عادي
طموح المدينة يسابق الذكاء

خريطة طريق متكاملة لتحويل دبي إلى “مدينة ذكية”

02:14 صباحا
قراءة 16 دقيقة
تحقيق - باسل عبد الكريم:
تخيل أنك تستيقظ في الصباح بطريقة غير تقليدية على صوت منبه ذكي يقرأ مواعيدك تلقائياً وقبل أن تنهض من سريرك يكون حدد لك الخطوات التي ينبغي القيام بها، وبعد أن تتوجه إلى الحمام تكتشف أن المرآة التقليدية استبدلت بشاشة ذكية تملي عليك وأنت تغسل وجهك جدول أعمالك وتقرأ نشاطك الحيوي ونسبة السكر في الدم وحالتك المزاجية والطقس في الخارج، وأن تجد فرشاة أسنانك أصبحت ناطقة وذات شاشة تعطيك مؤشرات فورية عن عافية جسدك .
تخيل أنك تتناول إفطارك بشوكة ذكية تحدد لك الغذاء الذي تحتاجه ونسبة الأنسولين في دمك، ثم تبدأ الأريكة بتغيير حجمها تبعاً للوضعية المناسبة لجسدك، وعند مغادرة البيت تطفأ الأنوار تلقائياً وتأتي سيارتك إليك بدلاً من الذهاب إليها، وحين الوصول لوجهتك تركن نفسها تلقائياً .
أما إذا كنت من هواة الدراجات فتخيل أن تقود في مسارات معلقة، أو أن تتحول المنازل في حالات الطوارئ إلى ما يشبه رجلاً آلياً يبعث رسائل استغاثة وخصائص المنزل ومداخله وعدد سكانه وحالتهم الصحية بكبسة زر إلى غرف العمليات، أو أن تدفع أجرة المواصلات بتمرير هاتفك على بوابات الدخول .
وأنت تسافر من بلد إلى آخر تخيل أنك لم تعد بحاجة لبطاقة الصعود للطائرة، أو الوقوف ولو لثانية واحدة في صفوف التدقيق، أو أن تتابع مكان حقائبك من أي مكان حول العالم . أو أن تقرأ فروضك المدرسية بمساعدة نظارات "غوغل" أو عدسات لاصقة تنقلك إلى تخيل افتراضي لما تقرؤه .
أما إذا كنت سائحاً وتهت في الطرقات فتخيل أنك لن تحتاج سوى لهاتف ذكي لتمرره على أي لوحة إرشادية بجانبك حتى تحصل على ما تحتاجه . تخيل أن يأتي اليوم الذي لا تحتاج فيه إلى تكبد عناء الذهاب للطبيب وانتظاره . تخيل أنك تسكن في برج مبني من الطحالب لينتج لك طاقة نظيفة، وتقضي وقت فراغك في المساء في مركز لتدريب العقول وتسريع وظائف العقل أو في آخر متخصص في نقل التكنولوجيا الحيوية أو في حدائق معلقة أو الذهاب للوقوف على تجربة الدولة في إنتاج الشعاب المرجانية لامتصاص الكربون . تخيل أنك تشتري بعض الأقمشة فيبيعك التاجر قماشاً حاسوبياً يمكن ارتداؤه، أما إذا كنت مزارعاً فتخيل معي أن يأتي اليوم الذي تبدأ فيه ري محصولك من مياه البحر المالحة .
هذا ليس سيناريو لفيلم خيالي، وإنما واقع لما بدأت به دبي وستكون عليه في المستقبل القريب، فهي تمضي نحو لقب المدينة الذكية بخطى ثابتة وثقة منبعها الإنجازات التي حققتها وتثبت قدرتها على أن تروّض المستحيل .
شخصية المدينة الذكية تتجلى في اتجاهين: الأول يخدم الفرد وينقله إلى نوعية حياة جديدة من خلال تسخير الذكاء الاصطناعي والمحاكاة التفاعلية المتطورة التي ستسهم في ظهور أنماط جديدة من النقاشات والاستكشافات والتعلم في نواح متعددة . مثلاً: سوف يتمكن الطالب أو الموظف من اختبار نتائج القرارات المتخذة والسيناريوهات المحتملة قبل أن تحدث .
