لاتزال بطاقات الائتمان الهاجس الأكبر بالنسبة لعملاء البنوك العاملة في الدولة، فهي بحسب مستخدميها، متغيرة ومتحولة، ولا تنطوي على آلية واضحة وموحدة في السداد والأقساط، إلى حد جعل بعضهم يشعرون أنهم لن يستطيعوا الوفاء بها طوال حياتهم، وقد يضطرون إلى توريث دينها إلى أبنائهم وأحفادهم . وفي المقابل تقف البنوك على الضفة المقابلة تماماً للعملاء، وتعتبر عملها بمنتهى الشفافية والسهولة، ولكن المشكلة تكمن في عدم قراءة العميل لشروط التعاقد بينه وبين البنك في بطاقات الائتمان من جهة، وعدم إلمامه بالحسابات الرياضية التي تمكنه من تقييم موقفه الائتماني فيها من جهة أخرى . وتعيش البنوك هاجس سداد بطاقات الائتمان ذاته الذي يعانيه العملاء عندما تنتقل من مرحلة الإصدار إلى مرحلة تحصيل حقوقها من المتعثرين في هذه البطاقات، ولكن ذلك لا يثني عزيمة البنوك في الاستمرار بإصدار بطاقات جديدة تعزز مساهمة هذا الرافد الأساسي لإيراداتها السنوية الذي يقدره خبراء بنسبة 10-15% سنوياً من إجمالي إيرادات البنك، كما يقدرون حصة البطاقات بما يزيد على 80% من إجمالي حالات تعثر الأفراد التي تواجهها البنوك، خاصة أن إصدار البطاقات يتمتع بمرونة تفوق غيره من منتجات الأفراد بالنسبة لقوانين المصرف المركزي الناظمة للقطاع .
تنقسم بطاقات الائتمان المصدرة في السوق المحلية عموماً، إلى بطاقات إسلامية وأخرى تقليدية أو تجارية، في حين يشترك النوعان إلى حد كبير في الخدمات أو الامتيازات أو المنافع التي يستفيد منها مستخدمو هذه البطاقات من عملاء البنوك الوطنية والأجنبية، يختلف النوعان عن بعضهما تماماً تقريباً في طريقة احتساب آلية السداد المترتبة على العميل، والعائد الشهري والسنوي المتوقع للبنك .
وبحسب خبير الصيرفة الإسلامية أمجد نصر، تنطوي السوق المحلية على نوعين فقط من بطاقات الائتمان المصرفية، الأول على أساس القرض (بطاقة المنافع)، والثاني على أساس التورق (بطاقات المرابحة)، وكلاهما يتيح لعملاء المصارف الإسلامية شراء السلع الحلال ودفع الفواتير في الأماكن المتوافقة في عملها مع الشريعة الإسلامية، إضافة إلى السحب النقدي لكامل قيمة البطاقة أو بنسبة معينة وفق سياسة البنك الداخلية .
ووفقاً لخبير الصيرفة الإسلامية، يترتب على العميل مقابل حصوله على بطاقات المنافع رسماً شهرياً محدداً وثابتاً، يبدأ احتسابه بمجرد تفعيل العميل للبطاقة بغض النظر عن استخدامها أو عدمه، ويستطيع العميل في هذا النوع من البطاقات سداد كامل المبلغ المستخدم من البطاقة أو دفع الحد الأدنى من هذا المبلغ شهرياً، وهو حد يتفق عليه بين البنك والعميل عند توقيع العقد عند إصدار البطاقة .
أما بطاقات المرابحة، فيقول أمجد نصر إنها تجمع معاملتين بنكيتين في وقت واحد، هما المرابحة والمضاربة الاستثمارية، حيث إن البنك يقوم بشراء سلع نيابة عن العميل، ثم يبيعها له، ويضع ثمنها في حساب العميل على شكل بطاقة ائتمان، ويترتب على العميل مقابل ذلك سداد قيمة المبلغ الأصلي الذي باع به البنك البضاعة، إضافة إلى قيمة ربح البنك من هذه العملية، وهي قيمة محددة وتوزع على كامل فترة سداد البطاقة .
ويشير نصر إلى أن بطاقات المرابحة تعطي الفرصة أو الحق للمصرف الإسلامي باستثمار الرصيد المتوافر في بطاقة ائتمان العميل، في ما يسمى بمضاربة الاستثمار، بحيث ينتفع العميل والبنك من هذا الاستثمار، موضحاً أن العميل يمنح البنك حق الاستثمار في رصيد بطاقاته عندما يوقع على التعاقد مع البنك عند طلب بطاقة الائتمان، كما أن حصة كل من البنك والعميل من الاستثمار المشار إليه تحدد وفقاً للتعاقد ذاته .
