إعداد: محمد إسماعيل زاهر

يقول الزركلي في كتابه «الأعلام» في ترجمته لداوود الأنطاكي: «عالم بالطب والأدب، كان ضريراً انتهت إليه رئاسة الأطباء في زمانه، ولد في أنطاكية، وحفظ القرآن وقرأ المنطق، والرياضيات، وشيئاً من الطبيعيات، ودرس اللغة اليونانية فأحكمها، وهاجر إلى القاهرة فأقام عدة أشهر بها، ورحل إلى مكة فأقام سنة توفي في آخرها، كان قوي البديهة يُسأل عن الشيء من الفنون، فيملي على السائل الكراسة والكراستين». ولد داود الأنطاكي ضريراً وكسيحاً في قرية الفوعة في أنطاكية في عام 1534م، وتوفي في عام 1592م، شفي من كساحه في ما بعد، لكنه ظل نموذجاً يُضاف إلى الكثير من النماذج الأخرى التي فقدت البصر، لكنها من خلال الإرادة والصبر والدأب أخذت بيد المبصرين إلى آفاق المعرفة المفتوحة.

نبغ الأنطاكي أساساً في الطب والصيدلة، عاش في أنطاكية معظم سنوات عمره، ولكنه ارتحل إلى القاهرة، ونال شهرة عظيمة في مصر، ووصل إلى منصب رئيس العشابين «الصيادلة»، واشتغل في البيمارستان المنصوري، وعالج الفقراء في أحياء القاهرة المختلفة، وأمضى عدة سنوات في بيزنطة في بلاد الروم، تعلم خلالها اليونانية واللاتينية، وعكف على قراءة كتب أبقراط وديسقوريدس وجالينوس وابن سينا والرازي، وتخصص في الطب العلاجي، وتميز بالمهارة في تحضير الوصفات والأدوية المركبة.يقف خلف الأنطاكي تاريخ طويل من اهتمام العرب بعلوم النبات، والذي ازدهر في مطلع العصر العباسي، حين ترجم العلماء مؤلفات اليونان الخاصة بعلم النبات، وفي عام 337ه/‏948م أهدى ملك القسطنطينية إلى الخليفة الناصر بالأندلس مؤلف «ديسقوريوس» باليونانية، ولم يكن في الأندلس من يجيد هذه اللغة، فطلب الخليفة الناصر من الإمبراطور أن يرسل إليه مترجماً ماهراً في اللغتين اليونانية واللاتينية، فاستجاب لطلبه وأوفد الراهب «نيقولا» في أواخر القرن العاشر الميلادي، ومع مطلع القرن الحادي عشر ألف الطبيب الأندلسي «ابن جلجل» كتاباً ضمّنه المعلومات التي أغفلها «ديسقوريدس».

