تنطوي المملكة المتحدة على فرص واعدة للاستثمار والعمل في مجالات متعددة، محمولة على الاقتصاد القوي للدولة والبيئة التنافسية للأعمال والموقع التجاري المميز بين دول أوروبا وأمريكا، إلى جانب البنية التحتية التي تشمل شبكات النقل والطاقة ومشاريع العمران على مختلف أغراضه، إضافة طبعاً إلى خدمات المعلومات والبيانات والاتصالات التي تتوافر فيها .
كل ذلك ليس بجديد على بريطانيا التي تعد إحدى أبرز الاقتصادات الكبرى في العالم، لكن نتائجه تستمر في التجدد عاماً بعد عام وتدلل عليه الأرقام الصادرة عن الجهات المعنية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، نمو الاستثمار المباشر في المملكة المتحدة بنسبة 22% خلال العام الماضي، واحتضان أسواق المال نحو 717 مليار جنيه استرليني استثمارات في الأسهم .
ما يميز السياسة الاقتصادية البريطانية اليوم، أو ما يمكن استدعاؤه كعلامة فارقة في استراتيجية المملكة المتحدة الاقتصادية بالوقت الحاضر، هو تلك الخطط الرامية إلى جذب الأفكار المبدعة حول العالم وتحويلها إلى شركات كبرى تغزو القارات انطلاقاً من العاصمة لندن، فتصبح بريطانيا من خلالها قطباً تدور في فلكه اقتصادات دول عدة، خاصة في أوروبا وآسيا وأمريكا .
في إطار تعريفها بالاستراتيجية الحكومية الجديدة ومقومات نجاحها وظهور ملامحها الأولى، نظمت هيئة الاستثمار والتجارة البريطانية مؤخراً جولة صحفية لممثلي وسائل إعلام مختلفة في دول مجلس التعاون الخليجي إلى المملكة المتحدة، لرصد البيئة التي تتحول فيها أفكار خلاقة أبدعها شباب من جميع أنحاء العالم، إلى مشاريع وشركات تحقق عوائد استثمارية وتنموية في بريطانيا .
برنامج "سيريوس"
توسيع اقتصاد المعرفة والتخطيط الاستراتيجي للتنمية وتعزيز البيئة الاستثمارية ودعم الموقع التجاري للدولة وغيرها من مفاهيم تطوير الاقتصاد الوطني، جمعتها المملكة المتحدة في مشروع يطلق عليه اسم "سيريوس"، تستقطب عبره صفوة الأدمغة الشابة في مجالات محددة لتصنع من أفكارهم مشاريع تخطو بثبات نحو العالمية انطلاقة من العاصمة البريطانية لندن .
هذا البرنامج الذي بدأته الحكومة منذ بضعة أشهر ويستهدف المواهب المميزة من طلبة السنة الأخيرة في الجامعات أو الخريجين الحديثين حول العالم، بدأ اليوم يتبلور في ظل رعاية ما يمكن تسميته بحاضنات الإبداع التي توفرها الحكومة والقطاع الخاص في إطار دعم توجهات المملكة المتحدة وسياستها الرامية إلى تعزيز تنافسية البيئة الاستثمارية عالمياً .
استقطب برنامج "سيريوس" منذ إطلاقه في شهر سبتمبر/تشرين الأول عام 2013 (221) متقدماً من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، 72 منهم من الشرق الأوسط فقط، بينهم 7 من دول مجلس التعاون الخليجي على وجه التحديد، بحسب باولا كينيو مديرة البرنامج في هيئة الاستثمار والتجارة البريطانية .
الدفعة الأولى من الأفكار الناجحة في البرنامج، إذا صح التعبير، بدأت مشوارها في شهر يناير/كانون الثاني من العام الجاري، فيما لايزال البرنامج مستمراً في تقييمه وبحثه عن المواهب الفذة حتى يحقق هدفه المتمثل في تحويل 300 فكرة مبدعة إلى مشاريع شركات عالمية خلال عامين، واضعاً في الاعتبار ضرورة النجاح في مسعاه هذا مع نسبة لا تقل عن 30% من المتأهلين .
