عادي

«بابا» في الجنة.. رسائل خاصة من «أشبال البطولة» للوطن

03:38 صباحا
قراءة 18 دقيقة
أجرى اللقاءات: أمين الجمال

صمت ينسج خيوطه فوق جدران منازلهم.. صمت متوج بالجلال.. ولم لا؟ إنها رياض البطولة وبيوت الشهداء، تعكس قسماتها للناظر عظمة الموت، وسمو الهدف الذي قضى شهداؤها من أجله، فتتمكن من النفس مشاعر الهيبة والرهبة في آنٍ، هيبة من أوجه منازل تتحدث في صمت عن سير أبطال "صدقوا ما عاهدوا الله عليه" ثم القيادة، فقضوا نحبهم في سبيل الدفاع عن مقدرات الوطن ومكتسباته، ورهبةٌ من لقاء أسرٍ تذرف قلوبهم الدموع لهيباً على فقد فلذة الكبد أو رب الأسرة أو الأب الحنون أو الأخ الشقيق الصديق أو الزوج الرحيم.
انطلقت «الخليج» في رحلة مكوكية، على مستوى إمارات الدولة، من «غيلان» و«الظيت الجنوبي» و«دقداقة» في رأس الخيمة إلى «كلباء» و«الرفاعة» في الشارقة، ثم الفجيرة، ثم مصفوت في عجمان، ثم أم القيوين، و«الشامخة» في أبوظبي، لتنتهي عند «اليحر» في العين، للقاء أبناء الشهداء، والوقوف على مشاعرهم تجاه بسالة الآباء، وتطلعاتهم نحو مستقبل يرسمونه بميراث البطولة الذي خلّفه لهم صقور وأسود الإمارات الذين أكدوا بتضحياتهم أن تراب الوطن عزيز وغالٍ، تهون دونه الأنفُس التي بين الضلوع.
لم يكن طول الرحلة وعرضها يثبط من العزم على إتمام المهمة، قدر ما أثاره التفكير من تخوف حدوث مفاجآت كالإعراض عن التحدث إلينا أو التعاطي معنا أو رفض اللقاء برمته، فكيف لنا أن نطرق أبواباً مكلومة لنسألهم عن «جروح» مازالت حرارتها تحرق الأكباد ألماً، وعن ماضٍ، ذكرياته تثير في الأعماق أشجاناً؟!
ولم يكن ذلك التوقع بمنأى عن الواقع، فقد رفضت أسر عدة أن نتحدث إلى أولاد شهدائها، لأنهم يحاولون محو إحساسهم بالحزن على الوالد الشهيد، ويعملون جاهدين على مداواة آلامهم وتضميد جروحهم، فيما وجدنا خلف أبواب بيوت أخرى أشبالاً في عمر الزهور تزأر بحب الوطن، وتدرك على الرغم من حداثة سنها، أن العدو غاشم، وأن حماية الوطن والثأر له ولشهدائه الأبرار هدف يسعون إلى تحقيقه في قابل أيامهم.. أشبالاً عزّت الدموع في محاجر مُقلهم عن السقوط، في موقف الشموخ، فلا تُمسك عن الدمع فحسب، بل تلمع بالبِشر والرجاء أن يتقبل الله أبطال الوطن شهداء أبراراً.
لقد ترجمت كلمات أبناء الشهداء فخرهم بآبائهم، وألسنة حالهم تردد: «ليا الشرف، والدي الشهيد اللي أفتخر بإنجازاته.. وعلشان آمنا بالقدر وبالشهادة، قولنا العمل لأجل الوطن أفضل عبادة..»، ورددوا في حب وتباهٍ: «آباؤنا شهداء في الجنة.. والدنا صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد.. وطننا عزيز.. الحوثيون وعفاش أعداؤنا»، ورددت حالهم بشعور واحد وطموح واحد:
أنا ابن الشهيد عزتي بكم...
وهذا «بوخالد» والدي العَلمُ
بدأت الرحلة من الرفاعة مقابل مطار الشارقة، حيث يتوسط منزل الشهيد جمال ماجد المهيري بيوت المواطنين، ويطل على شارع أطلق عليه اسم الشهيد، بتوجيه من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
هدوء يسيطر على المكان والمنزل، يفجر في النفس كوامن العديد من المشاعر المختلطة، بين رهبة وهيبة وتطلع للقاء وحماس للحوار وخوف من الرفض والإعراض..
