عادي
6 أعوام على رحيل أول وزير للداخلية

مبارك بن محمد .. إحدى قواعد الاتحاد وركيزة الأمن الأولى

03:59 صباحا
قراءة 7 دقائق
إعداد: محمود محسن

«دام الأمان وعاش العلم يا إماراتنا»، كلمات يرددها أبناء دولة الإمارات في تحية العلم؛ ودوام الأمان غاية سعى إلى تحقيقها مؤسسو الدولة، وعلى رأسهم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وحققها بمساندة إخوانه حكام الإمارات بتوجيهاتهم وتضامنهم.
فعلى الصعيد الداخلي كان للشيخ زايد رحمه الله، سواعد عملت على تحقيق رؤيته في حفظ الأمن والأمان في الدولة، وتلك الرؤية ظلت مسؤوليتهم قبل قيام الاتحاد وحتى الإعلان عنه، ورغم حداثته، فإنهم بذلوا الغالي والنفيس لإرساء قواعد الأمن وسيادة القانون. مسؤولية يتحملها رجل عرف معنى حب الوطن وسلامة أراضيه، وأصر رغم كل الصعاب على تحقيق دوام الأمان.
هكذا كان المغفور له بإذن الله الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان رحمه الله، على مدى عشرين عاماً من العمل الشرطي، تولى خلالها مهام أول وزير داخلية لدولة الإمارات.
ستة أعوام على رحيل المغفور له، نذكره فيها عاماً بعد عام، ولن ينقطع ذكره من أذهان أبناء الإمارات.

نسب مبارك

الشيخ مبارك بن محمد، هو الابن الثاني للمغفور له، الشيخ محمد بن خليفة بن زايد الأول، أو زايد الكبير، ويكبره المرحوم الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان، ويليه كل من سمو الشيخ سيف بن محمد آل نهيان، وسمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان، وسمو الشيخ سرور بن محمد آل نهيان، والشيخ خليفة بن محمد آل نهيان، والشيخ سعيد بن محمد آل نهيان.
ويلتقي نسبه مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في الشيخ زايد الأول أو زايد الكبير، وهو خال صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، حيث إن الشيخة حصة بنت محمد آل نهيان هي والدة صاحب السمو رئيس الدولة.
وله من الأبناء ثلاثة هم المغفور له الشيخ أحمد بن مبارك، والشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة وتنمية المعرفة، والشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان.

بدايته الشرطية

بدأ الشيخ مبارك مشواره في المناصب الشرطية، بترؤسه دائرة الشرطة والأمن العام في أبوظبي عام 1961، شغل بعدها منصب رئيس دائرة الشرطة والأمن العام ودائرة الجنسية والجوازات العامة في 18 سبتمبر/ أيلول عام 1966، وكان برتبة عقيد، وبعد مرور عامين على منصبه، رقي إلى رتبة لواء في الحادي عشر من ديسمبر/ كانون الأول 1968.
وفي الأول من يوليو/ تموز 1971، تولى المغفور له اللواء الشيخ مبارك بن محمد، مهام وزير الداخلية في إمارة أبوظبي، وبناء على المرسوم الاتحادي رقم (43) لسنة 1973، بتشكيل مجلس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة، عُين الشيخ مبارك وزيراً للداخلية، وعُهدت إليه مسؤولية الشرطة في إمارة أبوظبي، وظل يشغل منصب وزير الداخلية حتى عام 1990، أكثر من عشرين عاماً من العمل المتواصل، أسهم خلالها في تطوير قطاع الشرطة في الدولة، ووضع الأسس والقواعد الراسخة له.

