الشارقة - عثمان حسن:
في التعريف الاصطلاحي لفن الأرابيسك، يرد أنه فرع من فروع الزخرفة النباتية على وجه الخصوص، وقبل الحديث عن الأرابيسك، من المهم إلقاء الضوء على فن الزخرفة الذي من معانيه: التزويق والتوريق والنقش والتزيين وغيرها الكثير.
وقد اهتم الفنان العربي المسلم بفن الزخرفة على نحو غير مسبوق، وكانت فلسفته في هذا الإطار تنبع من قناعته بتميز هذا الفن، وقدرته على إدخال البهجة إلى النفس، وإضفاء مسحة من الجمال على التفاصيل المعمارية المراد استهدافها من خلال الفن الزخرفي.
كان الفنان المسلم واضحاً في خياراته الفنية من خلال فن الزخرفة، هو ذهب مباشرة إلى الطبيعة، وراح يستلهم مناظرها، ويستفيد من موجوداتها من شجر وأخشاب وأوراق مواد متنوعة، سبيلاً إلى تلبية طموحه في استنباط معاني الجمال وتجسيدها في واقع حياته المعيشة في المنازل والمساجد والقصور والتكايا وخلافها.
بهذا المعنى، انتمى الأرابيسك، بوصفه فرعاً من فروع فن الزخرفة الإسلامية، إلى الزخرفة النباتية، والزخرفة النباتية كما هي في الطبيعة، هي شكل تجريدي، ويوحي بالرمز، لما يمتاز به هذا الشكل من تكرار وتنوع وتقابل وتناظر، ومسحة هندسية قابلة للتشكل والتزويق وإضفاء لمسة جمالية على الأشكال والمواد المراد تزويقها أو زخرفتها.
الأرابيسك إذاً، ولكونه فناً زخرفياً، هو واحد من الفنون التي امتازت بها الحضارة العربية الإسلامية، وتعود أصوله إلى أكثر من ألف عام، وقد اشتهرت مصر وبلاد الشام على وجه الخصوص بهذا الفن، حتى أن العاملين أو الحرفيين في هذه المنطقة الجغرافية.
استلزم فن الأرابيسك مجموعة من الشروط والمعايير التي لا يمكن تجاوزها، ومن ذلك اجتماع الموهبة والخبرة معاً، فالموهبة وحدها لا تكفي، ويستند إلى مجموعة من الضوابط والقواعد، واقتصر على تلك الخطوط والرسوم التي تستلهم أشكال الحيوانات والنباتات المختلفة، كما امتاز حرفيو هذا الفن بقدرتهم على إنجاز أعمال غير مسبوقة، وتتسم بالبراعة في التنفيذ، كما أن هندسة فن الأرابيسك بالنسبة للفنان المسلم، كانت نوعاً من الميزة التي تمنح لنخبة الفنانين، الذين كانوا يراعون في فنونهم كل ما يتوفر عليه الفن الزخرفي من أبعاد وقياسات وألوان ودقة في ربط الأشكال وتحديد مواقعها على السطح المراد تنفيذه من خلال فن الأرابيسك.
القاعدة الهندسية التي كان يتبعها فنان الأرابيسك راعت جملة من العناصر على رأسها تكوين الوحدة الزخرفية النباتية كالورقة أو الزهرة، وكان الفنان يجردها من شكلها الطبيعي حتى لا تعطى إحساساً بالذبول والفناء، ويحورها في أشكال هندسية حتى تعطي الشعور بالدوام والبقاء والخلود، كل ذلك أضاف إلى جماليات الزخرفة، التي كانت تراعي في الأرابيسك: قابلية التكرار والدمج بين الخطوط، وقد ترافق فن الأرابيسك بفنون أخرى كالحفر والزخرفة والخط والرسم والتعشيق والنقش والتطعيم بالذهب والفضة والنحاس والصدف.