طفل صغير «زايد»، حسب أفضل التقديرات لا يتجاوز السابعة من عمره، يستقبلنا على باب البيت، ويقودنا إلى الداخل، فيما جلست الأم وإلى جوارها بِكرُها ماجد الذي يحاول أن ينفض عن نفسه رداء الصبا، ليلج إلى عمر الشباب، وابنتها مها في الثانية عشرة.. الموقف يُفقد الصحفي كل أدواته، ويجمد بداخله فيض أسئلته.. هذا الشعور سيطر علينا للحظات، وحاولنا الإفلات منه بسؤال تقليدي للزوجة:
* «الخليج»: بداية نود التعرف إلى رتبة الشهيد بالقوات المسلحة.
- الزوجة: كان برتبة مقدم أركان حرب.
* «الخليج»: وكيف كانت العلاقة بين الشهيد وأولاده؟
- الزوجة: الشهيد جمال كان مرتبطاً بشكل كبير بأولاده، حيث كان يتصل بهم خلال «دوامه» بأبوظبي عدة مرات في اليوم الواحد، وعندما يعود إلى البيت في إجازته الأسبوعية، كنا نصطف جميعاً صفاً واحداً لنسلم عليه، وكانت أكثر اللحظات إيلاماً له عندما يلج إلى البيت ويجدنا في استقباله، إلا واحداً منا، تراخى عن مقابلته.
وكان يفضل دائماً أن يقضي كل وقت إجازته مع أبنائه، فلا يخرج مع أصدقائه، كما أنه فضَّل ألا أعمل في وظيفة لكي أتابع الأولاد في البيت والمدرسة.
وقبل أن يسافر إلى اليمن أوصاني بالأولاد، وطلب مني ألا أغضبهم، وكان يتمنى أن ينهي ابننا ماجد، دراسته الثانوية ويلتحق بالكلية الجوية ليصبح طياراً في القوات المسلحة، ولم يكن ينازعه في حب أولاده شيء سوى عشقه لعمله في القوات المسلحة.
ولشدة ارتباطه بأولاده، طلب مني في اتصال هاتفي من اليمن، أن أخبرهم بأن يراسلوه عبر «الواتس أب»، إذا أرادوا شيئاً، وألا يتصلوا به هاتفياً، مضيفاً: «لا أستطيع سماع أصواتهم وأنا بعيد عنهم».
الاتصال الأخير
* «الخليج»: ماذا قال لك في آخر اتصال هاتفيٍّ جرى بينكما؟
- الزوجة: كنا قبل سفره إلى اليمن قد حجزنا للسفر لأداء فريضة الحج منذ شهر يونيو/‏حزيران الماضي، وأخذنا التطعيمات اللازمة، وجهزنا أمتعتنا، وقال: سأسافر إلى اليمن أسبوعين، ثم أعود لكي نذهب لأداء الحج، لكنه اتصل بي يوم الأربعاء قبل استشهاده، وطلب مني أن أذهب لإلغاء الحجز من حملة الحجز التي كنا سنسافر معها، وأضاف: لن أعود «مالي عوده»، وذهبت يوم الخميس وألغيت الحجز للسفر، وفي اليوم التالي جاءنا نبأ استشهاده.
حركت إجابات الزوجة عن أسئلتنا قوة دافعة، وأعطتنا دفعة قوية للتحدث إلى أولاد الشهيد، فلربما أثار كلام أمهم لديهم الفضول للحديث عن ذكرياتهم مع أبيهم.
ماجد ابن الخامسة عشرة، في الصف الحادي عشر، يصف علاقته بوالده بأنها: علاقة لم تكن تقف عند حدود الأب بابنه، بل كانت علاقة أخوة وصداقة، يستشيرني في بعض الأمور، ويعتمد عليّ في أمور أخرى، وجرت بيننا أحاديث مطولة عبر «الواتس أب»، وهو باليمن، ولكن للأسف تم مسحها.
* «الخليج»: فيم تطمح أن تكون مستقبلاً؟
- ماجد: أريد أن أكون طياراً في القوات المسلحة.
إدراك عميق بالمسؤولية
* «الخليج»: لماذا هذه المهنة؟
- ماجد: لكي آخذ بحق أبي وحق بلادي من أعداء الوطن، وهذا هو «طارنا»، وسأعمل في خدمة وطني بشكل يدعم تقدمه وحفظ أمنه، فهذا جزء من أخذ «الطار» الذي لا يكون فقط بالحرب، بل أيضاً بالعمل والتطور والتنمية.
إجابات ماجد انسلت من تحت صمتٍ مُطبقٍ، بث في نفوسنا شعور باليأس أن نحصل منه على معلومة واحدة، لكن تلك الإجابات جاءت بنبرة شابة شجاعة، توحي بإدراك عميق بالمسؤولية الملقاة على عاتق صاحبها.
