لا يتوقف العلماء عن البحث في أسرار المخ أملاً في الكشف عن حلول لألغاز لطالما فشلوا في فك طلاسمها .
تتمثل آخر تلك الجهود في مشروع رصدت له ملايين الدولارات، يهدف إلى كشف آلية عمل المخ بتفصيل لم يسبق له مثيل .
البداية كانت بانطلاق مشروع الجينوم البشري الذي يحوي كل جينات خلايا الجسم، وانتهت الجهود بمشروع جديد يحمل اسم الشبكة العصبية أو HCP، الذي يهدف إلى إيجاد العلاقة بين الموصلات العصبية وأنشطة الدماغ بدرجة عالية من الدقة والإحكام .
انطلق المشروع في ،2009 وأزيح الستار عن أولى نتائجه المفصلة في شكل صور متعددة الألوان تظهر أنشطة كهربية هائلة في الخلايا العصبية، واشتملت الصور على البعض منها ذا اللون الخافت الذي يظهر تدفق الكهربية خلال المخيخ وحزم غريبة من الألياف الملتفة التي تبدو وكأنها مضاءة بالنيون، وتشبه حشرة عارية تشع ضوءاً .
وإلى جانب جمال الصور، فإنها تكشف لأول مرة أسرار مثيرة حول آلية عمل المخ . ويركز جزء من المشروع على رسم خارطة للممرات العصبية الطويلة بين الألياف العصبية المكونة للمادة البيضاء في المخ، والتي يغطيها غطاء دهني واق وهو النخاع .
ولهذه الممرات أهمية كبيرة أدركها علماء الأعصاب في الماضي، كما أدركوا أن نظام الربط بينها يجعل أي نشاط يحدث في منطقة ما ينتشر في المناطق الأخرى، بحسب جاك فان هورن، أستاذ مساعد في جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس، وعضو الفريق الذي يعكف على تصوير المادة البيضاء في المخ . وتتبع هورن وزملاؤه من علماء الأعصاب الممرات العصبية الطويلة باستخدام التصوير الطيفي، عبر جهاز الرنين المغناطيسي لتتبع الماء عند تدفقه في المخ بصورة طبيعية، فتدفقه السلس يتيح للعلماء تتبع الطرق التي تسلكها الألياف العصبية . 
ويرى العلماء أن تفاصيل هذه الممرات هي التي تؤثر في تركيبتنا الشخصية، فيؤكدون أن دماغ الشخص التي تحوي عدداً أقل من الممرات العصبية في منطقة اللوزة (المنطقة التي تولد مشاعر الخوف)، بالنسبة لعددها في قشرة الجبهة الأمامية (التي تستشعر الخوف) يكون أقل عصبية من الشخص الذي تسمح الروابط العصبية بإغراق مقدمة دماغه بكم هائل من الإنذارات في المنطقة أسفل القشرة، فتدفق موجات قوية من منطقةWERNICKE المسؤولة عن فهم اللغة المنطوقة تجاه منطقة BOCA المسؤولة عن نطقه تكسب الإنسان طلاقة اللسان .
ويهدف مشروع جامعة كاليفورنيا إلى الكشف عن مجموعة البيانات الأولى ليستفيد منها علماء الأعصاب خلال الأشهر المقبلة في محاولاتهم كشف الغاز ما يحدث داخل المخ، من خلال تصوير ودراسة أدمغة من 30 إلى 50 متطوعاً .
وفي الوقت الذي يعكف فيه علماء الأعصاب في جامعتي كاليفورنيا وهارفارد على تحديد خارطة الممرات العصبية الأساسية، هناك مجموعة من العلماء في جامعتي واشنطن ومينيسوتا عاكفون على دراسة الممرات الثانوية، وهي مجموعة الخلايا العصبية المتباينة التي تثار عند أداء الشخص نشاط ما، مثل الاستماع إلى قصة . وبدلاً من تتبع سريان الماء في الدماغ، يتتبع هؤلاء العلماء جريان الدم باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي لتصوير مناطق يتدفق فيها الدم بشدة ما يكشف عن مناطق المخ الأكثر نشاطاً .
ويعتمد تصوير الدماغ العادي على إعطاء أشخاص مهام يقومون بها ورؤية أي منطقة في المخ تنشط استجابة لهذا النشاط، أما الأجهزة الحديثة التي استغلها الباحثون في دراسات أكثر تطوراً مثل معايشة المخ أحلام اليقظة، فتركز على أنشطة الشبكات العصبية الأكثر تعقيداً المعروفة باسم شبكة الوضع الافتراضي أو على نشاطها في حالة الاسترخاء التي يمر بها الشخص عند خموله، وأظهر تصوير هذه المناطق كيفية احتفاظ الدماغ بتسجيل معاصر للأحداث، والتفكر في أحداث الماضي والحاضر، ما يساعدنا على الاستمرار والبقاء .
ويقول هورن إن هناك نموذجاً مميزاً لمناطق المخ التي تشارك في إحداث حالة الاسترخاء، وربما يكون هذا المشروع الأكبر من نوعه الهادف الى رؤية جينات هذه المناطق .
وكشف فريق جامعتي واشنطون ومينيسوتا النقاب عن أول مجموعة من البيانات نتاج فحص أدمغة 68 متطوعاً إلى جانب تفاصيل عن شخصياتهم، وقدراتهم الذهنية، ويأملون في إشراك 1200 متطوع .
والمشروع الذي سيستغرق خمس سنوات ستبلغ تكلفته 40 مليون دولار يتحملها معهد الصحي الوطني الأمريكي، ويهدف إلى رسم خريطة متعددة الطبقات تبين الصلة الوثيقة التي تربط جينات الشخص بسلوكه، وبشبكاته العصبية .
والمشروع لايهدف فقط الى رسم صورة موضحة لآلية عمل المخ السليم، لكنه يساعد الباحثين أيضاً على تحديد السبب في اضطرابات الدماغ، وبذلك سيضع القاعدة التي سيبني عليها الباحثون مستقبلاً، كما يشير هورن .