ولفت خبير الصيرفة الإسلامية إلى أن بطاقات التورق الإسلامية تنطوي على معادلات حسابية لتنظيم حصة كل من البنك والعميل في الاستثمار والمرابحة، حيث إن البنك يحتسب عائدات أو حصة العميل من استثمار رصيد بطاقته الائتمانية ضمن عملية سداد العميل للمرابحة التي قدمها البنك له عبر بطاقة الائتمان، وبالتالي يراعي المصرف دائماً الفارق بين عائدات العميل وقيمة المبلغ المستحق عليه لسداد بطاقة الائتمان .
وقدر نصر قيمة الرسوم التي تفرضها المصارف الإسلامية على بطاقات الائتمان بين 200 و500 درهم شهرياً، تختلف بين بنك وآخر، وتتوقف على قيمة البطاقة كأحد العوامل الرئيسة في تحديد هذه الرسوم، كذلك أشار نصر إلى أن بطاقات التورق هي الأكثر استخداماً أو طلباً بين البطاقات الإسلامية في السوق المحلية، ولكن كلا النوعين يتيح للعميل السحب النقدي، وغيره من الميزات الفنية المعروفة للبطاقات .
الشراء والكاش
أما البطاقات التجارية أو التقليدية، فهي وفقاً لنائب الرئيس التنفيذي في أحد البنوك الوطنية، تنتمي لنوع واحد من حيث آلية احتساب فائدتها وأقساطها الشهرية، وتختلف عن بعضها فقط من حيث قيمتها والميزات، مثل الحسومات والخدمات والمكافآت، وبغض النظر عن تصنيف البطاقة وفقاً لذلك إلى ذهبية وفضية وتاتينيوم وغيرها، تقوم البنوك باحتساب فائدة دورية على استخدام بطاقاتها لغرض الشراء أو السحب النقدي، على حد قوله .
ووفقاً للمصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه، تلجأ معظم البنوك التجارية إلى احتساب سعرين للفائدة عند استخدام بطاقات الائتمان، الأول يتعلق بالمشتريات، والثاني يكون خاصاً بالسحب النقدي، لافتاً إلى أن الفائدة على المشتريات تحتسب مرة واحدة شهرياً على المبلغ المستخدم، في حين أن الفائدة على السحب النقدي تحتسب يومياً، الأمر الذي يجعل رصيد البطاقة متغيراً وغير واضح تماماً بالنسبة للعميل، وهو ما دفع بعض البنوك إلى تقسيم أرصدة بطاقاتها بشكل واضح بين النقدي والمشتريات، في حين أن بنوك أخرى منحت عملاءها بطاقتين منفصلتين، إحداهما للشراء والأخرى ل الكاش .
وأضاف المصدر ذاته، أن سعر الفائدة على بطاقات الائتمان في السوق المحلية بشكل عام تتراوح بين 2-3% للوافدين، و1-5 .1% للمواطنين شهرياً، وهو ما يعد مرتفعاً مقارنة بالأسواق المجاورة، بغض النظر عن الخدمات التي تنطوي عليها البطاقات المحلية، على اعتبار أن عائد البنوك يأتي من استخدام المال الموجود في البطاقة، وليس من استخدام العميل لخدمات البطاقة، ولكن محاولة تقليص عائد البنك وإيراداته من بطاقات الائتمان لا يعد خياراً جيداً بالنسبة للكثير من البنوك اليوم، على حد قوله .
وشدد المصدر على ضعف الثقافة المالية لدى عملاء البنوك واستهتارهم بقراءة بنود التعاقد بينهم وبين البنك قبل توقيعهم طلب الحصول على أي تسهيل مصرفي، الأمر الذي يجعلهم عرضة للاستغلال من جهة، والتعثر من جهة أخرى، خاصة أن الأغلبية الساحقة من العملاء يستخدمون كامل الرصيد المتوافر في بطاقاتهم، ويعملون على سداد البطاقة على شكل أقساط شهرية، تضم الحد الأدنى من الرصيد المستخدم، إضافة إلى الفائدة الشهرية المترتبة على السحب النقدي والفائدة الشهرية على عمليات الشراء .
