«قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله ،صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع، ليعلم أن بشّاراً ومسلماً وأبا نواس ومن تقيّلهم وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سُمي بهذا الاسم فأعرب عنه ودل عليه»، هذا الكلام صاحبه الشاعر واللغوي ابن المعتز، والذي استخرج في كتابه الشهير «البديع»، قواعد هذا العلم من قصائد أعلام الشعر العربي، والبديع كاسم يعود إلى الشاعر مسلم بن الوليد، أما كعلم فيرجع تأسيسه إلى ابن المعتز على نحو ما يذهب طه حسين، ويرى بعضهم أن ابن المعتز تجاوز البديع في كتابه ليؤثر بقوة في العلم الأوسع منه وهو البيان.
ابن المعتز شخصية ثرية سواء في أشعاره التي تكثر فيها الصور الحية النابضة التي ترجع إلى نشأته في قصور الخلفاء حتى لقد قال ابن الرومي عن هذه الصور «إنما يصف ماعون بيته»، ويمتد ثراء الشخصية في ذلك الاحترام الذي لاقاه في مصنفات التراث أو حتى الكتّاب المحدثين، حيث يقول عنه ياقوت الحموي: «كان غزير الأدب، وافر الفضل، نفيس النفس، حسن الأخلاق، وقد أخذ من كل فن من العلوم بنصيب»، أما الصولي فيقول: «شاعر مفلق حسن الطبع، واسع الفكر»، أما الأصفهاني فيقول عنه: «وممن صنع من أولاد الخلفاء فأجاد وأحسن وبرع وتقدم جميع أهل عصره فضلاً وشرفاً وأدباً وشعراً وظرفاً وتصرفاً في سائر الآداب أبو العباس عبد الله بن المعتز»، وتجد الكثيرين من القدماء ممن اهتموا بابن المعتز، وصولاً إلى طه حسين والذي لم يجعله مؤسساً لعلم البديع وحسب ولكن للشعر التعليمي أيضاً.
يمتد ثراء تلك الشخصية إلى سيرتها الذاتية، فابن المعتز هو أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد، ولد على اختلاف بين المؤرخين بين عامي 246 و249ه في سامراء، نشأ في ظل روايات وحكايات وأشعار قيلت في مقتل جده الخليفة المتوكل الذي يؤرخ به لنهاية العصر العباسي الأول وبداية تحكم الجنود الأتراك في مصاير الخلفاء، وفي طفولته تولى والده المعتز الخلافة لمدة 3 سنوات من 252 إلى 255 ه حتى عزله الجنود لأنه لم يستجب لمطالبهم في زيادة رواتبهم، وبعد ذلك سجنوه حتى وفاته، تولت جدة ابن المعتز تربيته على الأدب والشعر وثقافة عصره والتي تعتبر ذروة الحضارة العربية الإسلامية، أما مأساته فتتلخص في توليه الخلافة لمدة يوم واحد في أعقاب عزل الخليفة المقتدر بالله والذي تمكن من العودة إلى الحكم وقام أتباعه بقتل ابن المعتز في عام 296 هـ، وتبدو فروسيته في المشهد الأخير من حياته، حيث انفض من بايعوه من حوله، والذي يرويه ابن خلكان في «وفيات الأعيان» بالقول: «وركب ابن المعتز فرساً ومعه وزيره وحاجبه وقد شهر سيفه وهو ينادي معاشر العامة ادعوا لخليفتكم وقصد سامراً ليثبت بها أمره فلم يتبعه كثير أحد وخُذل فنزل عن فرسه فدخل دار الجصاص واختفى وزيره، ووقع النهب والقتل في بغداد وقتل جماعة من الكبار واستقام الأمر للمقتدر، ثم أخذ ابن المعتز وقتل سراً».
يصور طه حسين ذلك الثراء في شخصية ابن المعتز بالتناقض بين السعادة التي يحصل عليها أبناء الملوك من التنشئة الرغدة التي تخلو من مصاعب الحياة، وبين شعوره الدائم بنكبة أسرته، هذه النشأة في تلك الظروف والبيئة فضلاً عن مناخ عصره، انعكست في أخلاقه وإنتاجه العلمي وصوره الشعرية.
