الشارقة - عثمان حسن:
(إنّما يحصد القهر
من يزرع القهر في زمني
إنّما الموت موت ابتلائي
أما أنا فسأبقى
أراقص حريّتي
وأدافع بين هدير الملايين
عن وطني) .
في أسبوع واحد تفقد الساحة الأدبية العربية شاعرين كبيرين، فقبل أيام قليلة رحل الشاعر المصري عبدالرحمن الأبنودي، وبعد رحلة طويلة مع المرض تفقد الساحة العربية الشاعر السوداني محمد الفيتوري .
الوقوف عند تجربة الفيتوري، تستحق الكثير، فهو رمز يقف بقوة عند أبرز مفاصل تطور الحداثة الشعرية العربية، التي ربما مثل الفيتوري خاصية مهمة فيها، بحسب طبيعة أشعاره التي نزعت نحو التأمل والصوفية، ومن جهة أخرى اتسمت بطابع وخصوصية استمدها من بيئة تدين للحيز الإفريقي بالشيء الكثير وقد جسد ذلك من خلال: ديوانه "أغاني إفريقيا" 1956 و"عاشق من إفريقيا"، 1964 وكذلك "اذكريني يا إفريقيا"، 1965 كما كتب مسرحية "أحزان إفريقيا" .
وهذه الخصيصة من سمات القوة عند الشاعر محمد الفيتوري، فهو شاعر لا يحفل كثيراً بالمنطق الذي يؤدلج الشاعر في أرض واحدة، ومنطقة أو بيئة واحدة، ذلك أن المسار الشعري بحسب ما يعتقد الفيتوري هو بالضرورة استلهام كوني، يدين للجغرافيا نعم، ولكنه لا يعترف بأي تقسيمات تحد من عمق التجربة واستشرافها لما هو أبعد، هو ذاته يجيب عن سؤال له علاقة بالبعد الإفريقي عنده فيقول "إن ذلك في تقديري أشبه بطائر متعدد الأجنحة، بمعنى أن الجانب الخاص بي كشاعر ضمن هذا السؤال وثيق الصلة، وفي الوقت نفسه بعيد عن الجانب الآخر الخاص بموقعي من الحركة الشعرية العربية المعاصرة، وباختصار أقول إن هناك أبعاداً إفريقية عدة كلها تنطلق وتصب فيما يسمى بالبعد الإفريقي، العمق الإفريقي، والتأثير الإفريقي، والمنبع الإفريقي، والفضل في ذلك لا يرد لي ولكن يرجع إلى الدماء العديدة التي تسربت إليّ من آباء عديدين وثيقي الصلة بأرضهم غرباء الآن عن هذا التاريخ والواقع الذي أعيشه" .
من المهم كثيراً، أن يكون ذلك واضحاً، ونحن نبحث عن شخصية الشاعر من خلال ما كتب، وما كتبه الفيتوري يدلل بلا أدنى شك، أنه شاعر مهموم بكونه يستقي من الثقافات والحضارات وأساطير الشعوب ضمن مبدأ التثاقف الذي يصله مع العالم، هو يؤكد على فكرة التواصل التاريخي، الحضاري والواقعي ما بين الحركات الثقافية العربية في مختلف بقاع الوطن العربي، بغض النظر عن النظم السياسية، وهو لا يعترف بأي حواجز وهمية، ولا فكرية، يمكن أن تعطل مشروعه الثقافي من خلال الشعر، وقد تأسست هذه التجربة على معايشة حقيقية للفيتوري في مصر حيث عمل في جامعة الدول العربية، كما عمل في الصحافة المصرية تحت رئاسة محمد حسنين هيكل، وكامل الشناوي، وأبو الخير نجيب، كما عمل في الصحافة السودانية رئيس تحرير لعدد من الصحف مثل صحيفة "التلغراف" و"هنا أم درمان"، و"حزب الأمة" .