والاتجاه الثاني مرتبط بالأول ويخدم المصلحة العامة من خلال ملايين أجهزة الاستشعار التي ستوزع على كل أرجاء المدينة لتوفير الخدمات والمعلومات وتحليلها بطريقة غير محسوسة وبدقة عالية، باستخدام بيانات إلكترونية متكاملة تتصل ببعضها ببعض عن طريق منظومات معلوماتية وتكنولوجيا "الحوسبة السحابية" للعمل على تنظيم أمور المدينة بالاعتماد على الحواسيب والبرامج الخاصة .
ومن أهم سمات المدينة الذكية قدرتها على الاستفادة من المعلومات لاتخاذ أفضل القرارات، كتحديد المكان المناسب لتوزيع موارد الشرطة والإسعاف خلال حالات الطقس السيئة على الأماكن الأساسية، وتخفيف الازدحام المروري لتسهيل حركة سيارات الإطفاء عند وجود حرائق في موقع ما، أو في حالة التخطيط، إذ يعد من الأفضل وضع المستشفيات والحدائق بجوار المدارس .
تحليل هذه المشكلات من شأنه وضع حلول استباقية كالتنبؤ بتفشي مرض الأنفلونزا أو توقع الاختناقات المرورية قبل وقوعها .
وتنسيق الموارد والعمليات للقيام بها على نحو فعال كالتنبؤ باحتمالية انهيار نفق في حالة هطول الأمطار وتحويل مسار حركة المرور وتوفير الموارد اللازمة، وهناك كذلك المستشعِرات الذكية الخاصة بحاويات النفايات التي تخطر غرفة المراقبة في حال امتلائها أو انبعاث روائح كريهة منها تفوق المعايير المسموح بها بحيث تكون لها أولوية التفريغ، إضافة إلى المستشعِرات الذكية لإنارة الشوارع المخزنة أسماؤها في أعمدة الإنارة والقادرة على رصد حركة الأجسام، سواء البشر أو الحيوانات، في الشارع وتعديل مستويات الإنارة حسب ذلك . ومن المهم الإشارة هنا إلى أن نجاح نموذج المدينة الذكية لا يتوقف على التقنيات الذكية فقط، وإنما جزء كبير منه يتوقف على تغيير سلوك المجتمعات مثل: تشجيع الناس لتبني فكرة استخدام المواصلات العامة كواحد من حلول تخفيض الازدحام بدلاً من التفكير ببناء الجسور والأنفاق .

مجتمع ذكي
الحكاية المستقبلية لدبي تنطلق من الحياة اليومية للإنسان، إذ ستختفي الكثير من ملامح وطرق العيش الموجودة حالياً من محيطه سواء كان في المنزل أو العمل أو في السيارة .
وبعد بضع سنوات من الآن لن يحتاج سكان دبي للاستيقاظ من نومهم بطريقة مملة ومراجعة جدول أعمالهم بالزمان والمكان أو نسيانها، لأن المرآة التقليدية ستستبدل بأخرى ذكية تقرأ بصمة الكف وتتحول إلى شاشة ذكية تملي عليك وأنت تغسل وجهك جدول إعمالك وتقرأ نشاطك الحيوي ونسبة السكر في الدم، وتعطيك نتائج دقيقة عن حالة مزاجك والطقس في الخارج ثم تتمنى لك يوماً سعيداً .
أما فرشاة أسنانك فستكون مصغرة ودقيقة وذكية لجعل نظامك الصحي مثالياً وأكثر عافية، وستتناول طعامك ب "الشوكة الذكية" التي تراقب الطعام عند تناوله وتساعدك على متابعة النظام الغذائي ورصد مستويات الأنسولين وتجنب التلوث، كما سيكون بالامكان تناول "التمور الذكية" وهي تزود نفسها بالفيتامينات التي يحتاجها جسم الإنسان .