تطوير قطاع الشرطة

ترك الشيخ مبارك، رحمه الله، بصمة ملموسة في تطوير ودعم قطاع الشرطة في الدولة، إذ عمل على استحداث الكثير من أقسام مراكز الشرطة في مختلف أنحاء إمارة أبوظبي، فضلاً عن مراكز الشرطة الحدودية، ليس ذلك فحسب، بل عمد إلى سن عدد من القوانين والقرارات الوزارية المهمة، التي أسهمت في تنظيم أجهزة الشرطة والأمن العام وتطويرها، في إمارة أبوظبي خاصة، وفي دولة الإمارات عامة، كنظام وزارة الداخلية في إمارة أبوظبي رقم (8)، وقانون الشرطة والأمن العام رقم (1) لعام 1972.
كما أسس خلال فترة تدرجه في المجال الشرطي، كادراً مؤهلاً شهد له بقدرته على تحمل المسؤولية، وحفظ الأمن والانضباط في البلاد، بمختلف أقسام الشرطة ومراكزها، وأجهزة وزارة الداخلية كافة، فيما شكل اللجنة العامة لشؤون الشرطة في أبوظبي، واستقطب ونظم بعثات الأمن العربية للعمل في شرطة أبوظبي، وأسهم في ابتعاث الكثير من رجال الشرطة في دورات خارجية لتطوير مهاراتهم وقدراتهم المهنية. وحصد المغفور له ثمرة العمل المتواصل والدؤوب من خلال تخريج عدد من الدفعات والدورات لرجال الشرطة والأمن العام الأكفاء في دولة الإمارات.
تقديم مزايا جديدة لضباط وأفراد الشرطة وضعها المغفور له نصب عينيه، وعمل على توفيرها بصورة تخدم العاملين في القطاع الشرطي في أبوظبي وفي أجهزة وزارة الداخلية كافة، في كل ما يتعلق برواتب وعلاوات وبدلات، وكان له الدور الكبير في توحيد ودمج الشرطة، بمنح وزارة الداخلية سلطة الإشراف الكامل والمباشر على جميع الشؤون المتعلقة بالأمن والهجرة والإقامة.

قيام الاتحاد

تمهيداً لقيام اتحاد دولة الإمارات، كان للمغفور له الشيخ مبارك بن محمد، خطوة مؤثرة خلال المحادثات التي جرت بين حكام الإمارات المؤسسين، تمثلت في إزالة التعقيدات والمشكلات الحدودية بينها، كإجراءات توقيف السيارات وتدقيق هويات المسافرين أو بطاقاتهم على الحدود بين الإمارات فقط.
وأصدر المغفور له في نوفمبر/ تشرين الثاني 1974 قراراً برفع الإجراءات التي كانت مطبقة في مخفر سيح شعيب على السيارات والمسافرين، تأكيداً لوحدة أراضي الإمارات العربية المتحدة.

الساحة العربية

لم تقتصر مشاركة المغفور له على المستوى المحلي فقط، بل تخطت لتصل إلى الساحات العربية، حيث نظم وعقد المؤتمر العربي الأول لقادة الشرطة والأمن العام، في فبراير/ شباط من عام 1973، وحضره خبراء الشرطة والأمن العربي من 16 دولة عربية، ودعا من خلاله إلى تحسين وتقديم مزايا جديدة لضباط وأفراد الشرطة، فيما يتعلق برواتب قوة الشرطة العاملين في شرطة أبوظبي وفي أجهزة وزارة الداخلية منتسبيها وعلاواتهم وبدلاتهم.
وعلى صعيد دعمه للمرأة، استحدث، وحدة جديدة للشرطة النسائية في فبراير/شباط 1978، ووجه بإنشاء مدرسة الشرطة النسائية في أبوظبي، إيماناً منه بالدور الذي تضطلع به المرأة في كثير من مجالات الحياة، واستعدادها للمشاركة في مجال الأمن.

