ترجمة: وائل بدر الدين
"النجاح والفشل في أعرق تجربة اقتصادية وأكثرها ديناميكية في العالم" عبارة لخصت مضمون كتاب "جو ستادويل" بعنوان "أسرار الازدهار والفشل الآسيوي" الصادر عن دار "غروف" والحائز على جائزة أفضل كتاب اقتصادي لعام 2014 التي تمنحها شركة "غولدمان ساكس" بالتعاون مع "فاينانشل تايمز" .
ولا شك أن سر نجاح النمور الآسيوية خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي دفعت الكثيرين في الغرب الصناعي للاعتقاد بأسطورة المعجزة الاقتصادية لدول المنطقة التي بدت كتلة متجانسة ثقافياً واقتصادياً فضلاً عن كونها عملاق تنمية .
في كتابه "أسرار الازدهار والفشل الآسيوي" يفند "ستادويل" أداء اقتصادات تسع دول آسيوية هي اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وإندونيسيا، وماليزيا، وتايلاند، والفلبين، وفيتنام، والصين، بالتحليل المكثف ويعرضها في مسرودة مقروءة تفضح زيف التضليل الغربي وتوضح حقائق ما جرى ويجري في آسيا، وسر ذلك النجاح الذي أحرزته بعض دول القارة والفشل الذي منيت به دول أخرى .
ويعرض الكتاب بالتفصيل والمقارنة لعدد من أهم العوامل المؤثرة في النجاح الذي أحرزته تلك المجموعة من الدول وهي غالبا في الجنوب الشرقي الآسيوي مقابل معوقات نمو المجموعة الأخرى الواقعة شمال غرب القارة . وركز الباحث على التعليم وأنماطه والملكيات الزراعية وطرق تفعيل أسالب الإنتاج الزراعي لتصب في صالح دعم النمو الصناعي، ودور النظم السياسية بغض النظر عن كونها تصنف ضمن الديمقراطيات أو النظم الاستبدادية الشمولية، مبيناً أن الازدهار لم يقتصر على واحدة من الفئتين .

مضاعفة الإنتاج الزراعي أسهل الطرق للتوظيف في الدول الفقيرة

فند الكتاب الدور الذي لعبته دور البحث الغربية ونصائحها في الغالب في عرقلة خطط النمو في بعض البلدان وكيف أدى ذلك إلى غدارة ظهور دول أخرى للغرب ونصائحه خاصة بعد أزمة الأسواق الآسيوية عام 1997 .
ويبقى الكتاب وثيقة تقدم الحجة الدامغة وتوفر المتعة والفائدة لأولئك المهتمين بمصير قارة تشكل أكثر من ربع سكان العالم وترسم معالم عالم الغد .
يستعرض هذا الكتاب المكون من أربعة أجزاء، في جزئه الأول التحول الاقتصادي المتسارع ومدى تحقيقه . ويقول الكاتب أن هنالك ثلاثة جوانب أو طرق يمكن للحكومات تبنيها لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي، مع العلم أنه تم استخدام تلك الطرق أو بعض منها في منطقة شرق آسيا في دول كاليابان وكوريا الجنوبية وتايوان علاوة على الصين التي بدأت في تطبيقها مؤخراً، وهو ما أدى إلى أسرع وتيرة نمو من أدنى مستويات الفقر إلى أعلى مراتب الثراء وهو ما شهده العالم أجمع . وخلافا لذلك فقد أثبت استخدام دول الغرب الآسيوي لطرق تختلف عن تلك التي تبنتها نظيراتها الشرقية أن النمو يكون متسارعاً أيضاً إلا أنه يكون لفترة محدودة جداً ولا تلازمه الاستدامة .
ويتمثل الجانب الأول في مضاعفة إنتاج القطاع الزراعي الذي يعتبر أسهل الطرق لتوظيف أكبر كم من الأشخاص في البلدان الفقيرة . وأظهرت دول شرق آسيا التي حققت نجاحاً ملموساً في هذا الجانب أن أفضل طريقة لفعل ذلك هي إعادة هيكلة القطاع الزراعي بتمليك مواطنيها مزارع خاصة حول مساكنهم تعود عليهم بأرباح مناسبة . وقد مكنت هذه الطريقة تلك الدول من استغلال كل الموارد البشرية المتاحة في الاقتصادات الفقيرة للعمل وتحفيزهم لتحقيق مستويات مرتفعة من الإنتاجية وهو ما تم إنجازه فعلا بان وصلت معدلات الإنتاجية لأعلى معدلاتها حتى وإن كان العائد الفعلي لكل فرد من المزارعين أنفسهم ضئيلاً . وقد كانت المحصلة النهائية فائضاً إنتاجياً أولياً أدى إلى تمهيد الطريق لزيادة الطلب على السلع والخدمات .
ويتمثل الجانب الثاني الذي يعتبر "المرحلة الثانية" من البرنامج في توجيه الاستثمارات وأصحاب المشاريع إلى القطاع الصناعي نظراً لكونه أكثر القطاعات فاعلية في استغلال المهارات الإنتاجية المحدودة للقوى العاملة في الدول الفقيرة، وهو ما يمكن العمالة من التحول من الزراعة للصناعة . وتمثل العمالة غير المؤهلة قيمة كبيرة في المصانع التي يعملون فيها، حيث يقومون فقط بالتعامل بكل سهولة مع الأجهزة والآليات . وعلاوة على ذلك تبنت حكومات دول شرق آسيا الناجحة طرقاً جديدة في تسريع التطور التكنولوجي بالصناعة عبر ربط جودتها بمستوى المنتجات القابلة للتصدير .
ويتمثل الجانب الثالث والأخير في تدخل الحكومات في القطاع المالي لتركيز رؤوس الأموال على المشاريع الزراعية المتوسطة وتطوير القطاع الصناعي لتسهيل عملية التحول الاقتصادي . ويبقى الدور الذي تضطلع به الحكومات المحافظة على تركز الأموال وتخصيصها لصالح الاستراتيجيات الهادفة إلى الحصول على أسرع وتيرة ممكنة في التطور التكنولوجي ما سيعجل في الحصول على أرباح مستقبلية عوضا عن العائدات قصيرة الأمد والمكاسب الفردية، وهو ما يعرض الحكومات لأن تكون في مواجهة حامية ضد رجال الأعمال فضلاً عن المستهلكين الذين يكون أفقهم الاستراتيجي ضيقاً .