فيما زايد ابن الثامنة من العمر، فرأيناه متحفزاً، تسبق إجاباته أسئلتنا، حيث ذكر أنه كان يلعب مع والده الشهيد كثيراً، مضيفاً: كان «بابا» دائماً يقول لي «الله ثم الوطن ثم رئيس الدولة».
* «الخليج»: وبم كنت ترد عليه؟
- زايد: كنت أردد خلفه وأقدم له التحية العسكرية.
* «الخليج»: ما أهم هدية اشتراها لك والدك؟
- زايد: اشترى لي «بلاي ستيشن» بعد أن نجحت في الصف الثالث.
* «الخليج»: ماذا طلب منك أبوك أن تكون في المستقبل؟
- زايد: «بابا قال لي أصير مهندساً».
* «الخليج»: أنت تعلم أن أباك بطل؟
- زايد: نعم، وأنا سعيد بأن «بابا» بطل وشهيد.
إلى جوار ماجد وزايد جلست مها الأخت الصغرى ذات الإثني عشر ربيعاً، تنصت باهتمام لما يدور حولها من حديث، وعندما توجهنا لها بالسؤال كانت أكثر حضوراً، وأشد وعياً وإدراكاً لما حدث.
ذكريات مع الشهيد
* «الخليج»: ما أبرز المواقف التي تتذكرينها لك مع والدك الشهيد؟
- مها: من المواقف التي أتذكرها مع «بابا» أنه كلما عاد من عمله إلى البيت، كنت أقف خلف الباب، وعند دخوله أخرج له فجأة لكي «أخضه»، فنظل نضحك على هذا الموقف، وكنت ألعب معه دائماً، وكثيراً ما قال عني: «هذه ابنتي الدلوعة، وأي شيء تحتاجه فأنا أشتريه لها».
كان يحب أن أكون طبيبة، وقد أحببت ذلك كثيراً منذ صغري، لدرجة أنني طلبت منه أن يشتري لي ملابس الأطباء، وكنا نقضي وقتاً نلعب معاً، فيؤدي هو دور المريض، وأمثل أنا دور الطبيبة التي تعالجه.
* «الخليج»: ماذا عن شعورك بين زميلاتك بالمدرسة؟
- مها: حينما أكون بين زميلاتي في المدرسة فإنني أشعر بالفخر والاعتزاز بأن والدي استشهد، وأحب أن يذكروني بـ«بنت الشهيد».
* «الخليج»: هل تعرفين ما هي الشهادة؟
- مها: عندما أتى خبر وفاة أبي تحكم فينا الحزن وسيطر علينا بشكل كبير، ولكن عندما عرفنا منزلة الشهداء عند الله، وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، شعرنا بالراحة، لكن يبقى ألم الفراق.
* «الخليج»: هل تحدثت مع أبيك وهو باليمن؟
- مها: يوم الأربعاء في حوالي الساعة العاشرة ليلاً، قبل يوم من استشهاده، كتبت له رسالة على «الواتس أب»، وقلت له فيها: خذ حذرك.
* «الخليج»: بم أجاب عن رسالتك؟
- مها: لم يجب عنها، على الرغم من أنه قرأها.
* «الخليج»: ماذا كان يقدم لك عندما تنجحين في الدراسة؟
- مها: عندما كنت أنجح كان يقول أي شيء تريدينه سوف أحضره لك، وأذكر أنه الوحيد الذي حرص دائماً على «عيد ميلادي»، فكان يوقظني من النوم يومها، ويغني لي، كما كان يشتري لي الهدية وكل مستلزمات الاحتفال.
* «الخليج»: من رأيت من الشيوخ يوم العزاء؟
- مها: زارنا عدد كبير من الشيوخ بعد استشهاد «بابا»، ولكننا في مجلسنا لم نر سوى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية.
* «الخليج»: هل التقطت لك صور معهما؟
- مها: التقطت لنا صورة مع الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد، وعندما أنظر إلى هذه الصورة أشعر بالفخر، كذلك فإنني شعرت عندما دخل علينا صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بأنه «أبونا»، وكأن أبي هو الذي دخل علينا.
* «الخليج»: من ترين قدوتك ومثلك الأعلى؟
- مها: صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، قدوتنا جميعاً، فسموه امتداد للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان، ويكمل مسيرته.
والدنا يدخل علينا
* «الخليج»: ما الرسالة التي تودين أن تقوليها الآن؟
- مها: أوجه رسالة إلى القيادة والشيوخ، وأقول لهم: أنتم فخرنا وزيارتكم بيتنا كانت دافعاً لنا، ومخففة من آلامنا وأحزاننا، فقد شعرت حين دخل علينا صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بأن والدنا يدخل علينا، وعندما كنت أنظر إليه كأني أرى أبي.