دعم الرياضة

تولى المغفور له رئاسة أول اتحاد لكرة القدم في الدولة، وكان في الوقت نفسه أول وزير داخلية للإمارات، بالتزامن مع إعلان الاتحاد في الثاني من ديسمبر من عام 1971.
وخلال تلك الفترة، شكل أول مجلس إدارة لاتحاد كرة القدم، مكوناً من المرحوم الشيخ صقر بن محمد القاسمي نائباً للرئيس، وعضوية كل من المرحوم حمودة بن علي، وحارب بن عتيبة، وجمعة غريب، وأحمد علي التاجر، وأحمد المدفع، وسعيد بن ناصر.
وتطلعاً للمشاركة في دورة كأس الخليج الثانية في السعودية عام 1972، عمل أعضاء الاتحاد الجديد على تشكيل أول منتخب لكرة القدم في الإمارات، وبالفعل بدأ الاتحاد في إعداد منتخب الإمارات في يناير/ كانون الثاني عام 1972 أي بعد مرور شهرين فقط على قيام الاتحاد.
وحققت الكرة الإماراتية قفزة هائلة إبان توليه رئاسة مجلس إدارة اتحاد الكرة، وصعدت إلى نهائيات كأس العالم 90 في إيطاليا، وأسهم تأسيس الاتحاد رسمياً على مستوى الدولة في تحويل أرض الإمارات إلى عاصمة للصداقة والسلام، وأصبح مجلسه العامر مكاناً بارزاً لكل ضيوف الإمارات بفضل التوجهات السديدة التي أرسى معالمها الأساسية الشيخ الراحل.
يعود الفضل للشيخ مبارك بن محمد ولمجلسه في تأسيس اتحاد الكرة، وتشكيل أول منتخب كروي يمثل الإمارات خارجياً، حيث شاركت الإمارات مع شقيقاتها في دورة الخليج الثانية في السعودية، من 15 إلى 28 مارس/ آذار 1972، بعد أن نالت العضوية الانتسابية للاتحاد الدولي لكرة القدم، التي تحولت فيما بعد إلى عضوية أساسية.
وشكل أول بعثة رياضية للمشاركة في الدورة، برئاسة أحمد علي التاجر، يصحبه أحمد المدفع نائباً للرئيس، ومراد عبد الله إدارياً، ومحمد صديق شحتة مدرباً، وجمعة غريب مساعداً للمدرب.
وتكللت نجاحات الاتحاد بأن حقق منتخب الإمارات الفوز على منتخب قطر في هذه الدورة بهدف مقابل لا شيء، سجله سهيل سالم، وبهذا الفوز حصلت الإمارات على المركز الثالث في الدورة، ووقف الكابتن أحمد عيسى على منصة التتويج، وعزف السلام الوطني وارتفع علم الإمارات عالياً للمرة الأولى خارج الحدود.

كلمات للتاريخ

خلال احتفالات الدولة بمناسبة «اليوبيل الذهبي لشرطة أبوظبي» الذي يعد المغفور له أحد أبز مؤسسيها، ألقى كلمة في المؤتمر العربي الأول لقادة الشرطة، ستظل تتذكرها الأذهان ويسطرها التاريخ، أكد فيها حكمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان وبُعد رؤيته، مثمناً استمرار مسيرة الاتحاد ونهج مؤسسه على يد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.
حيث قال المغفور له الشيخ مبارك بن محمد في كلمته: يطيب لي في بداية هذه الكلمة، وبمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيس شرطة أبوظبي، أن أسجل للواقع والتاريخ، تلك الرؤية العميقة والحكيمة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في جعل توفير الأمن للوطن والمواطن، على رأس كل الأولويات في منظومة المسيرة الرائدة التي بدأها سموه، وأسس من خلالها دولة قوية، تتمتع بالأمان والاستقرار، وتجسد بالقول والفعل معاً، مبادئ التسامح والتعايش والسلام، والحمد لله، أن هذه المسيرة لا تزال مصونة وحيوية ومتطورة، بفضل خير خلف لخير سلف صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله.
كما أنني أحمد المولى العلي القدير، على أن وفقني وعلى مدار سنوات قضيتها قائداً للشرطة، ثم وزيراً للداخلية في هذا البلد العزيز، إلى أن أؤدي مهامي، وأقوم بمسؤولياتي وواجباتي، إلى جانب إخوة أفاضل، وزملاء أعزاء، في إقرار الأمن، وحماية الوطن والمواطن، بل والأهم توفير الاستقرار للناس، مواطنين ومقيمين ومن دون استثناء.

أوسمة

حظي المغفور له، بإذن الله، الشيخ مبارك بن محمـد، وهو على رأس عمله على كثير من الأوسمة المحلية والعربية، ومنها وسام زايد الثاني، ووسام عيد الجلوس للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان، وسام الملك عبد العزيز آل سعود، ووسام النهضة من الدرجة الأولى للمملكة الأردنية الهاشمية، كما نال وسام عُمان للسلطان قابوس بن سعيد، ووسام الملك الحسن الثاني، ووسام الجمهورية التونسية، ووسام قوة دفاع أبوظبي 1966، ووشاح الاستحقاق لدولة قطر، ووسام الهلال الأحمر الخيري، كما حصل على الكثير من أنواط الشرف والميداليات، أثناء مدة خدمته المشهودة، تكريماً لجهوده المثمرة وعطاءاته المتواصلة في حفظ الأمن والأمان، والسعي من أجل ضمان حياة مستقرة لأبناء شعب الإمارات، وحفظ استقرار دول الجوار.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"