د . عادل أحمد الرويني
قال تعالى: "فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"، (آل عمران: 97) .
"يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين * وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم"، (آل عمران: 100 - 101) .
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، (آل عمران: 102) .
"واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون"، (آل عمران: 103) .
"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"، (آل عمران: 104) .
"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم"، (آل عمران: 105) .
"يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون"، (آل عمران: 106 - 107) .
السؤال: ما سر تقديم الجار والمجرور الأول (لله) في قوله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"؟
الجواب: قدم لتحقيق فائدتين:
إحداهما: أنه اسم موجب للحج فكان أحق بالتقديم من ذكر الوجوب، فتضمنت الآية ثلاثة أمور مرتبة بحسب الوقائع .
أحدها: الموجب لهذا الغرض فبدئ بذكره .
والثاني: مؤدو الواجب وهم الناس .
والثالث: الحق المتعلق به إيجاباً، وبهم وجوباً وأداء وهو الحج .
والفائدة الثانية: أن الاسم المجرور (لله) هو اسم لله اسم سبحانه ولذا وجب الاهتمام بتقديمه تعظيماً لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه، وتخويفاً من تضييعه، إذ ليس ما أوجبه الله تعالى بمثابة ما أوجبه غيره . وهذا الكلام النفيس من كلام ابن القيم الجوزية "رحمه الله" ولم أقرأ كلاماً أنفس منه في تعليل تقديم الجار والمجرور الأول . والله أعلم .
السؤال: ما علة تنكير (سبيل) وذكره في سياق الشرط في قوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا)؟
الجواب: للإيذان بالتيسير في وجوب الحج، وبأنه يجب على أي سبيل تيسر من قوت أو مال، فعلق الوجوب بحصول ما يسمى سبيلا . ولا يخفى أن التنكير بناء على هذا العموم . والله أعلم .

فتنة يهودية

السؤال: لماذا خوطب المؤمنون بوصف الإيمان في الآية؟
الجواب: تحريكاً لعاطفة الإيمان فيهم، والله أعلم .
السؤال: لم أسقطت الواسطة (قل) في الآية؟
الجواب: ليكون الخطاب مباشراً لهم منه سبحانه تأنيساً لهم وتأليفاً لقلوبهم .
السؤال: فيمن نزلت هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب"؟
الجواب: نزلت في يهودي أراد تجديد الفتنة بين الأوس والخزرج بدسه عليهم من يذكرهم ما كان بينهم من الحروب حتى كادوا يقتتلون لولا مجيء رسول الله، صلى الله عليه وسلم ووقوفه بين الصفين اللذين اجتمعا واستعدا للقتال، فقرأ عليهم صلى الله عليه وسلم الآية فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا بعد أن ذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وعانق بعضهم بعضاً .
والمراد ب (أيها الذين آمنوا) الأوس والخزرج . والله أعلم .
السؤال: ما علة إبراز النهي عن طاعة أهل الكتاب في صورة جملة شرطية؟
الجواب: (لأنه لم تقع طاعة المسلمين لهم) والله أعلم .
السؤال: ما إعراب (كافرين) في قوله تعالى: "يردوكم بعد إيمانكم كافرين"؟
الجواب: مفعول ثان ل (يردوكم)، وهذا أدخل في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى الكفر والله أعلم .
السؤال: لماذا فصل بين المفعولين بالظرف في قوله تعالى: "يردوكم بعد إيمانكم كافرين" حيث كان من الممكن أن يقال: "يردوكم كافرين"؟
الجواب: لإظهار شناعة الكفر إن وقع لإيمانهم الراسخ المتقدم عليه . والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من الاستفهام في قوله تعالى: "وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله"؟
الجواب: الاستبعاد، أي استبعاد وقوع الكفر من المخاطبين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود ما نعين عظيمين من ذلك هما: تلاوة آيات الله عليهم باستمرار غضة ندية كما يوحي به التعبير بالمضارع (تتلى) . ووجود الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم بين أظهرهم مذكراً واعظاً لهم . وليس المراد أنهم وقع منهم كفر فوبخوا عليه، لأنهم مؤمنون بدليل خطابهم ب (يا أيها الذين آمنوا) . والله أعلم .
السؤال: لم حذف مفعول الفعل (تكفرون) في الآية ؟
الجواب: حذف مفعول الفعل تكفرون وتقديره: بالله، لكراهة نسبة الكفر "بالله" إلى المؤمنين، لأنه لم يقع منهم أصلاً . والله أعلم .