مهرة توأم ماجد، وزميلته في الصف ومقعد الدرس، لم نرها خلال حديثنا مع إخوتها، ولم تحضر للجلسة الحوارية من تلقاء نفسها، وربما لم تشأ أن تتكلم، فاستدعتها والدتها لتشاركنا الحديث..
أسدل الصمت على مهرة رداءه، فقلّت كلماتها في ردودها على أسئلتنا، وامتنعت عن الإجابة عن بعضها، ولم يبدد صمتها سوى سؤال عن مستقبلها الجامعي، حيث أجابت:
- مهرة: أحب أن أدرس الطب، وهذه كانت رغبة أبي.
* «الخليج»: ماذا تذكرين من مواقف مع أبيك؟
- مهرة: كان يذهب معي أنا وماجد إلى المدرسة، ويجلس بالصف ويقول لنا: «أنا معلمكم اليوم».
* «الخليج»: ما انعكاس زيارة القيادة لكم للعزاء؟
- مهرة: زيارتهم لنا ملأت نفسي بالفخر بأن «بابا» استشهد.
* «الخليج»: ماذا قال «بابا» لكم قبل سفره إلى اليمن؟
- مهرة: أوصانا على «ماما»، وقال: لا تعصوها، واسمعوا كلامها ولا تغضبوها.
* «الخليج»: هل تواصلت معه هاتفياً أو كتابياً قبل استشهاده؟
- مهرة: كتبت له على «الواتس أب»، يوم الخميس، وقلت له: بابا أحبك جداً.
فرد عليَّ بقوله: وأنا أيضاً، وفي اليوم التالي (الجمعة) كتبت له ولكنه لم يرد على رسائلي.
* «الخليج»: بم عاهدت والدك؟
- مهرة: عاهدته بأن أصبح دكتورة، وسأعمل على تحقيق هذه الأمنية.
في «غيلان» شهيد
انطلقت بنا السيارة لمواصلة الرحلة بين أفنان رياض الشهادة، ولم تكن قسوة التفكير في اللقاء التالي تتيح لنا فرصة الشعور بمتاعب طول المسافة التي تتخطى الـ250 كيلو متراً، بين مكتب «الخليج» في الشارقة، ومنطقة غيلان في حضن الجبل برأس الخيمة، حيث منزل الشهيد راشد محمد الخنبولي الشحي، الذي يعد أكبر الشهداء سناً (51 عاماً)، وكانت رتبته بالقوات المسلحة «وكيل أول».
استقبلنا شاب يافع، غلبنا الظن أنه أخو الشهيد، ثم تركنا في «المجلس» برهةً، ثم عاد برفقة طفلين وفتاتين، وبدأ يعرفنا بأولاد الشهيد، فأصغرهم سعيد (7 أعوام)، ويكبره شهاب (9 أعوام)، وبشاير (18 عاماً)، وموزة (20 عاماً)، ثم فاجأنا بأنه ابن الشهيد البكر، واسمه محمد وعمره 27 عاماً، ولهم من الأخوات ثلاث أخريات أصغرهن طفلتان لم تكملا عاميهما الثاني، والثالثة زوجة عمرها 25 عاماً، لم نرهن.
الأعمار الكبيرة لأبناء الشهيد راشد الخنبولي، شجعتنا كثيراً على الحديث، وسربت الطمأنينة إلى نفوسنا بأننا سنتلقى الإجابات الوافية عن أسئلتنا.
* «الخليج»: محمد.. أنت بكر أبيك، وبالتأكيد لديك ما تقوله عن علاقتك به.
- محمد: العلاقة بيني وبين والدي كانت صداقة وأخوة، فقد «كنت سره»، وبسبب عمله خارج رأس الخيمة، في أماكن مختلفة على مستوى الدولة، كان دائماً يعتمد عليّ في متابعة ورعاية والدتي وإخوتي، وكان يوصيني بهم.
* «الخليج»: كم قضى الشهيد في القوات المسلحة؟
- محمد: قضى بها أكثر من 32 عاماً، وحينما استشهد كان برتبة وكيل، ثم تمت ترقيته إلى وكيل أول.
آخر اتصال قبل الشهادة
* «الخليج»: هل تذكر ما دار بينكما من حديث في آخر اتصال قبل استشهاده؟
- محمد: آخر محادثة دارت بيني وبين أبي قبل استشهاده كانت يوم الخميس، حيث كنت أعتزم مرافقة أختي موزة إلى المستشفى لإجراء عملية في عينها، لكنها خافت من العملية، ورفضت الذهاب إلى المستشفى، فاتصلت به وأخبرته، فطلب مني أن أبلغها بأنه سوف يرافقها بنفسه إلى المستشفى بعد عودته من اليمن.