وتقول كينيو إن البرنامج يتعاون مع 5 حاضنات (مراكز دعم وتحفيز) للأفكار المتأهلة يوفرها القطاع الخاص في العاصمة البريطانية، لاحتضان أصحاب هذه الافكار وتقديم البيئة اللازمة لهم لتنمية وتطوير أفكارهم وتحويلها إلى مشاريع حقيقية تدخل العمل وتبدأ المنافسة على حصة من السوق المحلية أولا، ومن ثم التوسع في قارات أوروبا وأمريكا وآسيا .
وتوضح كينيو أن الحكومة البريطانية توفر للرواد الفائزين في برنامج "سيريوس" كافة التسهيلات والدعم اللازمين للقدوم والإقامة في لندن والانضمام إلى إحدى الحاضنات سابقة الذكر، بدءاً من تسهيلات التأشيرات وانتهاء بمخصصات مالية تقدر بنحو 12000 جنيه إسترليني للواحد تساعدهم على العيش خلال فترة تأسيس أعمالهم، وهو ما يشمل نحو أربعة أفراد للمشروع الواحد في بعض الحالات .
وتنوه كينيو إلى أن الحكومة البريطانية تعتمد التخطيط الاستراتيجي في برنامج "سيريوس"، حيث إن تحويل الأفكار إلى شركات عالمية كبرى تتخذ من لندن مركزاً لها، من شأنه أن يعزز مستقبلاً من تنافسية الاقتصاد الوطني بين اقتصادات الدول الكبرى في العالم، كما من شأنه تحقيق تنمية شاملة في القطاعات وتوفير مئات الآلاف من فرص العمل على المدى الطويل .
حاضنات الإبداع
لا تقتصر مهمة حاضنات الإبداع على توفير التمويل اللازم لتحويل أفكار الشباب إلى مشاريع فحسب، فالتمويل على الرغم من أهميته يعد واحداً من الأسباب الرئيسية لولادة هذه المشاريع ولكنه كما يقال في عالم الرياضيات "الشرط اللازم وغير الكافي" لنمو هذه المشاريع وتوسعها وتحولها إلى شركات كبرى تشكل إضافة حقيقية للاقتصاد الوطني مستقبلاً .
وبحسب إيريك فان رئيس "المستوى 39" إحدى حاضنات الأعمال في العاصمة البريطانية، فإن توفير التمويل اللازم يعد جزءاً أساسياً من عملية دعم المشاريع الصغيرة ولكنه غير كاف بمفرده، فالأفكار تحتاج إلى من يطبقها ويترجمها إلى واقع، ومن ثم يسوقها ويعمل على ترويجها في السوق التي تنطوي على مستويات عالية من المنافسة والمخاطرة بالنسبة للمستثمر .
ويقول فان: إن برنامج مؤسسته الذي بلغ عدد المسجلين فيه أكثر من 630 فكرة حتى اليوم، يوفر لأصحاب الأفكار البنية التحتية اللازمة لبداية مشروعاتهم والاستشارات أو الخبرات اللازمة لتشييدها وتجهيزها، ومن ثم شبكة البيانات والمعلومات اللازمة للتسويق والترويج، ومن بعدها شبكة العملاء والمستهلكين المستهدفين في خدمات ومنتجات المشروع الجديد .
ووفقاً لفان قبلت الشركة حتى الآن نحو 80 متقدماً للبرنامج من أصل ،630 نحو 50% منهم من خارج بريطانية، لافتاً إلى أن المشاريع التي تركز عليها الشركة تدور حول 3 مجالات هي القطاع المالي والمدن الذكية وتكنولوجيا التجارة، وتتعاون الشركة في تمويلها ودعمها للمتأهلين إلى برنامجها على جملة من الشركات ومؤسسات القطاع الخاص والحكومي .
وتتقاضى شركة "المستوى 39" من المؤهلين إلى برنامجها رسماً سنوياً بسيطاً مقابل توفير الخدمات سابقة الذكر، إضافة إلى مساعدتهم على القدوم إلى لندن والإقامة فيها، في حين توفر شركات القطاع الخاص المتعاونة مع البرنامج رعاية للمشاريع المتوافقة مع نشاطها، بحيث يصبح المشروع الجديد مورداً أساسياً للشركة الراعية ويجعل الأخيرة عميلاً رئيسياً للمشروع .