حالات متكررة
وبرأي مسؤول التحصيل في أحد البنوك الوطنية، فضّل عدم ذكر اسمه، أن حالات التعثر التي تواجهها البنوك في بطاقات الائتمان متكررة، ويمكن تصنيفها إلى ثلاث حالات رئيسة، الأولى تتمثل في تعثر السداد بسبب فقدان العميل لوظيفته، والثانية تنتج عن تجاوز إجمالي أقساط التزامات العميل من قروض وبطاقات، لنصف راتبه أو راتبه في أحيان كثيرة، أما الحالة الثالثة فهي ترتبط بخلافات تقع بين البنوك والعملاء، نتيجة ليأسهم من سداد البطاقة في ظل الفوائد المرتفعة التي تشكل أحياناً نحو 70% من قيمة القسط الشهري للبطاقة .
وبحسب المسؤول ذاته، فإن القضاء آخر الخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها البنك لتحصيل أمواله من بطاقات الائتمان المتعثرة، وهو خيار يفضل البنك تأجيله حتى اللحظة الأخيرة التي يدرك فيها أن لا مجال للتفاهم مع العميل، ولا بأي صيغة كانت، أو أن العميل غادر البلاد بشكل نهائي، لافتاً إلى أن عملية تفاوض البنك مع العميل قد تستمر نحو 6 أشهر من تاريخ توقفه عن السداد، ويتعاقب على هذا التفاوض في البنك ثلاثة أقسام أو إدارات، هي إدارة خدمات الأفراد، ثم إدارة التحصيل، ومن ثم الشؤون القانونية في المرحلة الأخيرة .
وشدد المسؤول على أن البنوك تلتزم بعمليات المصرف المركزي بشأن مخصصات البطاقات المتعثرة بشكل دقيق، ولكن ذلك لا يعني أبداً توقفها عن ملاحقة العميل لتحصيل ديونها، وهو ما يمكن أن يأخذ أشكالاً عدة مثل محاولة حذف الفوائد في حال رغبة العميل بسداد كامل البطاقة، إعادة جدولة البطاقة وتخفيض أقساطها إلى حد يلائم إمكانات العميل في حال أراد ذلك، تحويل رصيد البطاقة إلى ما يشبه القرض الصغير بفوائد محددة (كويك كاش)، يسددها العميل بأقساط ثابتة على مدار عام أو عامين أو حتى 3 أعوام، وغيرها من الخيارات التي يقدمها البنك للعميل، وفقاً لدخله ووضعه الائتماني .
سداد وتحصيل
ووفقاً لمسؤول التحصيل فإن الخيار الأفضل لسداد بطاقات الائتمان، سواء التجارية منها أو الإسلامية، يتمثل في سداد كامل المبلغ المستخدم منها خلال شهر، أو في موعد استحقاقها المحدد في بنود العقد مع البنك، الأمر الذي يجنب العميل دفع الرسوم الإدارية الشهرية المفروضة على استخدام بطاقة التورق في المصارف الإسلامية، أو الفائدة الشهرية المقررة على أي نوع من البطاقات في البنوك التجارية .
ولفت المصدر إلى أنه في حال اضطر العميل إلى استخدام كامل رصيد بطاقته الائتمانية، أو استخدام مبلغ كبير لا يستطيع سداده كاملاً في موعد استحقاق البطاقة، فمن الأفضل أن يحصر استخدامه للبطاقة في المشتريات، تجنباً للفائدة اليومية التي تحتسب على عمليات السحب النقدي، لافتاً إلى أن البنك يستمر في احتساب شكلي للفائدة على السحب النقدي والمشتريات، كلاً على حدة، حتى يتم سداد البطاقة كاملة، مهما صغر حجم المبلغ المسحوب نقداً، مقارنة بقيمة المشتريات في البطاقة .
وتابع المصدر قائلاً: إذا اضطر العميل إلى استخدام بطاقته في عمليات الشراء والسحب النقدي معاً، فمن الأفضل أن يلتزم بقيمة القسط الشهري المحدد له من قبل البنك الذي يحتسب فيه الحد الأدنى من المبلغ الأصلي، مضافاً إليه فائدة المشتريات، وفائدة السحب النقدي، وذلك تجنباً لغرامة التأخير في السداد التي تزيد من قيمة النقص في البطاقة، ويحتسب عليها فائدة مستقلة، مما يقلص حصة المبلغ المعاد لرصيد البطاقة الأساسي من القسط الشهري المطلوب من العميل .
وأردف المسؤول: وفي أسوأ الحالات، وعلى افتراض أن العميل اضطر إلى كافة الخيارات السابقة، يجب عليه أن يتجنب جعل بطاقته مكشوفة، بمعنى أن العميل يأخذ ما يزيد على الرصيد الأصلي لبطاقته، وهنا يدخل العميل في اجترار القسط الشهري للبطاقة من دون أن يراكم شيئاً في الرصيد الأصلي لبطاقته الائتمانية، ما يجعله يشعر بالإحباط واليأس من سداد البطاقة، ويدفعه للنقمة على البنك، وتحميله المسؤولية عما حدث .