الثبات على الإسلام

السؤال: الموت ليس في وسع الإنسان وقدرته حتى يصح أن ينهى عنه على هيئة أو حالة أو صفة، أو يؤمر به على ذلك أيضاً، فكيف استقام إذن النهي في قوله تعالى: "ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"؟
الجواب: هو أمر في صورة النهي، والمعنى: اثبتوا على الإسلام وداوموا عليه إلى الموت، أو حتى إذا جاءكم الموت متم على الإسلام . إذن النهي هنا المراد به الدوام على الإسلام ونهي عن تركه .
السؤال: ما نوع الاستثناء في قوله تعالى: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)؟
الجواب: الاستثناء مفرع من الأحوال العامة، والتقدير: لا تموتن على حالة من سائر الأحوال إلا على هذه الحالة الحسنة . والله أعلم .
السؤال: ما سر مجيء جملة الحال: (وأنتم مسلمون) جملة اسمية؟
الجواب: لأنها أبلغ، إذ فيها ضمير متكرر، ولو قيل: إلا مسلمين، لم يفد هذا التأكيد . والله أعلم .
السؤال: ما المقصود بحبل الله في الآية الكريمة؟
الجواب: عهد الله، وعليه ففي قوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعاً" استعارة تمثيلية بتشبيه حالة تمسك المسلمين بعهود الله تعالى ووصاياه بحالة استمساك جماعة بحبل ألقي إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط . وقرينة هذا التمثيل إضافة الحبل إلى الله تعالى .
وقوله: (جميعاً) حال، وهو الذي رجح إرادة التمثيل، إذ ليس المقصود الأمر باعتصام كل مسلم في حال انفراده اعتصاماً بهذا الدين، بل المقصود الأمر باعتصام الأمة كلها، ويحصل في ضمن ذلك أمر كل واحد بالتمسك بهذا الدين .
فالكلام أمر لهم بأن يكونوا على هذه الهيئة ويجوز أن تكون الاستعارة في تشبيه الحبل بالدين أو بالقرآن، فتكون استعارة تصريحية تبعية، والقرينة إضافة الحبل إلى الله تعالى . ويكون في قوله "واعتصموا" استعارة أخرى، باستعارته للوثوق بالإسلام والتمسك به وبعهد الله، وعليه تكون أيضاً استعارة تصريحية تبعية والقرينة اقترانها بالاستعارة الثانية . والله أعلم .

الدعوة إلى الخير

السؤال: أليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مندرجين تحت الدعوة إلى الخير؟ فَلِمَ خُصا إذن؟
الجواب: هذا من باب ذكر الخاص بعد العام، ليكون المخصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مأموراً به مرتين دلالة على شرفه، وجلال قدره . والله أعلم .
السؤال: ما دلالة تكرار التعبير بالمضارع (يدعون) و (يأمرون) و (ينهون) في الآية؟
الجواب: لحث المخاطبين على ملازمة المأمورين به من الدعوة إلى الخير والأمر بذلك . والله أعلم .
السؤال: ما سر وصل جملة (وأولئك هم المفلحون) بما قبلها حيث كان الظاهر فصلها؟
الجواب: وُصِلَت بما قبلها بالعطف، لأن مضمونها جزاء عن الجُمَل التي قبلها، فهي أجدر بأن تلحق بها، حيث بَينت جزاء الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . والله أعلم .
السؤال: لم قُدم الافتراق على الاختلاف في الآية الكريمة؟
الجواب: للإشعار بأن الاختلاف علة التفرق . وفيه إشارة إلى أن الاختلاف المذموم المؤدي إلى الافتراق هو الاختلاف في أصول الدين الذي يفضي إلى تكفير بعض الأمة بعضاً أو تفسيقه من دون الاختلاف في الفروع المبينة على اختلاف مصالح الأمة في الأقطار والأعصار، وهو المعبر عنه بالاجتهاد .
ولكن للأسف الشديد وجدنا في عصرنا الاختلاف والافتراق والتناحر بسبب الاختلاف في التأويل، حيث تصدى للاجتهاد والفتوى والتأويل كثير من الجهلاء الذين لا علم لهم إلا بالقشور، ولكم ضلوا وأضلوا بسبب جهلهم .

إبهاج المؤمنين

السؤال: ما سر تقديم مصير الكافرين وهم الذين اسودت وجوههم - والعياذ بالله - على مصير المؤمنين وهم الذين ابيضت وجوههم - جعلنا الله منهم -؟
الجواب: لأن المقام مقام تحذير من التشبه بهم، ولختم الكلام بحسن حال المؤمنين كما بدئ به صدر الآية، وهذا يسمى باللف والنشر غير المرتب، حيث بدئ في النشر بما يتصل بالمؤخر في اللف، وأخر ما يتصل بالمقدم فيه .
وغرضه البلاغي في الآية إبهاج المؤمنين حين يرون حسن مصيرهم بعد معاينتهم سوء مصير الكافرين . والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من الاستفهام في الآية الكريمة؟
الجواب: الإنكار والتوبيخ يوم القيامة لمن كفر بعد إيمانه . والله أعلم .
السؤال: ما الصورة البلاغية في قوله تعالى: (فذوقوا)؟
الجواب: استعارة تصريحية تبعية، شبه فيها اصطلاء الكافرين في النار بالتذوق بجامع شدة الإحساس بالأثر في كل منهما . والله أعلم .
السؤال: لم عبر عن الجنة بالرحمة في قوله تعالى: "ففي رحمة الله هم فيها خالدون"؟
الجواب: للتنبيه على أن المؤمن إن استغرق عمره في طاعة الله تعالى فإنه لا يدخل الجنة بعمله بل برحمة الله كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله . قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) .
وفي الجملة مجاز مرسل بعلاقة الحالية، حيث أطلق الحال (الرحمة) وأريد المحل (الجنة) والمجاز أبلغ في الوفاء بالمعنى، لأن الرحمة مضافة إلى الله تعالى يشمل الجنة وما فيها مما لا أذن سمعت ولا عين رأت ولا خطر على قلب بشر . وقرينة المجاز قوله تعالى: (هم فيها خالدون) فإن الخلود بمعنى الإقامة الدائمة إنما يكون في مكان . ويصح أن تكون القرينة الاستحالة العقلية لامتناع الحلول والإقامة في الأمور المعنوية . وعليه فالظرفية في الآية حقيقية . والله أعلم .