استند العرب في دراساتهم لعلم النبات إلى دقة الملاحظة والمعاينة واستمرار المتابعة، ومن خلال المنهج التجريبي تمكن العلماء العرب من دراسة الكثير من النباتات الطبيعية التي لم تسبق دراستها، وأدخلوها في العقاقير الطبية واستولدوا نباتات لم تكن معروفة كالورد الأسود، وتمكنوا من أن يكسبوا بعض النباتات خصائص العقاقير في أثرها الطبي، وفي عصر المقتدر بالله نقل العرب «الأترج» المدور من الهند وزرعوه في عُمان ثم نقلوه إلى البصرة والعراق والشام.
يحفل سجل علم النبات بعشرات أسماء العلماء العرب الذين دونوا في مؤلفاتهم النباتات والأعشاب، وبينهم أبوعبيدة البصري والأصمعي، وأبوزيد الأنصاري، وابن الأعرابي الكوفي، وابن السكيت، وتألق بشكل خاص أبوحنيفة الدينوري، ت282ه/‏895م، وهو أول من ألف بالعربية في علم النبات، وأبوجعفر الغافقي الأندلسي (ت 561ه/‏1165م) وأبومحمد بن البيطار المالقي (ت 646ه/‏1248م) أبرز علماء النبات العرب ومؤلف كتاب «الجامع في الأدوية المفردة» الذي يعد أفضل الكتب في فن المداواة بالأعشاب والأغذية، وأبوبكر أحمد بن وحشية، أول من كتب من العرب عن الزراعة في كتابه «الفلاحة النبطية»، وجاء الأنطاكي ليرث كل ذلك ويضيف إليه.
يقول حكمت نجيب عبدالرحمن في كتاب «تاريخ العلوم عند العرب» عن الأنطاكي: (أقام العلامة الطبيب الضرير داود بن عمر الأنطاكي بمصر، وكانت له هناك حجرة في المدرسة الظاهرية لغرض اجتماعه بالناس ومداواة المرضى منهم. وله عدد كبير من المؤلفات، صنفها بعد نزوحه إلى مصر، وقد تجاوز عددها ستة وعشرين مؤلفًا أغلبها في الطب منها: تذكرة الألباب، والجامع العجب، وكتاب البهجة، والدرة المنتخبة فيما صح من الأدوية المجربة، وفي هذين الكتابين عدد كبير من أسماء النباتات ومصادرها وقواها وأهميتها في علاج الأمراض. ولقد كان متفانيًا في سبيل طلب العلم، يسترخص كل شيء في سبيله، بل إن المؤرخين يذكرون عنه أنه كان يضحي بما عنده من إمكانات واسعة في سبيل طلب العلم. ويُروى عنه أن طبيباً مشهوراً قد نصحه بتعلم اللغة الإغريقية (اليونانية) من أجل الاتصال بأصول العلم، فما كان منه إلّا أن بادر فوراً، فبذل جهده في هذا الاتجاه حتى أتقن الإغريقية قراءة وفهمًا، ثم إنه كان رحّالة في طلب العلم، كما أنه كان مدرّسًا لم يضنّ على طلابه بنتاج تحصيله، وكان مثلاً للصالحين من العلماء المسلمين، إنساني النزعة لا يعرف التعصب، بل كان ذا أفق واسع في التعامل مع الآخرين؛ سواء كانوا طلاب علم وحكمة، أم كانوا من المرضى الذين ينشدون ثمار خبرته في مجالات الطب للبرء من سقمهم وآلامهم، وهكذا كان يستقبل الجميع، ويقدم لهم ما أفاء الله به عليه من العلم النافع والطب الناجع.
لقد كان، رغم علته ومصابه بفقد البصر، لا يسأم استقبال المرضى بترحاب، كما كان لا يمنع علمه عن أحد، ولذلك عرفته الديار الشامية والحجازية والمصرية مدرساً كما عرفته طبيبًا، وكان في الوقت نفسه، ملتمساً الزيادة في المعرفة، فحيثما التقى بمن هو فطنة العلم جالسه مجالسة الطالب لمعلمه، كان هذا دأبه في الأمصار التي نزل بها وفي كل الأحوال».
يعتبر «تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب» أهم كتب الأنطاكي، والذي عُرف دائماً باسمه المختصر «تذكرة داود»، ويقع في 700 صفحة من القطع الكبير، ويضم أحاديث عن أكثر من 3000 من النباتات والأعشاب المفيدة في صناعة الأدوية، وللكتاب عشرات النسخ الخطية في مكتبات العالم، منها 27 في الخزانة العامة في المغرب، و16 نسخة في مكتبة إسطنبول، و4 نسخ في الهند.. إلخ، وتُرجم إلى عدة لغات عالمية، وظل مرجعاً للتداوي من الأمراض لقرون عدة في مدارس ومعاهد وكليات الطب في أوروبا والعالم الإسلامي.
ويتناول الأنطاكي في الباب الأول من «تذكرته» كليات علم تركيب الأدوية، وفي الباب الثاني يتحدث عن طرائق صناعة الدواء من الأعشاب، وفي الثالث رصد المفردات والمركبات من الأدوية، وما يتعلق بها من اسم وماهية ومرتبة ونفع وضرر، وتتبع في الباب الرابع الأمراض وما يخصها من العلاج، وجعل الخاتمة لسرد الغرائب والعجائب واللطائف.
وتميز الأنطاكي في هذا الكتاب بالتبويب المنطقي ما يعكس الروح المنهجية المهيمنة على المؤلف، ويورد في أمانة علمية لافتة عشرات المصادر التي اعتمد عليها، مستعرضاً تاريخ الكتابة في الأدوية المفردة والمركبة، وموجهاً النقد لبعض المؤلفين، موضحاً بعض مثالبهم وجوانب النقص في كتاباتهم.

أدوات منهجية

وصل داود إلى رئاسة الطب في البيمارستان المنصوري في القاهرة في سنوات قليلة، وأُطلق عليه أبقراط العرب الذي ملأ زمانه وشغل الناس بحكمته، يقول عنه المؤرخ عبدالحليم منتصر: «كان داود أميناً في التعامل مع مؤلفات وكتابات السابقين، وقد اختط لنفسه خطة في البحث، قال إنها تتكون من عشرة قوانين، فكان يذكر أسماء النباتات والأعشاب بالألسن المختلفة، ثم يعرف بها، ويوضح الحسن من الرديء منها، ويبين منافعها أو أضرارها على سائر أعضاء البدن، فضلاً عن أن داود تعرض في كتابه لتأثير النباتات المختلفة على الحيوان، وخرج بقواعد أساسية في صناعة الدواء وطريقة العلاج، كما أورد وصفات عامة وعشرات من الأكحال والأدهان والتراكيب المختلفة».

تميز الأنطاكي كذلك بمبادئه الخاصة في طرائق العلاج، حيث آمن بضرورة وضع المريض تحت الملاحظة المباشرة لفترات زمنية تختلف باختلاف المرض، مع الأخذ بحكمة أبقراط في العلاج، والتي اعتمدت على ضرورة مداواة كل مريض بنباتات وأعشاب بلده، وكتب الأنطاكي العديد من المؤلفات الأخرى، من أبرزها: «استقصاء العلل وشافي الأمراض والعلل»،«أرجوزة شعرية طويلة في الطب»، «رسالة صغيرة في الحمام»، «تزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق».

ويبدو من كتب الأنطاكي أنه كان مغرماً بالأدب والشعر، ويذهب البعض إلى أن كتابه «تزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق» كتاب في الطب النفسي إلّا أن قراءة عناوين فصول الكتاب أو حتى مراجعة سريعة لموضوعاته، وبعض فقراته تؤكد أننا أمام أديب يكتب في الحب، يرصد أحوال العشاق: قصصهم ونوادرهم وأشعارهم، بل يمتد به الخيال ليحلل أحوال الحب عند مختلف الحيوانات وسلوكياتها في الحب.

يقسم الأنطاكي الحب إلى ذلك المعروف، والذي تحدث عنه الشعراء، ويعني به العلاقة بين الرجل والمرأة، وحباً آخر وهو حب الله عز وجل، يقول: «قسمت المحبة قسمين أشرفها الحب في الله، لأنه لا يفنى صاحبها ولا يفضلها شيء في الحقيقة، إذ ما سواه وهم».