عذوبة البلاغة
في كتابه «البديع» يتجول بك ابن المعتز بين الاستعارة والتجنيس والمطابقة ورد العجز على الصدر أي بين أقسام البديع الأساسية، ثم يعرج بك على قواعد أخرى لا بد أن تتوافر للمبدع منها: الالتفات، الاعتراض، الرجوع، حسن الخروج، تأكيد المدح بما يشبه الذم، الهزل يراد به الجد، حسن التضمين للشعر، التعريض والكناية، حسن التشبيه، حسن الابتداء، والعديد من هذه القواعد تعود في اسمها إلى ابن المعتز، ويستشهد بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وكلام الصحابة والأعراب والبلغاء فضلاً عن المئات من أبيات عيون الشعر العربي.
ولنأخذ حديثه عن التجنيس كمثال على موسوعية معارفة وسلاسة أسلوبه، يقول: «هو أن تجيء الكلمة تجانس أخرى في بيت شعر وكلام، ومجانستها لها أن تشبهها في تأليف حروفها على السبيل الذي ألف الأصمعي كتاب الأجناس عليها، وقال الخليل التجنيس لكل ضرب من الناس والطير والعروض والنحو، فمنه ما تكون الكلمة تجانس أخرى في تأليف حروفها ومعناها ويشتق منها مثل قول الشاعر من الكامل: يوم خلجت على الخليج نفوسهم، أو يكون تجانسها في تأليف الحروف دون المعنى مثل قول الشاعر من البسيط: إن لوم العاشق اللّوم»، ثم يورد شواهد من كتاب الله ومن الحديث الشريف ومن كلام عمر بن الخطاب وعقيل ابن أبي طالب ومن أشعار ذي الرمة وزياد الأعجم ومسكين الدارمي.. إلخ، ويطلق على «براعة الاستهلال» مثلاً مصطلح «حسن الابتداء» ويرجع إلى قول النابغة «كليني لهم يا أميمة ناصب».
أما كتابه الشهير الآخر فهو «طبقات الشعراء المحدثين»، ترجم فيه لـ 133 شاعراً وشاعرة من أولئك الذين تصفهم كتب الأدب بالشعراء المحدثين في العصر العباسي، في الكتاب يرصد ابن المعتز أخبار مشاهير الشعراء في عصره، مثل بشار بن برد وأبي نواس وحماد عجرد وغيرهم، وهناك من لم يعرف الكثيرون قولهم الشعر مثل المعتزلي إبراهيم النظّام، فضلاً عن أخبار عدة شاعرات وهن: سكن جارية محمود الوراق وعائشة العثمانية وخنساء جارية هشام المكفوف وعريب جارية المأمون وفضل الشاعرة.
يقول عن بشار بن برد «كان أستاذ أهل عصره من الشعراء غير مدافع، ويجتمعون إليه ويرضون بحكمه»، ويصحح اسم أبي دلامة: اسمه زند بن الجون بالنون، وقال بعضهم زيد بالياء وقد غلط»، ويمتعك بالهجاء بين بشار وحماد عجرد: «قيل لبشار ما أقبح ما هجاك به حماد عجرد، فقال، ويا أقبح من قرد/ إذا ما عمى القرد»، ويورد أسباب قتل بشار وصالح عبد القدوس.
ويتحدث بإعزاز عن الخليل بن أحمد «هو أستاذ الناس، وواحد عصره»، ويورد سبب اختراعه لعلم العروض: «مر، يقصد الخليل، في سكة القصّارين، صُناع الثياب، بالبصرة فسمع من وقع الكدين، مدقات القصارين، أصواتاً مختلفة، ففكر في هذا العلم، وقال لأضعن من هذا أصلا لم أٌسبق إليه، فعمل العروض على هذه الأصوات التي في أيدي الناس، وكان ذكياً فطناً عالماً بأيام الناس وأخبارهم»، وكثيراً ما يفصل في أخلاق الشعراء الجيدة ويتلمس العذر لطباعهم السيئة، بل يدافع عنهم ضد بيت الخلافة الذي ينتمي إليه، ودفاعه عن بشار ورد تهمة الزندقة عنه طويل، أو يدفعك إلى التفكير في موسوعية شعراء وعلماء هذا العصر والتي تصل إلى التنقل بين الفنون المختلفة: «كان مذهب إبراهيم النظّام في أول أمره الشعر، وانتقل إلى الكلام، ومذهب أبي نواس الكلام وانتقل إلى الشعر، ومما يستحسن من شعر النظّام، ألا يا خير من رأت العيون/ نظيرك لا يحسن ولا يكون».