* «الخليج»: الوالد قدم أغلى ما يملك في سبيل الله ثم الوطن.
- محمد: الموت مكتوب على الجميع، هذه حقيقة لا مفر منها، ويأتي في أي وقت وفي أي مكان، ولكن الشهادة درجة عالية ومنزلة عظيمة تجعل من الموت فخراً، ومن ثم نحن فخورون بأن والدنا شهيد.
وعقبت موزة على كلام أخيها بالقول: والدي قال لي ليلة سفره، «أنا ذاهب إلى اليمن، وإذا استشهدت فستكونون جميعاً معي في الجنة».
فيما تذكر بشاير من مواقف بينها وبين أبيها: أحياناً كثيرةً كنت أسر إليه ببعض الأمور التي لا أحكيها إلى أحد غيره، حتى أمي لم تكن تعلم بها، وقد رأيت في المنام بعد استشهاده كأنني في مستشفى، وكأن أبي يجلس أمامي ينظر إليّ ويبتسم لي، لكنه لا يتكلم.
أما شهاب فقد توَّجه الاستحياء، وظل يتفحص الأرض بناظريه، ولم ينبس ببنت شفة، حتى إذا توجهنا إليه بالسؤال عن ارتباطه بوالده، أجابنا وهو على حالته تلك: كان والدي يأخذني معه في كل مكان، حيث كنت «صديقه الصغير».

* «الخليج»: بالتأكيد طلب منك أبوك أن تكون بوظيفة كبيرة في المستقبل.
- شهاب: لم يقل لي والدي عن رغبته في أن أكون يوماً ما شيئاً محدداً أو في وظيفة معينة.
* «الخليج»: وماذا تريد أن تكون؟
- شهاب (بحزم): طيار بالقوات المسلحة.
* «الخليج»: ولماذا طيار؟
- تبدلت حال شهاب، وإذا به يرفع رأسه، ويطالعنا بعينين ثابتتين، وحماس طفل في عمر الشباب والفتوة، فيجيب: حتى أذهب إلى اليمن وأنتقم لأبي ولوطني.
وبسؤال محمد عن زيارة أصحاب السمو الشيوخ لهم للتعزية، قال: زارنا أصحاب السمو شيوخنا، وفي مقدمتهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
* «الخليج»: هل دار بينكم حديث ما؟
محمد: صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد أوصاني بأهلي، وقال لي: أنت القدوة في البيت، وأنتم أمانة في عنقي.
وعندما جاءنا سموه وتحدث إلينا أحسسنا بأننا لم نفقد والدنا، فسموه والدنا وقدوتنا.
الانضمام إلى القوات المسلحة
* «الخليج»: بم تفكر في المستقبل؟
- محمد: أفكر جدياً في الانضمام إلى القوات المسلحة، فنحن رهن إشارة الوطن «نلبي النداء في أي وقت».
- شاركت بشاير في الحديث عن زيارة القيادة لهم: عندما زارنا أصحاب السمو الشيوخ شعرنا بالفخر، فكلهم يحملون من المشاعر الحزينة على فقد والدنا قَدْر ما نحمل نحن أبناؤه، ولذلك نشعر بأن الوطن افتقد مواطناً غالياً وعزيزاً على الجميع، قيادةً وشعباً، كما أن استشهاد والدنا يعطينا العزيمة للتطور والعمل ومواصلة المسيرة.
أما سعيد ابن السابعة من العمر فقال: أريد أن أكون شرطياً، فيما ذكر إخوته أنه بعد استشهاد والده يحضر صور «عاصفة الحزم» ويظل ينظر إليها لفترات طويلة.
«تعالوا إلى ذمة الله»
واصلنا رحلتنا، في الإمارة نفسها «رأس الخيمة»، لكن هذه المرة إلى بيت الشهيد علي حسن الشحي، بمنطقة الظيت الجنوبي، والذي روت زوجته عن بعض زملائه، أنه كان دائماً ما يحرص على الصلاة، ويحثهم عليها، ويؤم المصلين في المسجد حين يغيب الإمام، وأضافت: وصلتنا مكالمات من أصدقائه بأنه أمّ الجنود لصلاة الفجر، حيث كان يحث الجنود على أدائها دائماً، وقال لهم قبيل استشهاد، وبعد أن أدى الصلاة: «إننا شهداء بإذن الله، ومن صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله».
وتابعت زوجة الشهيد أنه قال لها قبل سفره إلى اليمن: أنتم ستذهبون إلى بيتنا الجديد، ولكني لن أكون معكم، فافرشوه بأفضل الأثاث.
