دبي - أمل سرور:
لم تعد هناك حاجة لزيارة الطرف الآخر من العالم، وتحديداً النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، فأنت في الإمارت تحط بقدميك على أرض لا تعرف للمستحيل طريقاً، بسهولة تتحول رمالها الصحراوية الصفراء إلى واحة من الثلج الأبيض، لتنعش صيفها الحار وتبدله إلى شتاء بارد، تشعر معه بأنك لا محالة تجلس على رأس قمة "إفرست" أو أنك تعيش بين أحضان جبال الألب التي اعتادت على اكتساء حلتها البيضاء كل شتاء . أنت إذن على أرض صاحبة لقب مدينة الأرقام القياسية دبي، وتحديداً دخلت إلى عالم الجليد في أقدم وأهم مركز تجاري فيها "مول الإمارات" .
فقط عليك أن ترتدي ثيابك الثقيلة وقبعتك وقفازيك لأصطحبك معي في رحلة عبر ذاك المنتجع الثلجي المغلق الوحيد في منطقة الشرق الأوسط، "سكي دبي" .
للوهلة الأولى قد يكون الأمر غريباً، لكنه يتضح أكثر وتظهر معالمه بمجرد الاقتراب من "مول الإمارات" المطل على شارع الشيخ زايد في دبي، حيث يلوح "سكي دبي" من بعيد .
لا تملك سوى الاستسلام للمكان لدرجة أنك تنسى جولتك المنشودة في المنحدر، فالمركز التجاري وحده قادر على أن يخطف بصرك فيرتعش قلبك وتلهو روحك، فلا تشعر سوى وأنك تريد التجوال بين أروقته الضخمة ومحاله التجارية المتنوعة، هكذا كان إحساسي عندما دخلت "مول الإمارات" ولكن كان صوتها يأتيني من بعيد، تلك النداهة التي اخترقت أذني مهللة، "سكي دبي"، فإذا بي مسيرة، أرتدي ملابس ثقيلة تسلمتها من رجال الأمن المسؤولين عن بوابة المنتجع، وقبعة، وقفازين، لتبدأ الرحلة عبر برودة الشتاء، وصقيع الأجواء، واصطكاك الأسنان .
باب زجاجي هو الحد الفاصل بين حرارة تصل إلى 45 درجة، وحالة من البرودة والتجمد تصل إلى 20 تحت الصفر، خط فاصل لا ينسيك أبداً أنك على أرض لا تعرف معنى لكلمة المستحيل .
ما إن تجتاز بوابة الدخول تجد نفسك محاطاً بالثلوج والتماثيل المنحوتة من الجليد، التي تمثل أشكالاً لحيوانات انقرضت منذ زمن بعيد من أمثال الديناصورات الضخمة وغيرها .
البرودة تلسع الوجوه، وبقدر سعادتك في اللحظات الأولى لدخولك والتي تشعر معها بنسمات باردة تغسل القلوب من عناء الحرارة المرتفعة بالخارج، بقدر ما تضبط نفسك متلبساً بتمني لحظة تحت أشعة الشمس التي تُجري الدم الذي برد في عروقك أقف متأملة ذلك البياض الذي يحاصرني من كل صوب، ذاهلة أمام الفن الذي صُممت به المنطقة المتجمدة وسط مركز تجاري يعج بالبشر من أجل التسوق .