وتختلف قيمة وطبيعة الرسم التي تأخذه حاضنات المشاريع في لندن بين حاضنة وأخرى، ولكن ثمة قاسمين مشتركين في عملها، الأول تعاونها جميعها مع البرامج والخطط الحكومية في هذا المجال وبخاصة برنامج "سيريوس"، والثاني تعاون هذه الحاضنات مع شركات القطاع الخاص لتشكيل ما يمكن تسميته بشبكة بيانات وعملاء مستهدفين لكل شركة جديدة في أي مجال .
ويؤكد فان أن لا الرعاة ولا الحاضنة تشترطان جزءاً من عائدات المشروع الجديد لتمويله ودعمه، فالأهداف التنموية والاستثمارية من هذه المشاريع واضحة المعالم، من حيث دعمها للاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل في السوق المحلية وتعزيز تنافسية الدولة وتحقيق الربحية والفائدة لكل من أصحاب المشروع والشركات الراعية والحاضنة على حد سواء مستقبلاً .
برامج متعددة
ويبلغ عدد حاضنات ومراكز دعم الأفكار والمشاريع الصغيرة في العاصمة البريطانية نحو 32 مؤسسة، إضافة إلى 70 مساحة عمل مشتركة بما فيها مكتب "غوغل"، لكل منها برنامج خاص وفئة مستهدفة من الأفكار والمشاريع، ولكنها جميعها تتعاون مع برنامج "سيريوس" الحكومي، بحيث إن الوافدين من هذا البرنامج إلى تلك الحاضنات يعفون من الرسوم السنوية ويحصلون على الخدمات التي تقدمها تلك المؤسسات كافة .
ويقول عمار الحلبي مؤسس أحد المشاريع المؤهلة وفق برنامج "سيريوس" إن حاضنات الإبداع والأعمال في المملكة المتحدة توفر لأصحاب المشاريع الصغيرة كافة المقومات اللازمة لإنجاح مشاريعهم وتحويلها إلى شركات كبرى مستقبلاً، خاصة من خلال توفيرهم شبكة العلاقات والبيانات اللازمة لكل صاحب مشروع من أجل تسويق وترويج منتجات مشروعه في السوق .
وأضاف مؤسس شركة "funryde" أن كوادر حاضنات الأعمال في بريطانيا تتمتع بخبرة كبيرة في إدارة المشاريع وإنجاحها، كما أن هذه المراكز تعتني بأدق تفاصيل العمل والمعطيات اللازمة لدعم المشاريع المؤهلة عبر برامجها، وهو ما يتجسد بدءاً باختيار مواقعها ضمن المراكز الرئيسية للمدينة وانتهاء بشبكة العلاقات والبيانات التي تربطها مع القطاع الحكومي والخاص .
ويوضح الحلبي أن الحاضنات توفر المكاتب وقاعات الاجتماعات والاستشاريين والخبراء وغيرها من الخدمات اللوجستية والمادية اللازمة لإعداد وإطلاق المشاريع ومن ثم ترويجها وتسويقها، منوهاً إلى أن تقدم البنية المعلوماتية والتكنولوجية في بريطانية يدعم المشاريع الجديدة ويسهل كثيراً عمل حاضنات الأعمال، وهو يعد أبرز مقومات النجاح في أي بلد كان، على حد قوله .
بيئة تنافسية
ولا يقتصر سعي الحكومة البريطانية في استقطاب الأدمغة الشابة في مجالات اقتصاد المعرفة على برنامج تسهيلات وخدمات مادية ولوجستية تقدمها بشكل مباشر أو عبر حاضنات الإبداع في العاصمة لندن، حيث إنها وضعت سياسات وتشريعات عززت من تنافسية بيئة العمل في البلاد وجعلتها أكثر جاذبية مقارنة بالعديد من الأسواق الأوروبية والآسيوية والأمريكية .
وبحسب مسؤولي مراكز الأعمال التي التقيناهم خلال الجولة الصحفية، فقد بات اليوم في المملكة المتحدة قوانين تتحمل الحكومة من خلالها جزءاً من المخاطرة المترتبة على تأسيس الأعمال الصغيرة والمشاريع الجديدة، فتعكس بذلك التزامها وحرصها على دعم هذه المشاريع والأعمال وسعيها الجاد في مساعدتها على العبور إلى بر الأمان والانطلاق في عالم المال والاقتصاد .
