
في السياق العربي ظهرت كتابات مؤسسة على الإيجاز الشديد، تسعى إلى محاكاة تلك التوجهات العالمية والاستفادة منها عربياً، فظهرت قصيدة الومضة وهايكو عربي، والقصة القصيرة جدا، وراجت بشكل كبير خصوصاً لدى فئات الشباب من الكتاب والشعراء، وهناك من النقاد من تبنى هذه الظاهرة ورأى أنها تستجيب لواقع اجتماعي وفكري طابعه السرعة، والانشغال في مشكلات الحياة، ولا يجد القارئ فيه متسعاً من الوقت لقراءة مستفيضة، فكان لزاماً على الأدباء أن يكيفوا كتاباتهم مع هذا الواقع .
وحاول بعض النقاد أن يقننوا هذه الظاهرة فاشترطوا لكل جنس من أجناسها شروطاً كثيرة، لا يثبت منها في النهاية سوى الحكائية مع الاختزال في القصة القصيرة جدا، والمفارقة اللغوية مع الاختزال في قصيدة الومضة، إلا أنه في بعض الأحيان يتداخل الاثنان نظرا لأن كليهما يأخذ من الآخر ولا يحدد طبيعة النص حينها إلا خيار كاتبه الذي يصفه بأنه قصة قصيرة جدا أو ومضة شعرية، ومن النقاد من رفضوا هذا الاتجاه واعتبروه مجرد موضة ومحاكاة لما شاع في الأدب العالمي .
ويرى الكاتب حارب الظاهري أن الأنماط الإبداعية الجديدة، لم تأتِ من فراغ، وإنما جاءت استجابة لمتغيرات العصر التي تتجلى أهم مظاهرها في المشهد الثقافي العربي، عبر العزوف الملحوظ عن القراءة، وغياب ثقافة الكتاب عن البيت العربي .
ويشير إلى أنه على الصعيد الشخصي، يجد نفسه رغم أنه مع الحداثة الأدبية، في القصيدة، والقصة المألوفة، أكثر متعة من الأشكال الكتابية الجديدة، لافتاً إلى أنه يمكن للقارئ الاستمتاع في الأشكال التقليدية بالصورة، واللغة، واكتشاف عوالم الكاتب وتلمس قدراته .
ويتفق القاص إبراهيم مبارك مع الظاهري في أن لمتغيرات العصر أثراً كبيراً على التوجه الحاصل نحو الاختزال والقصر في الأنماط الإبداعية، سواءً كانت قصيدة أو قصة أو رواية، أو غيرها، مشيرا إلى أن العصر فرض على الكتّاب مسألة لا يمكن تجاهلها تتمثل في الوقت، إذ يرى أن الوقت لم يعد يسعف القارئ ولا الكتاب على حد سواء، وذلك على عكس الزمن الماضي الذي كان يمكن فيه للقارئ أن يقرأ رواية في ستمئة أو سبعمئة صفحة .
ويفضّل مبارك ألا يتم التعامل مع الحراك الجديد بوصفه مدمراً للذائقة أو مخرباً للحراك الثقافي والأنماط الإبداعية، إنما يجب أن تترك الحرية كاملة أمام الكتاب ليختاروا الشكل الإبداعي الذي يعبر عنهم ويجدون فيه أنفسهم، مشدداً على أنه على المناهضين لهذا التوجه ألا يغفلوا عن صعوبة الاختزال والتكثيف في الكتابة، وما يلزمها من قدرة ولغة عالية ليس من السهل الحصول عليها .
ويشير مبارك إلى انه إضافة لمتغيرات العصر ودورها في صناعة ذلك التوجه في الكتابة، فإن استيراد أو انفتاح الكاتب العربي على أنماط كتابية عالمية جديدة أسهم بصورة أو بأخرى في تعزيز هذا التوجه، متوقفاً عند رواج قصيدة الهايكو اليابانية التي تعد أهم تجلياتها ما يسمى بالومضة الشعرية .
ويؤكد الشاعر والباحث أحمد محمد عبيد أن الحركة الأدبية عليها أن تؤمن بالأجناس الأدبية الجديدة التي تظهر، إلا أنه في الوقت نفسه لا يمكن أن يتساوى الكتّاب الذين يكتبون القصة القصيرة أو الطويلة ويتعبون عليها، مع أولئك الجدد الذين باتوا يكتبون قصصاً قصيرة جداً .
ويتوجه باللوم للكتاب الذين ينحون نحو القصر في نتاجهم الإبداعي، ويرون في هذا الشكل الكتابي مساحة من إنتاج النصوص السهلة، أو الشبيهة بالموضة، مشيراً إلى أن الكثير من الكتّاب خصوصاً الأجيال الجديدة الشابة باتت تتجه لتلك الأشكال الكتابية كنوع من الاستسهال لا يجهدون فيه أنفسهم في الاشتغال على نصوصهم، لتخرج كما يجب .
ويرى الشاعر قاسم سعودي أن ظاهرة الاختزال لم تأت من فراغ، ولا يمكن القول إنها نتجت عن مجرد المحاكاة بل هناك حاجة فكرية لها، وأنا أشبهها بتفاحة صغيرة على شجرة عالية، فنحن في زمن تتراجع فيه الأفكار العظيمة، ويخبو فيه الإنتاج المفصل العميق، وربما تكون قصيدة الومضة والقصة القصيرة جداً هما ردة فعل على هذا التراجع، وزهرة طيبة في صحراء الأدب الكبيرة .