هذا التصوير لمدينة دبي ليس ضرباً من الخيال، بل حقائق واقعية قطعت فيها حكومة دبي أشواطاً كبيرة، لذلك وأنت تقرأ هذا التقرير استرخ على الأريكة ولا تستغرب إن تحركت وغيّرت حجمها وخصائصها فهي تعمل ذلك تبعاً لقراءة مؤشراتك الجسدية ودراسة الوضعية الصحية والنفسية المناسبة لجسدك . وأثناء الخروج من المنزل لن تكون بحاجة للذهاب إلى السيارة بل ستستدعيها وهي تأتي إليك بلا سائق، كما يمكنك توجهيها نحو الموقف حين تصل لوجهتك من دون سائق أيضاً، وإذا نسيت أن تدير الطاقة المنزلية بإمكانك فعل ذلك من أية بقعة على وجه الأرض بكبسة من هاتفك الذكي، وإن كنت تطمح لأكثر من ذلك، فالمنازل الذكية في دبي بإمكانها أن تحدد الوقت الذي يحتاجه المنزل للشمس، فتفتح النوافذ وتغلق تلقائياً وفق أنظمة محددة، كما تحافظ على الطاقة وتوزعها تلقائياً داخل المنزل بحسب الحاجة .
أما في حالات الطوارئ فستنتهي مشاكل الارتباك وعدم إعطاء العنوان بدقة والتأخر في الاستجابة للبلاغ وهدر الوقت بحيث تصبح 0% . لأن أنظمة المنازل الذكية ستستجيب لنوع الخطر وتقطع الغاز عن المكان في حالة وجود تسرب أو تفتح النوافذ لتفادي الاختناق في حالة نشوب الحرائق، وبدلاً من إجراء دراسة مسبقة من قبل رجال الدفاع المدني عن خصائص المنزل ومداخله ومخارجه ليستطيعوا التعامل مع الحادث، ستكون هذه المعلومات متوفرة لدى غرفة العمليات بكبسة زر بواسطة نظام متقدم ينقل رسالة استغاثة أو إنذار من المنزل مع خريطة تفصيلية عن موقعه وعدد غرفه وبيانات القاطنين فيه وما إذا كان أحدهم معاقاً أو مريضاً بأمراض مزمنة، وبشكل ذكي تنقل هذه المعلومات على الفور إلى الآليات وهي في طريقها للموقع .

تحديات التحول إلى مدينة ذكية
إن أي مشروع قائم في المدن الذكية معرض لتهديدات تقنية بسبب الكم الهائل من البيانات الواردة لذلك تمثل إدارة هذه المعلومات المعقدة بشكل مناسب، فضلاً عن تخزينها وتحليلها التحدي الأول إمام أي مدينة ذكية ولا سيما مع غياب التكنولوجيا الابتكارية . والرأي هنا لعمرو سالم خبير الحلول التقنية والمدير التنفيذي لمنظومة "مجتمعات ذكية ومتواصلة" . ويضاف لها كيفية تصفية البيانات المتاحة وتلخيصها وعرضها بطرق صحيحة على المواطنين حتى يتسنى لهم فهمها، وهناك أيضاً الكثير من المعلومات التي يقدمها المواطنون التي يجب استيعابها من قبل الحكومات والهيئات الأخرى بشكل مناسب، وعلى هذا يجب إدارة هذه الاتجاهات الخاصة بالتبادل والتعاون بطريقة صحيحة .

مطار دبي الذكي
في وقت تنظر فيه مدن حول العالم إلى نموذج المدن الذكية وتدرسه نظرياً مجهدة حكوماتها في البحث عما يلبي احتياجات المتعاملين، تنتقل دبي إلى أرض الواقع مدفوعة بحقائق يومية تفرضها حكومة لم تكتف بتلبية احتياجات الناس بل قررت الاعتماد على الذكاء لمعرفة ما يريدونه . ففي المستقبل المنظور وغير البعيد ستوسع أدوات تحليل البيانات والواجهات الذكية، بحيث يصبح بالإمكان تقديم خدمات مخصصة للغاية، مما سيتيح للحكومات خدمة مختلف المواطنين بصورة أدق وأجدى، وبحيث تكون السلامة والراحة العنصرين الأكثر أهمية في كل خطوة يخطوها المسافر في دبي، فلن يكون بحاجة إلى بطاقة الصعود للطائرة، كما ستصبح أجهزة التعرف إلى المعادن والصفوف أمام موظف الهجرة والجوازات شيئاً من الماضي، وجوازات السفر رقمية وتأشيرات الدخول فورية، وسيتم مسح المسافرين إلكترونياً للتعرف إلى وجود مواد خطرة أو غير قانونية قبل وصولهم أو مغادرتهم، ولأن سلالات الأمراض المعدية في تطور مستمر وغير متوقع، لا بد من بلوغ الذكاء الاصطناعي أجهزة الكشف عن هذه الأمراض والوقاية من انتشارها بين الدول عبر المطارات .