الاستفاضة في استقراء تجربة الفيتوري، تدلنا على كثير من المفاهيم والقناعات التي لا بد من ذكرها ونحن نتذكر شاعراً كبيراً وملهماً، فقد ألقى قصيدة في رحيل الشاعر الأديب والمفكر العظيم كما يصفه د . عبدالله الطيب في العاصمة الخرطوم خلال منحه وسام الدولة السودانية، كما أقر بأنه يتابع الحركة الشعرية والثقافية في السودان بذات القدر من اهتمامه بضرورات أن تكون الحرية والوطنية والعدالة والديمقراطية مسلمات متحققة للفرد العربي حيثما كان . ليس ذلك فحسب فقد كان الفيتوري شاعراً متواضعاً يعترف بدور غيره من الشعراء في مسيرة التجربة السودانية، حيث سبق وأجاب عن سؤال يتعلق بكونه قد اختصر الشعر السوداني دون غيره من الشعراء، فقال "كان هناك قبلي في السودان شاعر كبير يجب أن يذكر الآن وهو "التيجاني يوسف بشير"، صدر ديوانه الأول "إشراقة" بعد وفاته، وكان لهذا الشاعر علاقة وثيقة بالثقافة المصرية، وكان أحد الشعراء الثلاثة الموهوبين في ثلاثينات القرن العشرين وهم رواد الشعر العربي الحديث في رأيي، الذين كان توجههم إنسانياً رومانسياً وهم بجانب التيجاني أبو القاسم الشابي التونسي، والمصري محمد عبد المعطي الهمشري، وهم الذين مهدوا الطريق أمامنا وعرفنا من خلالهم أن للشعر قضايا، وهم الذين كانوا نواة لمدرستي "الديوان" و"أبوللو" اللتين كانتا خلاصة لمدارس عربية أخرى نشأت في الغرب، وهي "مدرسة شعراء المهجر" الذين تعرفوا إلى المجتمع الغربي وغيروا الشكل في القصيدة، ولقد تأثرت شخصياً بأحدهم وهو الشاعر ميخائيل نعيمة" .
في السياق ذاته يعترف الفيتوري بشعراء آخرين جاؤوا من بعده ويذكر عدداً منهم: محيي الدين فارس، الراحل صلاح أحمد إبراهيم، صديق المجتبي، روضة الحاج، هاجر سليمان، عبد القادر الكتيابي، وخالد فتح الرحمن .
الفيتوري كان يرى الشعر شعراً بصرف النظر عن شكله، "سواء كان نثراً يخلو من التفاعيل والأوزان ولكنه يحمل جوهر الشعر، هنا يتحول من النثر إلى الشعر، فالروح الشعرية هي التي تحدد قيمة القصيدة، فهل يمكن أن نقول إن ناظم حكمت الشاعر التركي الذي ترجمت أشعاره نثراً، ليس شاعراً؟
ليست المسألة شكلية، فالإيقاع يجب أن يكون في رؤى الكلمات وليس فقط إيقاعاً خارجياً وبحوراً وتفاعيل" .
يبقى الفيتوري شاعراً كبيراً، انطلق من السودان التي أتاحت له فرصة التعرف إلى شعوب وثقافات، كما مهدت له فرصة الالتقاء بشعراء كثر في الأراضي التي عاش فيها بعد السودان في مصر وليبيا والمغرب وغيرها، "أنا دائماً أشعر بالانتماء إلى كل أرض عربية أعيش عليها"، بل إن انتماء الفيتوري العروبي والقومي واضح في كثير من قصائده كما يؤكد أكثر من ناقد ومنهم د .صلاح الفضل الذي قال "تراث الفيتوري جزء أساسي في الشعرية العربية" .
اشتمل منجزه الشعري والأدبي على كثير من الإصدارات: 4 مسرحيات منها اثنتان مكتوبتان نثراً هما: "يوسف بن تاشفين"، و"الشاعر واللعبة"، ومن مسرحياته الشعرية "ثورة عمر المختار"، إضافة إلى 12 ديوان شعر نشرت في ثلاث مجموعات شعرية، إضافة إلى "سقوط دبشليم" وهي قصيدة طويلة مؤلفة من 30 مقطعاً، و"البطل والثورة والمشنقة" و"ابتسمي حتى تمر الخيل" و"أقوال شاهد إثبات" و"معزوفة لدرويش متجول" و"يأتي العاشقون إليك" و"قوس الليل قوس النهار" . وحصل الفيتوري على عدد من الأوسمة والجوائز من ليبيا والعراق، كما حصل على الوسام الذهبي للعلوم والآداب من السودان، وجائزة كفافيس للشعر العربي .


"بعض الناس"

(النار تطبع وجهها القزحي
في موج الستائر والقباب البيض
هل تصغي إلى اللغة التي نطقت بها الثيران
أية لعنة تجتاح هذا الجيل
لن يصغي الرماد لغير فأس الريح
سر عذاب هذا الجيل في أكفان جلاديه
كيف نسيت أنك شاعر والقوم موتى
ومضيت تنحت تلكم الأوثان
في شفتيك نحتا
وكأن من شربوا دما
وتقيأوه دما ومقتا
ينسون أنك أنت بعض الناس
والطغيان أعلى منك صوتا
يا لافتضاح السر
كيف نسيت أن المخطئين من الرجال
هم الرجال المخطئون
الجالسون على حطام عروشهم
وأنا وأنت) .