نظم النادي الثقافي العربي مساء أمس الأول معرض حروف نورانية مشرقة للخطاط العراقي الدكتور عماد زبير أحمد، بحضور الدكتور عمر عبدالعزيز رئيس مجلس إدارة النادي، وعلي المغني نائب رئيس مجلس الإدارة، وعدد من الخطاطين .

يستفيد الدكتور عماد زبير من تجربة إقامته الطويلة في السويد واطلاعه العميق على فنون التشكيل في الغرب، واتجاهات الذوق الفني واللوني في المجتمعات الغربية، ما جعله يقدم لوحات خطية مبتكرة التشكيل ومشبعة باللون، فعبر 54 لوحة نصغي إلى أنماط متعددة من الإيقاع التشكيلي الذي يستخدم طاقة الخط العربي، من خلال تقنيات الصد والرد، والدوائر والزخرفة، وتنوع الخطوط .

الصد والرد هو تقنية خطية يكتب فيها الخطاط الحرف أو الكلمة أو الجملة مكررة بطريقة التناظر التي تجعل الكلمة تتكرر في الاتجاه العكسي بالأسلوب نفسه، وقد كتب زبير بهذه الطريقة عدداً كبيراً من لوحاته، بصيغ ابتكارية تدل على قدرات تشكيلية بديعة، ففي لوحة رب اشرح لي صدري كتب كلمة ربّ بطريقة الصد والرد، فجعل الكلمات متناظرة على شكل فصين لقلب مفتوح فراغه مملوء باللون الأزرق الذي يشي بالنقاوة والانشراح تأكيدا على دلالة الآية، وكذلك كتب اسم الجلالة الله في لوحة أخرى بالطريقة نفسها مستفيداً من مرونة الأحرف في صناعة منحنيات متماثلة، أعطت للتكرار إيقاعاً متماوجاً يجعل العين تسرح معه مأخوذة بحركيته، وزاد من جمالية الإيقاع في اللوحة أن التكرار أخذ مساحة اللوحة بكاملها، وفي كل الاتجاهات وبألوان عدة، تتداخل لكن الفراغ بين الأحرف يحافظ على التمايز، فنكون أمام إيقاع هندسي ولوني يغري الناظر إليه بالاستمرار في التأمل .

القدرة على تحرير الحرف من نمطيته وكتابة الكلمة بشكل مختلف هي إحدى الميزات الأسلوبية للخطاط زبير أحمد، ففي لوحة أخرى كتب فيها أيضا اسم الجلالة بالخط الكوفي بالصد والرد إلى الأعلى والأسفل وجعل الألف منها ممدودة على طول منتصف الورقة، وجعل الخلفية أيضا باسم الجلالة مكرراً ثلاث مرات بشكل شاقولي، وأحرفه على شكل أهلّة يحتضن بعضها بعضاً بشكل متدرج، ووضع خلفية ثالثة في عمق وسط اللوحة تنبثق منها موجة من اللون الأصفر وتسري في كل اتجاه كأنها نور قادم من الأعماق ليضيء الكون، وهنا يرتقي الخطاط إلى درجة الإبداع في الجمع بين الإيقاع الخطي والتشكيل اللوني ليقدم تمثيلا نورانيا لدلالة اسم الجلالة الله .

عنوان المعرض أحرف نورانية مأخوذ من التسمية الاصطلاحية للأحرف التي تفتتح بها بعض سور القرآن الكريم (ن، ق، طه، ألم، كهيعص)، وقد استفاد الخطاط زبير من خاصية الانفراد في هذه الأحرف ليضع تشكيلات بصرية حرة قادرة على تمثيل دلالة الجملة القرآنية، ففي لوحة ق والقرآن المجيد كرر حرف القاف بألوان متعددة وملأ واجهة اللوحة بنقاط القاف وبألوان متعددة أيضا، مع خلفية لونية تركز على درجات الأزرق والأصفر، كل ذلك لتمثيل معنى القراءة التي تشرح الصدر وتنيره كما تدل عليها الآية .

ويقول زبير إنه يركز على طريقة إخراج اللوحة لأن طريقة الإخراج تدعم الخط وتقوي دلالته، وهذا ما جعله يمزج الخط باللون، وليخاطب أيضا ذوق الإنسان الغربي الذي يملك تاريخاً ضافياً في مجال تذوق الألوان، وأنه يختار آيات الحكمة والسلام والتسامح، ويحاول أن يجسد معناها، وقد جعلت كل تلك الاختيارات الفنية لوحاته مطلوبة في السويد التي يعيش فيها، وفي بلدان غربية أخرى، واسهمت في التعريف بالعرب والمسلمين وتراثهم الجمالي الرفيع، ويضيف زبير أن لوحاته دخلت كل بيت سويدي واقتنتها كنائس ومؤسسات كثيرة .

وقال الخطاط محمد النوري: إن تجربة الخطاط زبير تمثل تاريخاً جميلاً وحضوراً رائعاً، وتقدم مفهوماً خاصاً من خلال اختياره للأحرف النورانية في القرآن الكريم، وقد سبق له أن خاض تجربة كتابة القرآن التي لا يخوضها إلا فنان مقتدر، كما أنه استطاع أن يدحض من خلال أعماله التصور النمطي عن الخطاط العربي بأنه لا يمتلك حساً تشكيلياً، ومن الواضح من خلال أعمال زبير خبرته التشكيلية البديعة .

وقال د . عمر عبدالعزيز: زبير يحمل رسالة انتماء حضارية يقدم بها صورة بهية للعرب والمسلمين إلى الغرب، منفتحاً على التراث اللوني الغربي، ومستفيداً من البعد الإشراقي في فلسفة المتصوفة، ومركزية الحروف النورانية فيها، مؤصلاً عمله بإتقان فن الخط العربي، وبذلك استطاع أن يخاطب الآخر بوضوح وأن يوصل إليه صوته من دون عناء .