عائدات مباشرة وتقليص الإنبعاثات وتخفيض استهلاك الطاقة
تعود نتائج المدن الذكية على المدى المتوسط والبعيد بنتائج إيجابية مباشرة وغير مباشرة على الفرد ومستوى المدن . فمنذ عام 2005 نجحت دبي بالتخطيط المستقبلي خفض خسائر بقيمة 4 مليارات درهم ناتجة عن الازدحام المروري التي تشمل تأخر الموظفين واستهلاك الطرق وارتفاع معدل الانبعاثات الضارة، ومن بين 2500 مشروع للمدن الذكية حول العالم، تقلل مدينة ميامي استهلاك المياه بنسبة 20% وتوفير 000 .860 دولار سنوياً . وتحافظ مدينة ساوث بند على صحة الأفراد وجودة مياه النهر من خلال تقليل نسبة فيضان مياه الصرف الصحي في الطقس الجاف بمعدل 95% . كما حققت مدينة دوبوك بولاية آيوا انخفاضاً في استهلاك المياه بنسبة 6 .6% في مدة تقدر بتسعة أسابيع فقط . وقللت شركة الكهرباء الإيطالية عدد مرات انقطاع التيار بنسبة 50% وذلك عن طريق تحديد موقع المشكلة وسببها تلقائياً . كما قللت هيئة النقل البري بسنغافورة الازدحام المروري وثمن أجرة الركاب بنسبة 68% . وقللت هيئة إدارة الطرق السويدية المرور بنسبة 25% في وسط مدينة ستوكهولم وحققت إيرادات جديدة تقدر بنحو 50 مليون جنيه إسترليني . وحققت الخدمات الاجتماعية بمقاطعة الاميدا مدخرات تقدر بنحو 24 مليون دولار بسبب تقليل الاحتيال والفساد، كما حققت عائداً استثمارياً بلغ 631% . ونجحت جادة "بولفار فيكتور هيغو" في مدينة نيس الفرنسية في تقليص الاختناقات المرورية بنسبة 30%، وزيادة إيرادات مواقف السيارات بنسبة 35%، وخفض تلوث الهواء بنسبة 25%، وإنارة الشوارع حسب الحاجة، وبالتالي وفرت فواتير الكهرباء بنسبة تراوح بين 80 و20% . أما على صعيد العائدات غير المباشرة، فتستخدم شرطة العاصمة في المملكة المتحدة تحليل شبكات التواصل الاجتماعي وذلك لتفكيك مجموعات الجرائم المنظمة كما قامت ب 140 عملية اعتقال بمعدل إدانة بنسبة 70% . ويمكن لهيئة النقل البري بسنغافورة التنبؤ بحالة المرور حتى ستين دقيقة مقبلة للمساعدة في منع الازدحام المروري . وتتنبأ تحذيرات ريو دي جانيرو الآلية الخاصة بالتغيرات في حركة الفيضانات والانهيارات الأرضية وذلك لتقليل وقت الاستجابة في حالات الطوارئ . ويقلل قسم العمل والمعاشات بالمملكة المتحدة من وقت العمل بنسبة أربعة أيام بسبب عدم حاجة المتعهدين إلى فرز 000 .112 صفحة من الطلبات يومياً .

إنتاج الطاقة المتجددة من خلال الطائرات الورقية
إضافة إلى الروبوتات الثابتة والطائرة التي ستكون من الملامح الاعتيادية لمدينة دبي، سنشهد في المستقبل المنظور مراكز ومختبرات وملامح أكثر عبقرية وارتباطاً بمكانة دبي ومنها: "واجهات المستخدم الحركية" التي تسمح للإنسان بالتفاعل مع الحواسيب بطرق مختلفة عن طريق اللمس أو الحركة وقد يكون عن طريق التفكير فقط، و"شاشات الواقع الافتراضي" وهي حساسة للغاية تسمح للجميع بالتفاعل فيما بينهم، في عوالم افتراضية تتواكب مع الواقع وتخلق واقعاً افتراضياً مع تطبيقات فعالة في مجالات التعليم والسياحة والاعمال والشؤون الحكومية، إضافة إلى أبراج سكنية مبنية من جدران الطحالب ومهمتها تنظيم درجة حرارة المباني وإنتاج الطاقة المتجددة، كما ستنتقل دبي من مرحلة الأبنية الخضراء إلى المباني الحيوية التي يتم بناؤها من بكتيريا مضغوطة سيتم تطويرها في الدولة من دون انبعاث ثاني أكسيد الكربون، ومسارات معلقة للدراجات الهوائية .