إجماع واشنطن
لقد كان ذلك العصر مشحوناً أيدلوجياً بما يسمى ب"إجماع واشنطن" عندما اتحد كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية في وصفهم للسياسات الحرة للسوق التي بدأت تروج في الولايات المتحدة وبريطانيا على أنها السياسة الأنسب لكل الاقتصادات أيا كان مستوى تطورها أو نموها . ولقيت الصرامة الأكاديمية نقداً لاذعاً، كما هو الحال مع التقارير التي كان يوردها البنك الدولي في تلك الأثناء .
وحتى الاختصاصيون الأكاديميون من اليابان وكوريا وتايوان والذين كانوا يعارضون مسودة "إجماع واشنطن" للنمو الاقتصادي قاموا في الواقع بادعاءات مشبوهة لدعم قضيتهم . واليوم فإن ما كتبه "شالمرز جونسون" في مقدمة دراسته المبتكرة عن التطور في اليابان والتي تم نشرها في عام 1982 (نموذج التطور في اليابان) يتكرر الآن في الدول الصناعية الحديثة ككوريا الجنوبية و تايوان وسنغافورة علاوة على دول شرق وجنوبي شرق آسيا . كما أتبعت الكاتبة "أليس أمسدن" التي أجرت تحليلاً دقيقاً للتطور الاقتصادي بكوريا الجنوبية سلسلتها الخاصة بتطور منطقة شرق آسيا بمقدمة "نموذج النمو الاقتصادي في اليابان و كوريا وتايوان وتايلند" . حتى أن الكاتب "والت روستو" مؤلف أحد الكتب التاريخية المتعلقة بالنمو الاقتصادي بمرحلة ما قبل الحرب العالمية خاطب قراءه في آخر نسخة صادرة من الكتاب في عام 1991 أن ماليزيا وتايلند كانتا تخطوان خطى كوريا الجنوبية وتايلند في توجههما نحو مستوى النضج التكنولوجي .
وقد نتج عن عدم الاتفاق على طبيعة النمو الاقتصادي امكانية تحقيق معدلات نمو سريعة في المنطقة . في أوائل عام 1980 وبالنمو المتميز الذي شهدته البرازيل في ستينات القرن الماضي علاوة على نمو منطقة أمريكا اللاتينية في السبعينات فقد بدا من الواضح خطورة الحكم على التطور الاقتصادي بناءً على معدلات النمو فقط . وكانت البرازيل الاقتصاد الرئيسي الوحيد من خارج مجموعة دول شرق آسيا الذي حقق نسبة 7 تبعاً لمؤشرات النمو الاقتصادي سنوياً ولأكثر من ربع قرن، ومع بداية ظهور أزمة ديون أمريكا اللاتينية في أوائل الثمانيات والتي تم وصفها ب"العقد الضائع" عانت البرازيل من كساد كبير في عملتها وتضخما كبيرا علاوة على مستويات "صفرية" من النمو على مدى عدة سنوات، وهو ما كشف أن معدلات النمو الكبيرة فيها كانت بسبب القروض التي تحصل عليها فقط، وكان حري بها أن تستفيد من تلك الأموال في ترسيخ القطاع الصناعي لزيادة معدلات الإنتاجية والسعي لأن تكون اقتصاداً منتجاً ومنافساً .
وبداية من عام 1997 وفي الوقت الذي بلغت فيه نسبة النمو 7 في المئة سنوياً خلال نحو ثلاث سنوات في كل من اليابان وكوريا وتايوان والصين وماليزيا دخلت منطقة شرق آسيا حقبة جديدة من تصفية حساباتها الداخلية عند وقوع الأزمة المالية التي ضربت المنطقة . ومن تلك اللحظة استغرقت اليابان وقتاً طويلاً حتى تصبح اقتصادا ناضجا بعد أن كانت دولة تعاني مشاكل كبيرة . وفي تلك الأثناء كانت كوريا وتايوان والصين ما زالت في مرحلة ليست ببعيدة جداً عما وصلته اليابان . وكانت تلك الدول إما أنها لم تتأثر بالأزمة الآسيوية أو أنها استعادت عافيتها سريعاً وعادت إلى مستوياتها المعهودة من النمو المتسارع والتطور التكنولوجي باستثناء ماليزيا وإندونيسيا وتايلند تم إقصائها تماماً من تلك العملية نظراً لتأثرها الكبير بتلك الأزمة، حيث عانت الانكماش والتضخم فضلا عن النمو المتباطئ . وهو ما يظهر اليوم أن إجمالي الناتج المحلي لكل فرد بكل من اندونيسيا (3000 دولار أمريكي) و تايلند (5000 دولار أمريكي) علاوة على معدلات الفقر الكبيرة المتوقعة مقارنة بكوريا و تايوان اللتين بلغ فيهما المعدل نحو 20000 دولار أمريكي . وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية كانت كل تلك الدول في مستويات متساوية من الفقر .
وتجلى ما أوضحته الأزمة الآسيوية في أن فعالية حزمة الإجراءات والتدخلات الحكومية كانت في الواقع الفرق بين كل من النجاح المستدام والإخفاق الذي لازم النمو الاقتصادي بمنطقة شرق آسيا . وقامت حكومات كل من اليابان وكوريا والصين وتايوان بإعادة هيكلة القطاع الزراعي بصورة جذرية بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية وصب كامل جهودها نحو تحديث قطاع الصناعة وربطه مع أنظمتها المالية بشكل وثيق . وبناءً عليه غيرت تلك الدول من هيكلة اقتصاداتها على نحو يجعل من المستحيل أن ترجع خطوة للخلف من النقطة التي وصلتها من التنمية . وفي دول جنوب شرق القارة الآسيوية وبغض النظر عن الفترة الطويلة لنموها المضطرد فلم تعترف حكوماتها بالزراعة كقطاع أساسي علاوة على أنها لم تنشئ مؤسسات صناعية يمكن اعتبارها عالمية، فضلا عن أنها قبلت نصائح سيئة من الدول الغنية لفتح المجال أمام القطاعات المالية في مرحلة مبكرة من عملية التنمية.