وعن عائشة العثمانية يقول: كانت من أشعر الناس، وأكثرهم بيانا، وأفصحهم لهجة ولسانا، وكانت مطبوعة مقتدرة تلعب بالشعر لعباً، و«أما خنساء جارية هشام المكفوف فقد «نازعت الشعراء»، وحصل من ورائها صاحبها مالاً كثيراً نتيجة لقصائدها في المديح، حتى إنه قال «والله لو أُعطيت بها خراج السواد ما بعتها».
كتاب البديع، متعة لمن يحب القراءة في قواعد البلاغة العربية، أما كتاب «طبقات الشعراء»، فمن خلال ترجمات ابن المعتز لأعلام عصره، ورصده لسيرهم ومواقفهم، يقذف بنا في قلب بغداد، حيث رقة الحضارة وامتزاج الثقافات وتصارع الأفكار، وجدل السياسة، وتشكل العلوم المختلفة، من لغة إلى فقه إلى كلام، ويتجول بنا بين المجالس والصالونات الأدبية، ويرسم صورة حية نابضة لنقاشات وحوارات كان الكل يهدف منها إلى تقدم هذه الثقافة.
كتابات متعددة
ألف ابن المعتز بخلاف هذين الكتابين العديد من الأعمال الأخرى، منها «الزهر والرياض»، «مكاتبات الإخوان بالشعر»، «كتاب السرقات»، «فصول التماثيل»، «أشعار الملوك»، وكتب الشعر، وتناول أغراضه كافة، يصف الربيع بالقول: «حبذا آذار شهرا/ فيه للنور انتشار، ينقص الليل إذا جا/ ء ويمتد النهار/ وعلى الأرض أخضرار/ وأصفرار وأحمرار»، وتستمع بمعانيه في قوله: «إني غريب بدار لا أنيس بها/ كغربة الشعرة السوداء في الشمط، ما أُطلق العين في شيء أُسر به / فلست أبدى الرضى إلا على سخط»، وأيضاً: «أليس من الحرمان حظ سلبته/ وأحوجني منه البلاء إلى العذر، فصبرا فما هذا بأول حادث/ رمتني به الأيام من حيث لا أدري». ويذهب طه حسين إلى أن قصيدته المطولة في الخليفة المعتضد تنتمي إلى فنون الشعر القصصي بالمعنى الحديث، يقول فيها: «قام بأمر الملك لما ضاعا/ وكان نهبا في الورى مشاعا، مذللا ليست له مهابه/ يخاف إن طنت به ذبابه، وكل يوم ملك مقتول/ أو خلف مروع ذليل، أو خالع للعقد كيما يعني/ وذاك أدنى للردى وأدنى، وكم أمير كان رأس جيش/ قد نغصوا عليه كل عيش، وكل يوم شغب وغصب/ وأنفس مقتولة وحرب».. إلخ، قصيدة مؤثرة بسيطة اضطر فيها إلى الكلام المباشر الذي لا يتقيد بقافية ليسرد لنا التاريخ في شكل مؤثر وخلاب.
تنبع أهمية القصيدة السابقة من تصويره لذلك العصر الذي تميز بفوضى عارمة، وبنتاج فكري وأدبي من العيار الثقيل، فضلا عن تصويرها للمناخ الذي عاش فيه الشاعر، مناخ اللااستقرار، ومناخ التقلبات الاجتماعية والسياسية، والتي لم تمنع ابن المعتز من قول الشعر ومن جمع أحد أشهر دواوين الشعر العربي، ومن التفكير في قضايا البديع والبلاغة العربية، وبالطبع لم تمنع عشرات غيره ممن نعرف إضافاتهم من الاجتهاد و التفكير والتخيل والحلم، أي لم تمنعهم من العمل في ذلك الحقل الأبقى برغم كل تلك المصاعب والتحولات ونعني به حقل الثقافة.