أما الأرصفة والساحات العامة فستكون مظللة بنباتات مقاومة للجفاف لتبريد المساحات المخصصة للمشاة، ومختبرات متعددة منها: مختبر أبحاث الذكاء الاصطناعي، ومختبر نموذج الأعمال المتخصص في اختيار الأفكار التجارية يومياً، ومختبر علوم الأحياء الاصطناعية ومهمته خلق ابتكارات جديدة في مجال الرعاية الصحية، ومركز لنقل التكنولجيا الحيوية، وآخر لتدريب العقول متخصص بتطوير وتسريع وظائف العقل، والطباعة الثلاثية الأبعاد، وحديقة الأعشاب الطبية العامة وستكون من مبادرات الابتكار المجتمعية، وأخرى معلقة فوق شارع الشيخ زايد وتحمل الاسم نفسه، ومزارع ذكية لتربية الأحياء المائية، ومتجر النسيج الذكي المتخصص في بيع أقمشة حاسوبية يمكن ارتداؤها، ومزرعة الرياح البحرية لإنتاج طاقة متجددة من خلال الطائرات الورقية، ومدارس إبداعية تحرز المراكز الأولى عالمياً، وإنتاج شعاب مرجانية اصطناعية لامتصاص الكربون، وأنظمة لتوفير مياه الشرب بدون تكلفة، ومركبات ذاتية الركن وتساعد على تقليل الازدحام بنسبة 9%، وحدائق نباتية يتم زراعتها بمياه البحر المحلاة بتقنية "الغرافين"، وعباءات ذكية مصنوعة من نسيج ذكي، ومركبات ذاتية القيادة للتنقل في دبي، وأجهزة ذكية ستعمل على تقديم جودة عالية للهواء الخارجي، كما ستعمل المدينة وفق شبكة الجيل الخامس من الإنترنت الفائقة السرعة وستوفر بالمجان للجميع، مسرع الابتكار وهو نظام ذكي معد لمساعدة الشركات الصغيرة على النجاح، ومركزاً افتراضياً للمؤتمرات ستكون مهمته ربط رجال الاعمال ببعضهم من مختلف أنحاء العالم، ومراكز افتراضية للتراث .

الطب والرعاية الصحية
تعد الخدمات الصحية إحدى أهم أولويات الحكومات لأنها تمس حياة الناس بشكل أساسي ولها أثر مباشر في سعادة المجتمع وإنتاجية الدول، ما يحتم على الحكومات توفير خدمات صحية أفضل للمجتمعات واعتماد التخطيط المسبق والتنبؤ بالاحتياجات الصحية المستقبلية واعتماد أحدث التقنيات الطبية المتاحة لضمان الارتقاء بمستوى الخدمات الطبية، فعوضاً عن لزوم زيارة العيادة أو الطبيب، سوف يتم دمج الرعاية والسلامة الصحية مباشرة في الوجبات والأنشطة اليومية ويكمن الغرض من ذلك في تحسين التشخيص وتقديم رعاية صحية أشمل في المنزل، مع التركيز على الرعاية الوقائية والسلامة الشاملة، بحيث تدمج العلاجات في وجبات المرضى وأنشطتهم اليومية .
ضمن هذا السياق نسلط الضوء على مشروعين توفرهما شركة دو للاتصالات يهدف المشروع الأول تطبيق "في الحركة بركة" لتشجيع الناس على تبني نمط حياة صحي ومتوازن وبالتالي الوقاية من الأمراض .
والثاني عيادة افتراضية تؤمن نصائح طبية على مدار الساعة، حيث تقوم ممرضة من "دو" بقياس ضغط دم زوار الجناح ونسبة السكر في الدم، وتقديم النتائج عبر الشبكة للأطباء في مركز اتصال مؤسسة موبايل دوكترز 24/7 في مدينة دبي الطبية، وبعدها يجري الأطباء عملية التشخيص وتقديم الاستشارة الطبية للمريض على الفور .