تأمين البطاقات
وفي إطار سعيها للحد من تعثرات عملائها في بطاقات الائتمان من جهة، وتشجيع العملاء الآخرين على استصدار بطاقات جديدة تزيد من إيراداتها السنوية من جهة أخرى، بدأت بعض البنوك مع نهاية العام الماضي تخفيض أسعار الفائدة على بطاقاتها، خاصة بالنسبة للمواطنين، في حين ذهبت بنوك أخرى إلى التأمين على بطاقات عملائها ضد الضياع أو فقدان العمل أو الموت أو المرض أو التعثر في السداد لأسباب معينة .
وبحسب اتحاد مصارف الإمارات، فإن خدمة التأمين على بطاقات الائتمان التي تقدمها البنوك لعملائها، تعد اختيارية وغير ملزمة، وتشمل شروطاً وأحكاماً يقرؤها العميل ويوقع عليها بالعلم والموافقة عند التعاقد، وتتوزع أنواع هذا التأمين بين تأمين ضد سرقة وضياع البطاقة، والتأمين على الحياة والإعاقة وترك الوظيفة وعدم القدرة على السداد وغيرها، وهي جميعها اختيارية، ويعود للعميل أن يوافق عليها، يطلب إلغاءها في بداية التعاقد .
ويمثل تقديم البنوك خدمات تأمينية للعملاء فائدة للطرفين، إذ يستفيد العملاء من الحصول على تلك الخدمة بمزايا وسعر تفضيلي، عبر تعاون البنك مع شركة التأمين واشتراطه أن تمنح مزايا تفضيلية لعملائه، كما أن البنوك تستفيد أيضاً من خلال تقديم خدمات تمثل قيمة مضافة تجعل العميل حريصاً على التعامل مع البنك .
ويقول الاتحاد إن الشكاوى من منتجات التأمين في البنوك تأتي نتيجة عدم الاطلاع على بنود العقد قبل توقيعه، وعليه يتوجب على عملاء البنوك قراءة شروط إصدار البطاقة الائتمانية جيداً قبل الموافقة والتوقيع عليها . وينظر العميل عادة إلى الرسوم التي يسددها مقابل الحصول على الخدمة التأمينية، من دون أن يدرك المزايا التي يمكن أن يجنيها في حال عدم السداد عند تعرضه للسرقة وضياع البطاقة أو الإعاقة أو ترك الوظيفة .
ويؤكد الاتحاد أن معظم العملاء يفضلون التأمين ضد ترك الوظيفة، على اعتبار أنه خيار جيد يؤمن سداد شركة التأمين بنسبة تراوح ما بين 10 إلى 70% من قيمة البطاقة للبنك في حال فقدان العمل، وقد أوجب ارتفاع نسب المخالفات وعدم القدرة على تسديد الدفعات المستحقة اعتماد خدمة التأمين على بطاقات الائتمان في معظم البنوك في الدولة .
ولفت الاتحاد إلى أن خدمة التأمين الائتماني تهدف إلى حماية العميل في المقام الأول في حال التعثر والعجز عن السداد، وتختلف رسوم هذه الخدمة من بنك لآخر، باختلاف أنواعها، واختلاف شركات التأمين، حيث يتم احتسابها وخصمها على حساب العميل بشكل مستقل تماماً عن الفائدة .
ملاحظات
* لم يصدر المصرف المركزي أية إحصاءات حول عدد البطاقات المصدرة في الدولة أو قيمتها أو حالات التعثر فيها .
* لايزال المصرف المركزي يفضل الوقوف على الحياد في مسألة تحديد سعر الفائدة على بطاقات الائتمان في السوق المحلية .
* لا يمكن معرفة عدد بطاقات الائتمان لدى العميل من عدة بنوك، إذا لم يرتبط سدادها براتبه أو بشيكات شهرية تدخل حسابه .
* يشترط المركزي على البنوك أن يكون دخل العميل السنوي أكثر من 60 ألف درهم لإصدار بطاقة ائتمان له .
* تشير إحصاءات غير رسمية إلى أكثر من 3 ملايين بطاقة ائتمان مصدرة لنحو مليون عميل في دولة الإمارات .
* لاتزال أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان في الدولة الأعلى خليجياً، حيث تتراوح قيمتها بين 24 - 36% سنوياً .