كثيرة هي الأسئلة التي تداهمني، إذ ما كيفية صناعة تلك الكميات الهائلة من الثلج التي تغطي أرض تلك الواحة المتجمدة؟
وما التقنية المستخدمة للمحافظة على برودة المكان التي تصل ليلاً إلى أدنى الدرجات في ظل أجواء دبي الحارة؟
لم تدم أسئلتي كثيراً وسرعان ما أجابني مرافقي الإنجليزي الجنسية "مارتن" قائلاً: يتكون الثلج في "سكي دبي" من الماء بذات الطريقة التي يتكون فيها بالطبيعة، وذلك بفضل تقنية شركة "أيسر سنو ميك سيستم" التي تنتج ثلجاً طبيعياً، يشبه تماماً "الثلج البري" من حيث الملمس واللون وحتى الطعم، وتعمل هذه التقنية على إسقاطه بذات الطريقة الطبيعية التي تتساقط بها الثلوج . تُبرد المياه النقية أولاً داخل أجهزة تبريد، ثم ترسل إلى مخارج الثلج الموجودة في السقف، وعند إطلاق المياه داخل جو المنتجع البارد، تتبلور المياه الباردة لتصنع ثلجاً، علماً بأن درجة الحرارة في المنتجع خلال عملية تكوين الثلج تتراوح بين 7- و8- درجه مئوية، وتسفر هذه العملية عن تكوين ثلج حقيقي كما في الطبيعة .
وهذه العملية لا تتم إلا ليلاً لأنها تكون غيوماً بيضاء وسط المنتجع، وحسب مارتن، فإن صناعة الثلج في "سكي دبي" تتم يومياً، إذ يستخدم في ذلك 27 مخرجاً، وللتأكد من وصول الثلج المستخدم إلى أقصى درجات البرودة، تعيد إدارة المنتجع تدويره من خلال حفرة صنعت خصيصاً لإذابة الثلج . ويستعمل الثلج المذاب في عملية تبريد المياه المستخدمة في أنظمة تكييف الهواء في "مول الإمارات" .
ها هي الصيحات تقطع صوت مرافقي، وها نحن نسير لاهثين بخطى متسارعة للحاق بمكان وسط تلك الكتل البشرية التي التفت حول دائرة من الجليد من خلف سور حديدي، في انتظار "البطاريق" القطبية المميزة التي استقطبها "سكي دبي" .
والبطاريق ال20 والتي تعد جزءاً من برنامج تنشئة البطاريق متعددة الأجيال الذي يرعاه العلماء بمؤسسة "سي ورلد" بمدينة سان أنطونيو بولاية تكساس الأمريكية، والذي يهدف إلى زيادة الوعي والمعرفة بهذه الطيور القطبية، والتوعية بالجهود المبذولة لحماية موطنها الطبيعي والحفاظ عليه .
أسماء نوراني كانت تقف بصحبة صديقاتها، وكانت صيحاتها تتعالى في الأجواء معبرة عن مدى سعادتها، قالت لي سريعاً: لم أشعر بالسعادة مثلما شعرت بها في هذا المكان، أحسست أنني سافرت إلى أوروبا، شيء لا يصدقه عقل، ثم إنني استمتعت بعرض البطاريق القطبية التي لم نكن نراها سوى في البرامج التلفزيونية .
"أعتقد أنني حققت أحلامي"، هكذا قطعت آية مسلميني حديث صديقتها قائلة: عشت لأرى كيف للمستحيل يتحقق، منطقة متجمدة نشعر فيها بقسوة البرودة وبيننا وبين الجانب الآخر الساخن خطوات قليلة، متعة وإبهار وسعادة، لا أجد ما أقوله أكثر من ذلك .
عدنان منصوري كان يقف منتظراً دوره في خوض تجربة "التليفريك" التي تستطيع من خلالها أن تعيش أجواء المغامرة الجليدية محلقاً فوق المنتجع، عندما اقتربت منه قال: جئت لقضاء شهر العسل في مدينة دبي، حيث إنني أقيم في العين، ونصحني أصدقائي بألا أُفوت رحلة التسوق من "مول الإمارات"، وأيضاً أن أعيش تجربة الجليد . وفعلاً عشت وزوجتي لحظات لا تنسى من السعادة وسط تلك الأجواء المجمدة التي أشعرتنا بالفعل بأننا سافرنا لقضاء شهر العسل في إحدى دول أوروبا، وأعتقد أنني سوف أكررها مرات متوالية في كل الزيارات التي أقرر فيها قضاء عطلتي الأسبوعية في دبي .