الحقيقة وراء "شرقين آسيويين"
كانت بداية عقد الاستراتيجيات الخاصة بالقطاع الزراعي والمالي والصناعي التي حددت مدى نجاحها أو فشلها قبل النقاشات التي دارت حول المعجزة الآسيوية المشهودة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وهي الاستراتيجيات التي يستعرض هذا الكتاب أهم جوانبها . وبدأت تلك البرامج مصحوبة بتوزيع متطرف للأراضي الزراعية في كل من اليابان و كوريا وتايوان والصين منذ أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات . وقد كانت الأراضي الزراعية أكبر مشكلة سياسية تواجه منطقة شرق آسيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية .

بدايات خطى التنمية
كانت السياسة الخاصة بالنمو الاقتصادي السريع قد مرت بمرحلة من الشك وعدم الثقة فيها بدول شرق آسيا في مرحلة ما بعدما رأوا بأم أعينهم النمو الكبير الذي شهدته اقتصادات لم تحذ حذو السياسات التي تبنتها كل من اليابان وكوريا وتايوان والصين . ومنذ عام 1980 وحتى أوائل عام 1990 أوقف البنك الدولي التعاملات الخارجية الخاصة بالمراكز المالية لكل من هونغ كونغ وسنغافورة . وبغض النظر عن أن المراكز الخارجية وبالانحسار الذي تتسم به والكثافة السكانية الكبيرة فيها وغياب الإنتاجية الوفيرة بالقطاعات الزراعية هي في الحقيقة لا يمكن مقارنتها بالدول الأخرى، حيث قام البنك الدولي باستخدام هونغ كونغ وسنغافورة كنموذجين من ثلاثة نماذج أجرت عليها دراسات بحثية وأوردتهما في تقريرها المثير للجدل في العام 1987 . وبعد أن واجه التقرير انتقاداً أكاديمياً واسعاً أتبع البنك الدولي ذلك التقرير بدراسة أخرى في عام 1993 معنونا إياه ب "معجزة شرق آسيا" والذي تم فيه التأكيد على وجود سياسة صناعية بتلك الدول مع القليل من الحماية التي تتمتع بها في بعض المناطق . .