ترك الشهيد علي حسن الشحي أربعة أولاد؛ هم ميثاء (11 سنة)، وحسن (8 سنوات)، وعبدالله (3 سنوات)، وشما (سنتان)، ودار الحديث مع ميثاء وحسن اللذين استهلا كلامهما بترديد دعاء لأبيهم هذا نصه:
«اللهم يا حيّ يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا رحيم يا رحمن، نسألك أن تغفر لـ«بابا» ولجميع المسلمين.. اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.. اللهم جازهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً.. اللهم ما قدموا للإسلام والمسلمين فاجعله في ميزان حسناتهم.. اللهم آمين يا رب العالمين».
بعد الانتهاء من الدعاء انكب حسن ممسكاً بقلم وورقة، وبدأ يكتب، فسألناه: ماذا تكتب؟
- حسن: الله يرحم «بابا».
* «الخليج»: ماذا قال لك أبوك قبل أن يسافر إلى اليمن؟
- حسن: قال لي: أنت رجل ولابد أن تطيع «ماما».
* «الخليج»: ماذا كان يريد أن تكون في المستقبل؟
- حسن: قال لي أحب أن تكون جندياً، وأنا أحب أن أكون كذلك لكي أصبح بطلاً.
* «الخليج»: هل تفخر بأن «بابا» شهيد؟
- حسن: نعم أفخر لأن «ماما» أخبرتني بأن مكانة الشهيد كبيرة عند الله.
أما ميثاء فقالت: أحب أن أكون معلمة لأن أبي كان دائماً يقول لي ذلك.
رسالة إلى الشهيد
وعندما رأت أخاها يكتب على الورقة، فإذا بها تسارع إلى قلمها وورقتها، وتكتب لأبيها رسالة مفعمة بمشاعر البنوة الصادقة لأب فاضت مشاعره نحو أبنائه وأهله ووطنه: من ابنتك ميثاء.. أحبك واشتقت إليك.
ثم رسمت شكل قلب، وتكتب بداخله: «غبت عني وعن أحبابك.. اشتقت لك».
* «الخليج»: ما الذي كان يفعله معكم «بابا»؟
- ميثاء: كان يحفظنا القرآن الكريم، وكان يضع علامة «صح» أمام السورة التي حفظناها، ويعلق عليه بالدعاء لنا.
* «الخليج»: هل كلمت «بابا» قبل الاستشهاد؟
ميثاء: آخر مرة كتب فيها «بابا» لـ«ماما» على «الواتس أب» فجر يوم الخميس، قبل دقائق من الأذان، وسألها عن حالنا، وعن كيف ذهبنا إلى البيت الجديد، فقالت له: بالتاكسي، فرد عليها: «أوكي بس اتحملي».
تلقي خبر الشهادة
* «الخليج»: ماذا فعلتم عندما علمتم بأن أباكم قد استشهد؟
- ميثاء: عندما جاءنا خبر استشهاد أبي كنا في «التاكسي»، متوجهين إلى البيت، وقد أخذنا في الصياح والبكاء الشديد، وعندما علمنا بأن مكانة الشهيد عند الله عظيمة فرحنا.
سألنا ميثاء عن صورة تجمعها وإخوتها مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، فقالت: أشعر بالسعادة لأني أجلس مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، فأنا أحبهما جداً، كما زارنا أيضاً صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة، وشيوخ آخرون.
«لابد أن تفتخر»
تحلقنا حول منضدة صغيرة في مجلس منفصل عن البيت مع أبناء الشهيد محمد الخاطري، في منطقة دقداقة برأس الخيمة، حيث جلس أبناؤه سعيد (الصف العاشر)، وسلامة (الصف الثامن)، وعائشة (الصف السادس)، وفاطمة (الصف الثالث)، نتجاذب معهم أطراف الحديث حول والدهم الشهيد، وبدأنا حوارنا مع بِكْره سعيد (14 عاماً)، الذي قال إن أباه كان يثق بقدراته في إنجاز العديد من الأمور، مضيفاً: كان أبي يرسلني لقضاء كثير من الأمور، وكان يعتمد عليَّ في إنجاز بعض الأمور والمهام، كما كان يستشيرني في البيع والشراء.
وقال: كلمته هاتفياً قبل استشهاده، وسألني عن إخوتي، وقال لي: إذا لم أرجع فأنت رجل البيت، فأجبته: إن شاء الله ترجع بسلامة وخير.
* «الخليج»: ما شعورك الآن وقد نال والدك الشهادة؟
- سعيد: أنا فخور جداً باستشهاد والدي، لأن الشهادة منزلة كبيرة عند الله تعالى، وكذلك فإنه كان يدافع عن الوطن، وهذا يسهم في عز البلاد ورفع شأنها، كما أن الشهيد يشفع لـ70 من أهله.