محيي عبدون الشاب السعودي المقيم في الإمارات ويدرس في إحدى جامعاتها بدأ يتحدث قائلاً: أكثر ما أعجبني في المنتجع هو وجود العنصر التعليمي في المكان، خاصة في صالات التزلج فلا يتوقف الأمر على المحترفين فقط،، إنما ينسحب على أولئك الذين يتوقون لتعلم هذه الهواية، لذلك نجد أنه يضم دورات تدريبية للأطفال والكبار، ويشرف عليها مدربون محترفون يمتلكون القدرة على التدريب بمختلف اللغات والأساليب التعليمية، ويستطيع المتقدمون لتلك الدورات الاختيار بين الحصص الفردية أو الجماعية .
ويتواصل الكلام على لسان عبدون ويوفر "سكي دبي" بين جوانبه جميع الأنشطة الشتوية التي تتوافر في المنتجعات الخارجية الأخرى الموجودة في البيئات الجبلية الثلجية، وعندما افتتح كان الزوار القادمون من الدول الغربية هم الذين يمارسون رياضتي التزلج الحر والتزلج بالألواح لاعتيادهم على ممارستها، بالمقابل كانت الحديقة الثلجية تعج بالزوار من دول الخليج العربي وآسيا والذين كانوا يستكشفون الثلج لأول مرة .
ولكن مع مرور الوقت، أصبح "سكي دبي" يستقبل الزوار من جميع الجنسيات، سواء لزيارة الحديقة الثلجية أو المنحدر الثلجي، ويرجع الفضل في ذلك إلى المدربين المحترفين في مدرسة تعليم التزلج، وما يتوفر من خدمات للزوار .
منى موصيلي تأملت كثيراً لهوها مع البطاريق، وتحركاتها الخفيفة والرشيقة داخل كرات الثلج وعندما اقتربت منها لخصت حالتها في كلمات قليلة قائلة: قد يمضي العمر من دون أن نشعر بالسعادة يوماً، ولكنني بالفعل أستطيع أن أقول إنني عشت لحظات سعيدة في عمري هنا .

مكانة عالمية

يصنف "سكي دبي" بأنه ثالث أضخم منتجع ثلجي مغلق في العالم وافتتح في عام 2005 ضمن "مول الإمارات" الذي يعرف بأنه أقدم وأضخم مركز تسوق في العالم خارج حدود أمريكا الشمالية .
ويضم المنتجع منحدراً للتزلج بطول 400 متر مع تضاريس متنوعة ومساحة للعب بالثلج يوازي حجمها حجم ثلاثة ملاعب لكرة القدم وتوفر أكثر من 6000 طن من الثلج الحقيقي في أي وقت من اليوم على مدار السنة بمساحة ضخمة تتسع لألف وخمسمئة زائر .
ويعتبر "سكي دبي" أول منتجع داخلي متكامل للتزلج في العالم مشيد على طراز المنتجعات الثلجية في منطقة جبال الألب في أوروبا .
ويحتوي على خمسة منحدرات مختلفة يصل ارتفاع أعلاها إلى 90 متراً أي ما يوازي ارتفاع بناية من 30 طابقاً، ومنطقة مخصصة للمبتدئين والراغبين في تعلم رياضة التزلج ومنتزه لألعاب الثلج البهلوانية، إضافة إلى مساحة 3000 متر مربع مخصصة للعب بالثلج والتي يمكن للأطفال الذين يعيشون في المنطقة أن يشاهدوا فيها الثلج الحقيقي لأول مرة في حياتهم . يستخدم هذا المنتجع 60 ألف طن من الثلج الذي ينتج بطريقة طبيعية داخل المجمع . ويقدر حجم تكلفة الجوانب الخاصة بتقنية اصطناع الثلج بحوالي55 مليون دولار، فيما بلغت تكاليف المنتجع نفسه أكثر من 80 مليون دولار .