كما يمكن الدخول إلى العيادة في أي وقت ومن أي جهاز موبايل وتلفزيون عبر التطبيق الخاص، كما يقول د . منصور أنور مدير إدارة الخدمات الطبية والصحة المهنية في "دو" .

الطرق والمطارات وطائرات من دون طيار
هناك تجارب في بعض المدن التي تفوق أعمارها مئات السنين مثل برشلونة وفيينا وليون الفرنسية وكيفية عمل طرقها العامة وفق نظام ذكي يقوم بالاتصال بين السيارات وإشارات المرور، بحيث يجبر السيارات على الإبطاء عند الاقتراب من إشارة على وشك التحول إلى حمراء، ومجرد اقتراب شخص من ممر المشاة تضيء الإشارة الحمراء تلقائياً للسماح بالعبور الآمن . هذه النظرة المستقبلية إضافة إلى مشروع استخدام طائرات بدون طيار لتوصيل الوثائق الرسمية والطرود ومختلف أنواع الخدمات الحكومية إلى المواطنين، لا تحتاج دبي إلى مئات السنين لتطبيقها لأنها شرعت في إدخالها حيز التنفيذ .
وإضافة إلى ذلك ستوفر دبي خدمة إشعار المتعاملين بأعمال الطرق المخططة في منطقتهم السكنية لضمان الراحة، إضافة إلى توفير بيانات دقيقة لتخفيف الزحام وتأخر الموظفين وارتفاع نسبة الانبعاثات الضارة .
وهيئة الطرق والمواصلات في دبي سبق أن قدمت 22 خدمة ذكية على جميع منصات الهواتف الذكية، على أن يبلغ عددها 50 قبل نهاية العام، منها تطبيق التاكسي الذكي ويتيح لمستخدميه إمكانية حجز تاكسي باستخدام الهواتف الذكية مع خاصية عرض التاكسي القريبة من المستخدم، ليتمكن من اختيار التاكسي الذي يرغب فيه حسب تقييم سائقه إضافة إلى إمكانية تقييم السائق بعد الانتهاء من الرحلة، كما سيكون الدفع في المواصلات العامة المترو، والحافلات والتاكسي المائي عن طريق تمرير الهاتف المتحرك بطريقة لا تلامسية على نقطة الاستشعار في بوابات الدخول لوسائل النقل الجماعي .
وتتم حالياً دراسة خارطة الطريق المتكاملة للتحول إلى "مدينة الذكية" لتلائم مختلف شرائح المجتمع من أفراد ومؤسسات وزوار وصولاً إلى التحول التام إلى الحياة الذكية في الخدمات المقدمة وعددها 260 خدمة . ويقول أحمد بهروزيان رئيس فريق التحول إلى الحكومة الذكية في هيئة الطرق والمواصلات في دبي: إن العدد الأكبر من الخدمات يتم تحليلها لتحديد إمكانية تقديمها من خلال الهواتف الذكية إما جزئياً أو بشكل متكامل بنهاية عام ،2015 كما يتم العمل حالياً على البحث عن 15 خدمة جديدة مبتكرة ومبدعة يمكن تقديمها عبر الهواتف الذكية من خلال البحث عن أفضل الممارسات العالمية، ويؤكد أن دبي ستكون الأولى على مستوى الشرق الأوسط وإفريقيا في مبادرة التحول للمدينة الذكية، وذلك لامتلاكها المقومات التي تجعلها تتصدر المجال على المستوى الإقليمي، سواء عبر مقومات البنية التحتية المتقدمة لخدمات الاتصالات، أو بالنسبة لمعدلات أتمتة الخدمات في القطاعات الحكومية، وتوفير قنوات الدفع الإلكترونية عبر المواقع أو الهواتف الذكية .