وكان أبي يريد أن أنتسب للدراسة في كلية زايد العسكرية بعد الانتهاء من الثانوية، وأحب أن أكون ضابطاً بالقوات المسلحة، لأن العمل بها شرف، وهي مصنع الرجال، واستشهاد والدي دافع قوي لي للانتساب إلى القوات المسلحة لأدافع عن الدولة، فالدفاع عنها واجب.
قبل سفر أبي إلى اليمن قال لي: إذا أنا ذهبت، ولم أرجع فلابد أن تفتخر ولا تظل حزيناً.
أما فاطمة (ابنة الثامنة)، فقالت: كل يوم كنت أكلم «بابا» على»الموبايل» وأقول له: متى ترجع؟، فيرد عليّ: إن شاء الله قريباً.
وتابعت: زميلاتي بالصف يقلن لي: «أبوك مات»، فأرد عليهن: «أبوي بطل وشهيد».
وقالت سلامة (ذات الإثني عشر ربيعاً): كان أبي في كل اتصالاته يوصيني بالاجتهاد في الدراسة، ويطلب مني أن أكون من الأوائل على المدرسة، وقال لنا قبل سفره: «إذا رجعت شهيداً ملفوفاً بالعلم، فلا تبكوا عليّ».
أما عائشة (ابنة العاشرة) فتعبر عن شعورها بالفخر بين زميلاتها في المدرسة بأن والدها شهيد، وتضيف: أريد أن أكون سفيرة.
في بيتنا شهيدان
في كلباء على بعد حوالي 200 كيلو متر من قلب الشارقة، وتحديداً في منطقة «طريف» يقف بيتا الشهيدين راشد وحامد محمد عباس البلوشي شامخين في تِيهٍ بما أجاد به الشهيدان من الغالي والنفيس في سبيل الدفاع عن الوطن والأهداف النبيلة ضد عدو غادر جبان.
الأمر يختلف كثيراً هنا، فحالة البِشر تعلو محيا الصغير والكبير، والتفاعل معنا كان أكثر إيجابيةً، إذ إن أولاد الشهيدين كانوا في حالة سباق للتجاوب معنا عبر ردودهم السريعة والبريئة في الوقت ذاته على أسئلتنا، فقد عبروا جميعاً عن فخرهم بوالديهم اللذين ضربا أروع الأمثلة في البطولة والبسالة وحب الوطن.
ترك الشهيد راشد محمد عباس البلوشي ابنين (موسى 12 سنة، وسلطان 10 سنوات)، وابنتين (ريم 13 سنة، وريان 5 سنوات)، فيما كان للشهيد حامد محمد عباس البلوشي ثلاثة أبناء (محمد 13 سنة، وعبدالله 9 سنوات، وزايد سنتان)، وابنتين (عائشة 8 سنوات، وشما 6 سنوات).
- موسى ابن الشهيد راشد يعرب عن طموحه أن يكون ضابطاً بالقوات المسلحة، وشاركه الرغبة نفسها أخوه سلطان.
وتابع موسى: نحن سعداء جداً بزيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، كما سعدت جداً بزيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وقد تحدث سموه إليّ وشجعني على الدراسة.
* «الخليج»: ماذا قال لك سموه؟
- موسى: قال لي «يوم تكبر بخليك تدرس بره».
* «الخليج»: وبم أجبت؟
- موسى: قلت له إن شاء الله.
فيما قال سلطان: أما أنا فقد قال لي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عندما كنت أصافحه: ماذا تحب من الحيوانات؟
قلت له: أحب الأسد.
* «الخليج»: كيف كنتم تقضون الوقت مع أبيكم؟
- كان أبونا يذهب معنا إلى الفورمولا في الفجيرة، وكان يلعب معنا، كذلك فقد اشترى لنا آي باد ودراجة وكمبيوتر.
أصحاب السمو شيوخنا وقدوتنا
لفت الانتباه أن محمد ابن الشهيد حامد وضع على كتفيه «كوفية» تحمل صور صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وقال محمد تعليقاً على ذلك: إنني أحب أصحاب السمو شيوخنا، فهم قدوتنا.
فيما عبر أخوه عبدالله عن رغبته الشديدة في الانتساب إلى القوات المسلحة في المستقبل، مؤكداً أن هذه الرغبة هي سبب الـ«كوفية» التي أحاط بها عنقه، والتي تشبه الزي العسكري.
وقال محمد: إنني أحفظ نشيداً سأقوله في احتفال المدرسة بيوم الشهيد.