المساواة في توزيع الأراضي
شهدت منطقة جنوب شرق آسيا في الفترة التي تلت الحرب الكثير من الأحاديث التي تدور حول المزيد من المساواة في توزيع الأراضي والخدمات الجديدة في التوسعة الزراعية بغرض دعم المزارعين . وتم بعدها إطلاق العديد من تلك البرامج التي لقيت نجاحاً كبيراً، إلا أن الجهود الفعلية المنفذة كانت أقل من نظيرتها في شمال شرقي المنطقة، وهي النقطة التي بدأ منها التباين الكبير بين المنطقتين . ونتج عن فشل قادة دول جنوب شرق آسيا في التعامل مع المشكلات الزراعية التي واجهوها صعوبة بالغة في إنجاح البرامج التالية . ومن العجيب فعلاً أنه و بعد ذلك ولمدة ستين سنة ما زالت المشكلة السياسية المتعلقة بالأراضي قائمة في الفلبين وإندونيسيا وتايلند خلافاً لماليزيا التي كانت أقل حدة من الدول المذكورة نسبة لأن غناها بالموارد الطبيعية يخفف من حدة الأداء الضعيف للقطاع الزراعي فيها . ويستعرض هذا الكتاب في أحد أجزائه الأهمية الكبيرة للقطاع الزراعي على النمو الاقتصادي .

دور الصناعة
يناقش الجزء الثاني من الكتاب الدور الذي تلعبه الصناعة، والكيفية التي قامت فيها كل من اليابان وكوريا وتايوان والصين بتوطين الصناعة وترسيخها كجزء رئيسي في اقتصاداتها وتطوير صادراتها الدولية منها . وطغى ذلك التطور على المشكلات المتعارف عليها في هذه البلدان عبر إصدارها لقوانين حماية خاصة بالقطاع تشتمل على حصول أصحاب المشاريع لحوافز مالية مقابل تصنيعهم لمنتجات ذات جودة تنافسية عالية يمكن تسويقها في الأسواق العالمية . ولم يكن بمقدور المؤسسات الاختباء خلف الرسوم المفروضة والقيود الأخرى والقيام ببيع منتجاتهم فقط للسوق المحلية المحمية . ولم تتمكن الشركات التي لم توف بمعايير التصدير الحصول على المساعدات الحكومية مما أرغمها على الاندماج مع شركات أخرى أو حتى إعلان إفلاسها .
وهذه هي النقطة الثانية التي أدت إلى الاختلاف الكبير بين سياسات كل من جنوب شرق وشمال شرقي القارة الآسيوية بما فيها الصين . ففي الجزء الجنوبي لم يكن رواد الأعمال أقل مقدرة من نظرائهم في البلدان الأخرى إلا أن حكوماتهم لم تتمكن من توجيههم للصناعة على النحو الصحيح و لم تطبق عليهم المعايير الخاصة بالمنتجات المعدة للتصدير، بل إن تلك الحكومات كانت هي من تقوم بتملك مشاريع التصنيع الكبرى ما أدت إلى ضعف مستوى التنافس بين الشركات بانعدام المعايير التي تحدد مستويات معينة من جودة المنتجات المعدة للتصدير . وكنتيجة لذلك انخفضت العائدات الحكومية من كل الاستثمارات الصناعية . وفي الثمانينات التي شهدت الطفرة الكبيرة في اقتصادات دول الشرق الآسيوي غطى التدفق المضطرد للاستثمارات على الفشل الذي لازم تلك الدول في إنتاج معدلات تصنيعية وتكنولوجية كبيرة، وتركزت معظم تلك الاستثمارات في الصناعات التحويلية في القطاع الصناعي المتقدم . وعند حلول الأزمة الآسيوية أصبح جليا التباين الصناعي الكبير بين كل من دول شمال شرق آسيا وجنوب شرقها . حيث لم تكن هنالك شعبية كبيرة للصناعات التي تنتجها دول الجنوب وتفتقر إلى المستويات التنافسية التي يمكن بموجبها تسويق منتجاتها عالمياً .