الأمن والسلامة
إذا ما كانت في الوقت الحالي شروط الأمن والسلامة تتطلب اتصالاً أو الدخول على تطبيق من الهاتف المتحرك، ففي المستقبل القريب لن تختصر الحلول على هذا فقط . لأن الهواتف الذكية ستعمل تلقائياً خلال 50 ثانية على طلب النجدة في حالة الطوارئ وسترسل إشارات نصية إلى ثلاث جهات هي الإسعاف والشرطة والى آخر ثلاثة أرقام تم التواصل معها من هاتف المصاب . مع تحديد الموقع ونوع الحادث وشدته وفصيلة الدم بدقة . ومن المهم الإشارة إلى أن بعض هذه الاختراعات والأنظمة غير مستوردة بل مصدره للعالم بأياد إماراتية، كما هي الحال مع النظام السابق الذي عمل على اختراعه ثلاثة طلاب من جامعة الشارقة، وهذا ما يفتح الباب على مصراعيه لتعمل مدينة دبي وفق حلول ذكية لجعل مكافحة الجرائم أكثر ذكاءً .

البيئة والمياه
دبي قادرة وتتمتع بالعديد من المكونات المطلوبة والتي يمكن الانطلاق منها لبناء المدينة الذكية، حيث قامت بجهد كبير خلال الفترة الأخيرة لتطوير التقنيات المتنقلة من خلال إطلاق الخدمات عبر الهواتف الذكية . ويقول شوندارت جونسي، مستشار الأبحاث في شركة التقنيات الذكية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا إن الخدمات التي تقدم للمواطنين والسكان والزوار لا تقتصر على الإدارات الحكومية، وإنما تشمل شركات الطيران ومراكز التسوق والمطاعم والفنادق والبنوك وغيرها من المنشآت الخدمية مثل قطاع الكهرباء والمياه وهذا يفسر مباشرة الإمارات بتركيب عدادات ذكية في بعض التجمعات السكنية وهذا من شأنه جمع وتحليل المعلومات عن كيفية طريقة استخدام المياه، وأكثر الأوقات التي تستهلك فيها، كما ستساعد على اتخاذ قرارات ووضع استراتيجيات لإدارة الطلب في المستقبل .

بلديات ذكية
من ضمن متطلبات المدن الذكية تعتزم دائرة الشؤون البلدية الاتحادية، تزويد لوحات نظام العنونة الجديد برموز ذكية تتيح إمكانية تحديد مواقع المدارس والمستشفيات والبنوك الأقرب مسافة من موقع اللوحة، كما تتيح متابعة الفعاليات المحلية في كل منطقة، ويمكن إرسالها إلى الأصدقاء وأفراد العائلة، والجهات الخدمية، لتحديد المواقع بسهولة بعد مسحها وقراءتها عبر برامج المسح التي توفرها الأجهزة الذكية والهواتف المتحركة، بما يحقق تفاعلية تامة في عمليات التواصل مع المستخدمين بما تقدمه من شرح عن تسميات الشوارع ومصادرها التاريخية أو الثقافية . عمل البلديات وفق النموذج الذكي لن يقتصر على ذلك فقط . فالحاويات المخصصة للنفايات لن تكون في المستقبل مجرد مكان لتفريغ النفايات فقط حيث سيتم تطوير حاويات جديدة مرتبطة بأنظمة استشعار عن بعد يتم من خلالها تحديد نسبة النفايات الناتجة من كل منزل ونوعيتها والتي يتم الاستفادة منها في إنشاء قواعد بيانات متكاملة عن النفايات من حيث المصدر والكمية والنوعية، وإن كانت سيارات البلدية في الوقت الحالي تقوم بالمرور على الأحياء المختلفة بصفة دورية ضمن جدول زمني متكرر، وتفاجأ في الكثير من الأحيان أن بعض حاويات القمامة غير مملوءة، ما يهدر الوقت والجهد، فإنه من خلال تطبيق فكرة المدن الذكية ووضع أجهزة استشعار في كل الحاويات، سيصبح بالإمكان تحديد المملوءة منها دون المرور على كل الحاويات، إضافة إلى الاستفادة من التطبيقات الخاصة بمعرفة البيانات اللحظية المكملة لعمل البلدية، فمثلاً يمكن من خلال تطبيق خاص معرفة بيانات عن حركة المرور، ومدى وجود ازدحام في الطرق المختلفة، بحيث يمكن تغيير مسار سائق سيارة جمع القمامة لتجنب ذلك الازدحام، وبالتالي توظيف الوقت المهدر في إعمال أخرى تسهم في تقدم العمل الخدمي .