* «الخليج»: هل لك أنت تقوله لنا؟
- محمد: أقول جزءاً منه:
في سبيل الإله سوف نبقى جنود
ونبيع الحياه في جنات الخلود
موطني موطني سيدي وقائدي نحن للوطن جنود
نجم ساطع ما غاب يوماً
سمعه أخوه عبدالله وابنا عمه الشهيد راشد، فأخذوا يرددون نشيداً آخر عن الشهيد:
ذكرك الفواح فينا ما حيينا في دمانا
أنت نجم ساطع ما غاب يوماً عن سمانا
قد بذلت النفس تشهد بالذي بعث الجنانا
حانت الدنيا وكانت درة كانت جمانا
فارتضيت اليوم عدلاً خالداً فيها مصانا
رددي إماراتي لحناً عن شهيد في ربانا
واذكري يوماً شهيداً راح كي يحمي حمانا
دثريه يا روابي توجيه الإقحوانا
وفي ختام لقائنا يكشف أحمد محمد عباس البلوشي شقيق الشهيدين عن حماسة الشهيد حامد للمشاركة في القوات الإماراتية باليمن، ورغبته الشديدة في الاستشهاد دفاعاً عن أرض الوطن شهيداً، حيث عبر راشد عن ذلك بقوله لصديقه: «أنا ذاهب إلى اليمن لأستشهد».
ثم توجه أحمد إلى زايد أصغر أبناء الشهيد حامد سناً، والذي لم يكمل عامه الثاني بعد، وسأله: «بابا» وين؟
زايد الذي لم تهدأ حركته ومزاحمته للجالسين طوال زمن اللقاء، يجيب عن سؤال عمه ببراءة ونقاء الطفولة: الجنة.
خليفة: أنا أداوم في حرس الرئاسة لكي أذهب إلى اليمن
في منطقة الشامخة بأبوظبي التي ارتدت ثوب الفخر بشهيدها محمد السيابي، كان لنا لقاء مع ابنيه، الذين أكدا أن العلاقة بين الشهيد وأولاده (ابنان و4 بنات) كانت فوق الصداقة.
وكان خليفة أصغر إخوته سناً، رفيق أبيه الشهيد وصديقه الصغير، وكان يصطحبه في كل مكان يذهب إليه، كما أنه لم يرفض يوماً طلباً لابنه أحمد، وهو ابنه البكر.
ومن المواقف التي تؤكد هذه العلاقة القوية بينهم، أن أحمد طلب من أبيه أن يذهب لأداء العمرة، فأعطاه ما يحتاج إليه من مال يكفيه في سفره، على الرغم من أن أحمد لم يتجاوز السابعة عشرة، إضافة إلى ذلك فقد أعد الشهيد لأولاده ملعباً داخل البيت، مجهز بكل الإمكانات اللازمة.
وقبل سفر الشهيد محمد السيابي الذي كان برتية رقيب أول، إلى اليمن قال لأحمد: أريد منك أن تتقبل النصح من أعمامك.
للشهيد ولدان هما أحمد (17 عاماً) وخليفة (9 سنوات) و4 بنات؛ هن ريم (14 سنة)، وشمسة (8 سنوات)، وسلمى (6 سنوات)، وعفراء (شهرين) والتي لم يرها الشهيد.
وذكر خليفة أنهم تشرفوا بحضور أصحاب السمو الشيوخ إلى بيتهم، وقد دار بينه وبين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حديثاً أبوياً، حيث قال خليفة لسموه: «أنا أداوم في حرس الرئاسة لكي أذهب إلى اليمن».. فرد عليه سموه، مشيراً بيده: أنت «أوكي».
«أشهد أني أبوج»
هنا البراءة تتكلم، والنقاء يعبر عن مكنونات مشاعره بلا تزييف.. إنها وديمة ابنة الشهيد حمود علي صالح العامري، بمنطقة اليحر الشمالي في مدينة العين، وديمة ذات الـ6 أعوام، تحمل من فيض مشاعر الحب والذكاء قدر ما يحمله اسمها من معنى «السحابة المحملة بالأمطار».. ألفاظ الاعتزاز بالقيادة تنهمر من فؤاد وديمة.
والدها الشهيد حمود علي صالح العامري الذي لقي ربه راضياً مرضياً، متأثراً بجراحه التي أصيب بها أثناء تأدية واجبه الوطني في دولة اليمن، ترك وراءه طفلين أكبرهما وديمة، والصغير محمد الذي لم يكمل عامه الثالث.
وحسب ما قالت وديمة فإنها كانت ترافق والدها في كل مكان يذهب إليه خلال إجازاته، كما أنها عبرت عن رغبتها في أن تصبح طبيبة أسنان، وأضافت: قلت هذا للفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"