلك فقط بل تتعرف إلى المكونات الموجودة والمستخدمة داخل الطبق المقدم لها، مضيفة إلى أنها تستطيع بفضل حاستها الشديدة في تذوق الطعام . اعداد أنواع عدة من الأطباق الإيطالية، والتي تصر على إعدادها لإخوانها في المنزل، وتتحدى فيها الطعم التجاري أو المتعارف عليه في كبرى المطاعم الإيطالية .