التطبيق الذكي "حتماً دبي" واحد من بين عشرات التطبيقات الخدمية لزوار دبي وحاصل على جائزة أفضل تطبيق لعام 2013 من أجل الترويج لدبي كمدينة متطورة تقنياً . يحث التطبيق الذكي السياح على اكتشاف مختلف معالم الإمارة وخدماتها وفعالياتها من خلال هذه الواجهة التي تستخدم كحل ناجح وأداة تسويقية متطورة وفعالة . ويقول أحمد خليفة الفلاسي الرئيس التنفيذي للخدمات المؤسسية والمساندة بدائرة السياحة والتسويق التجاري بدبي إن التطبيق يعمل على توفير خريطة لموقع الحدث وميزة إمكانية معرفة الفعاليات والأحداث القادمة وخدمة "كونسييرج" لتوفير الخدمات الشخصية ويتمتع بمفهوم الواجهة البديهية التي تستخدم الصور على الشاشة وأداة تجول ديناميكية .

التعليم المتنقل
يستمر التعليم في الإمارات في الارتقاء وينتقل للتركيز على الذكاء الاجتماعي والسعادة وتطوير المهارات المعرفية، بحيث يكون متاحاً في أي وقت وفي أي مكان، لإيجاد أرضية صلبة لأفراد خلاقين مبتكرين متسلحين بالمعرفة ومحافظين على تراثهم الثقافي والحضاري .
ومن أهم ملامح التعليم في مستقبل دبي تجاوز تنفيذ المهمات البسيطة إلى الدخول في عوالم جديدة، بحيث تتكيف الأنظمة مع السلوكيات البشرية وتقدم خدمات تتماهى بديهياً وواقعياً مع مستخدميها ضمن قاعات بلا جدران يتاح من خلالها الانفتاح على كل أنحاء العالم . علاوة على ذلك سوف يساند التعلم الآلي الاختصاصين في اتخاذ قراراتهم في شتى الميادين، ابتداءً من ميدان الطب وصولاً إلى ميدان الاستراتيجية التنظيمية . ومن أبرز أسسه إعطاء الطلاب الفرصة لدخول عالم التطبيقات الرقمية الذكية والابتعاد عن الصور النمطية المألوفة للكتب المدرسية . ففي الوقت الحالي تطبق عشرات المدارس في أنحاء الإمارات برنامج التعلم الذكي بالتعاون مع شركات عالمية منها مايكروسوفت، وإتش بي، وسامسونغ، وأي تي ووركس . وفي العقد القائم ستتضاعف عدد الأجهزة الذكية المتنقلة بصورة هائلة في مدارس وجامعات الدولة، بما في ذلك المحافظ الذكية والحساسات الحركية والأجهزة الملبوسة، مثل النظارات أو العدسات اللاصقة الواقعية المعززة، وتسخير الألعاب الاجتماعية للمحاكاة والمساعدة على استكشاف اهتماماتهم . و"منضدة الرمل التفاعلية" واحدة من الأدوات التي ينتظر إدخالها لتعليم الأجيال الجغرافيا والفيزياء والمناخ من خلال التجربة العملية، بحيث يتمكن الطلاب من فهم كيفية تدفق المياه، وتشكل المناخ، وتفاعل المواد مع بعضها . كما ستظهر أشكال جديدة من التدارس والاستكشاف والتعلم في باقة من الحقول، على سبيل المثال سوف يتمكن الطلاب من اختبار مخرجات قراراتهم وتصوراتهم المحتملة قبل حدوثها، وسوف تتيح لهم هذه التصورات إيجاد رؤية عن أفضل مستقبل يمكن تبنيه . أما المسابقات العملية الحالية فلن تكون ملهمة لطلاب الغد، فمع حلول عام 2018 سيتمكن طلبة العلم في الإمارات من اكتشاف آلية النمو السريع للجينات النباتية، وفي عام 2020 سنشهد تنافساً بين الطلاب في الحصول على المركز الأول في مسابقة إنتاج المستحضرات الدوائية الحيوية أو تصمم نباتات باستخدام الهندسة الوراثية الافتراضية عبر وضع نباتاتهم التركيبية مقابل بعضها البعض في فضاءات افتراضية مستلهمة من علم الأحياء، وفي عام 2024 سنتحدث عن اكتشاف أحد الطلبة الإماراتيين معادلة البقاء على قيد الحياة في الصحراء .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"