كذلك أوضح المسؤولون أن الحكومة البريطانية أعادت النظر في قوانين الضرائب الخاصة بمشاريع الأعمال المبدعة، هذه التي تنمو في أحضان برامج الإبداع ومراكزه، فقلصت من ضرائب هذه المشاريع وسهلت سدادها وفق آليات مرنة جداً وتتيح لأصحابها التمتع بنسبة أكبر من العائد المالي، ما يسمح لهم بتوسيع أعمالهم ودعم تنافسيتهم في السوق المحلية والخارجية .
وشدد المسؤولون على أن النظام الضريبي الذي أقرته الحكومة لمصلحة المشاريع الشبابية المبدعة عبر برنامج "سيريوس" أو غيره، ساعد على استقطاب الكثير من رواد الأعمال من داخل البلاد وخارجها، وبحسب مايكل بويد مدير مجموعة الاستثمار بالهيئة البريطانية للتجارة والاستثمار نحو350 شركة نقلت مقر أعمالها إلى بريطانية خلال السنوات الثماني الماضية وخلقت 2000 فرصة عمل ذات مستوى مميز .
دعم الجهود الخليجية في تطوير اقتصاد المعرفة
أكد مايكل بويد مدير مجموعة الاستثمار بالهيئة البريطانية للتجارة والاستثمار، أن المملكة المتحدة ترحب بأية أفكار شبابية خليجية مبدعة، ويعد برنامج "سيريوس" وسيلة أو خياراً مثالياً لمثل تلك الأفكار في رؤية النور والتحول إلى مشاريع تجارية واعدة على أرض بريطانيا في ظل دعم ورعاية لا متناهيين من قبل الحكومة .
ومن جهتهم، أبدى مسؤولون في حاضنات الإبداع التي شملتهم الجولة الصحفية، اهتماماً كبيراً في التعاون مع الجهات المعنية في دول الخليج عامة ودولة الإمارات على وجه التحديد في دعم قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لافتين إلى أن دول الخليج تبدي اهتماماً كبيراً في هذا القطاع وتتطلع إلى تطويره عبر العديد من الأدوات والسياسات والخدمات المباشرة وغير المباشرة .
وشدد المسؤولون على أن اقتصادات دول الخليج تتمتع بملاءة قوية وحكوماتها تبدي اهتماماً كبيراً بقطاع الأعمال لتوفير فرص العمل لدى الشباب ومساعدة رواد الأعمال على إطلاق مشاريعهم الخاصة التي تعود بالنفع على الاقتصادات الوطنية لأسواق تلك الدول .
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة أبدت اهتماماً في أكثر من مناسبة على لسان مسؤولين في وزارة الاقتصاد، بالتعاون مع المملكة المتحدة في تطوير برامجها ومراكزها لاحتضان ودعم المشاريع الصغيرة في مجالات اقتصاد المعرفة الذي بات مكوناً أساسياً من استراتيجية الدولة ورؤية الحكومة للاقتصاد الوطني بحلول العام 2020 .
بورصة لندن توفر السيولة لشركات المنطقة
أكد اليستر والمسلي مدير الأسواق في سوق لندن الأولية، أن الانضمام لبورصة لندن يحمل لشركات المنطقة فرصة كبيرة في الحصول على سيولة جيدة عند الإدراج ثم عائدات مجزية عند تداول أسهمها في أسواق لندن التي تستقطب المستثمرين من أنحاء العالم نظرا للفرص الاستثمارية المهمة التي توفرها .
وبحسب والمسلي فإن العديد من الشركات الإماراتية مؤهلة للانضمام إلى بورصة لندن وجميعها قد تلقى إقبالاً كبيراً من قبل المستثمرين، كما هو الحال مع الشركات الإماراتية التي سبقتها للإدراج خلال الفترة الماضية، وكان آخرها شركة الخليج للخدمات البحرية التي تتخذ من العاصمة أبوظبي مقراً لها .
ويبلغ عدد الشركات الإماراتية المدرجة في بورصة لندن حالياً 10 شركات، منها مجموعة مستشفيات النور، وشركة داماك العقارية، وشركة الخليج للخدمات البحرية، موانئ دبي العالمية، مجموعة "NMC" للرعاية الصحية، شركة "ديبا"، إضافة إلى شركتي "بتروفاك" و"لامبريل" العاملتين في مجال الطاقة وتعدان مشاريع مشتركة بين الإمارات وبريطانيا .
وتشير بيانات بورصة لندن الأولية إلى نحو 60 شركة مدرجة من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا .