إعداد: محمد إسماعيل زاهر
«وبلغني، أن يعرب وصى بنيه بما وصاه به أبوه فقال لهم: يا بني احفظوا مني خصالاً عشراً تكن لكم ذكراً وذخراً، يا بني تعلمـوا العلم واعملوا به، واتركوا الحسد عنكم ولا تلتفتوا إليه، فإنه داعية القطيعة فيما بينكم، وتجنبوا الشر وأهله؛ فإن الشر لا يجلب عليكم إلا الشر، وأنصفوا الناس من أنفسكم لينصفوكم من أنفسهم، وإياكم والكبرياء؛ فإنها تبعد قلوب الرجال عليكم، وعليكم بالتواضع فإنه يقربكم من الناس ويحببكم إليهم، واصفحوا عن المسيء إليكم؛ فإن الصفح عن المسيء يحسم العداوة، ويزيد من السؤدد سؤدداً، ومن الفضل فضلاً»، ويستمر الأصمعي في قص وصية يعرب وغيره في سرده تاريخ العرب قبل الإسلام، يتجول بنا بين مشاهير تلك الحقب الممتدة مئات السنوات، لنكتشف أننا أمام حكاء مدهش، فهنا تقرأ عن أول ملك من العرب، ويواصل القصة بنسب قحطان، ثم يورطك في القراءة بالبحث في تاريخ مختلف القبائل وأيامها وأشعارها...إلخ. يكتب الأصمعي مدونة تاريخية جمالية للعرب تعتبر من أهم أعمال ذلك اللغوي والنسابة وصاحب النوادر وجامع أحد أشهر دواوين الشعر العربي «الأصمعيات».
في كثير من الكتب القديمة و بعض الكتب المعاصرة، تفاجأ بشخصية الأصمعي، الرجل من أشهر الرواة، ومن أشهر الذين يحتج برأيهم في الشعر واللغة وأيام العرب، ففي أحيان كثيرة تقابلك عبارة «قال الأصمعي»، أو «فضل الأصمعي هذا الشاعر على ذاك»، وفي أحيان أخرى تقرأ عن إحدى نوادره أو حكاياته الشخصية، مما يدل على ثراء الشخصية التي يمدحها سفيان الثوري والموصلي في الوقت نفسه، عاش الرجل في القرن الثاني الهجري، ولد في عام 121أو 123 وامتدت حياته أكثر من ثمانين عاماً، وفي بعض الروايات تخطى التسعين، في قرن ازدهار آداب العربية وفنونها وعلومها.
ولد الأصمعي في البصرة وهو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع، ويبدو أن شهرته جعلت هناك عناية واضحة بنسبه، حيث تصل الكثير من المصادر المؤرخة لسيرته بهذا النسب إلى معد بن عدنان، أما الأصمعي فنسبة إلى جده أصمع، ويكنى بأبي سعيد، ويلقب بالباهلي، نزل إلى بغداد و التقى الخليل بن أحمد والكسائي و الشافعي، وانخرط في المجالس الأدبية والنشاط الفكري المتألق لذلك الزمن، وكان على علم واسع بمفردات العربية واهتمام بالاستماع إلى الأعراب، يقول عنه ابن النديم في «الفهرست»: «لقي فصحاء الأعراب وأخذ عنهم، وحكى في كتبه ما سمعه منهم»، ولعل هذا ما جعله عالماً بخفايا اللغة وغريبها و مفردات القبائل المختلفة، وإذا عدت إلى كتاب أحمد تيمور أوهام شعراء العرب في المعاني «ستجد الأصمعي الراوي الآخر للكتاب أو الحكم بين الشعراء، فمن خلاله - في الأغلب - يوضح تيمور كيف استخدم الشعراء العرب ألفاظاً غير دقيقة للتعبير عن أشياء لم يروها أو لم يعهدوها أو لم تُعرف تفصيلاتها.

مكانة مرموقة

قال عنه الإمام الشافعي في «شذرات الذهب» لابن العماد الحنبلي: «ما عبر أحد بأحسن من عبارة الأصمعي»، ويواصل الحنبلي القول: «كانت الخلفاء تجالسه وتحب منادمته، نوادره تحتمل مجلدات»، أما المبرد فقال: «كان الأصمعي بحراً في اللغة لا يعرف مثله فيها وفي كثرة الرواية»، وهناك من يقول إنه كان يحفظ المئات من القصائد، وتتضخم الحكايات عن ذاكرته حتى قيل إنه كان يحفظ ما بين 12 و 16 ألف أرجوزة، أمّا ابن كثير فيقول عنه في تاريخه: «وكان إماماً في الأخبار والنوادر واللغة». تميز بحرصه الشديد في تفسير الحديث والقرآن الكريم، مع اعتراف الكثيرين له بالأمانة والصدق في الرواية.

تتعدد مؤلفات الأصمعي بين حقول الأدب كافة، وبعضهم يصل بها إلى الستين عملاً، منها: «الإبل»، «الأبواب»، «الأجناس»، «الأخبية والبيوت»، «الأراجيز»، «أسماء الوحوش وصفاتها»، «الاشتقاق»، «الأصوات»، «أصول الكلام»، «الأمثال»، «الأنواء»، «الألفاظ»، «جزيرة العرب»، «كتاب الخيل»، «كتاب الدلو»، «فحولة الشعراء»، «كتاب الكلام الوحشي»، كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه»، «المقصور والممدود»، «كتاب ما تكلم به العرب فكثر في أفواه الناس»، وفي «الفهرست» أسماء لعدة دواوين جمعها الأصمعي لمشاهير الشعراء مثل: امرئ القيس، النابغة الذبياني، الحطيئة، دريد، المتلمس، عروة، الكميت، جرير، وغيرهم.

يتجول الأصمعي في كتاب «تاريخ العرب قبل الإسلام»، بين أشعار العرب وخطبهم، راوياً أيامهم وحروبهم ووصايا أعلامهم، ليتحول من كتاب في التاريخ إلى الإمتاع في الأدب، فيسرد نثراً وشعراً وقائع انهيار سد مأرب، وما قاله عمرو بن الغوث الذي خرج منفرداً؛ ليبحث عن أماكن لهجرة القوم، فلم يجد إلا أرضاً مجدبة فقال: «تركنا مأرباً وبها نشأنا/ وقد كنا بها في حسن حالِ، تقيل سروحنا في كل يوم/ على الأشجار والماء الزلالِ، وكنا نحن نسكن جنتيها/ ملوكاً في الحدائق والظلالِ، فوسوس ربنا عمرو كلاماً/ لكاهنه المصرّ على الضلالِ، فأقبلنا نسوق الخُود منها/ إلى بلد المجاعة والهزالِ».

ويمتد أفق الكتاب إلى السير والجغرافيا أيضاً، حيث يرسم خريطة تتوزع فيها القبائل في أنحاء بلاد العرب قائلاً: «أما من سكن عمان من الأزد، فيحمد والحدان ومالك والحرث وعتيك، وأما من سكن العراق، فآل جذيمة بن الوضاح وولد عبد الله بن الأزد، وأما من سكن الشام فآل جفنة، وأما من سكن المدينة فالأوس والخزرج، وأما من سكن مكة ونواحيها فخزاعة، وأما من سكن السروات فبجيلة، وختم وثمالة والحجر وغامد وسكر وبارق السوداء وسحان».

ولنستمع إليه يروي الصراعات آنذاك: «وأقبل أولاد عمرو بن عامر يلتهمون البلاد التهاماً، يشقون العرب بطناً بطناً وقبيلة قبيلة، لا يدخلون بلداً إلا غلبوا أهل ذلك البلد عليه، أمّا خزاعة فغلبت جرهم على مكة، وأما الأوس والخزرج فغلبوا اليهود على المدينة، وأما آل المنذر فغلبوا أهل العراق عليها، وأما آل جفنة فغلبوا أهل الشام على الشاك وملكوها، وأما ولد عمران بن عمرو بن عامر فغلبوا أهل عمان عليها».

تنوع المعرفة

في كتاب «خلق الإنسان» يطوف الأصمعي بين مكونات الجسد البشري كلها، واصفاً لها بدقة، راوياً أسماء الأعضاء البشرية، سارداً اختلاف لهجات العرب حول اسم كل عضو، قاصاً حكايات العرب وتصوراتهم حول تلك الأعضاء، يبدأ من الرأس وينتهي بالقدم، يقول عن اللسان: «تقول العرب إذا نعتت خفة اللسان ما أرقّ عذبة لسانه، وفيه العكدة والعكرة وهما أصل اللسان ومعظمه، وفيه الصردان وهما عرقان يستبطنان اللسان، قال الشاعر وهو النابغة الذبياني: وأي الناس أعذر من شآمٍ/ له صردان منطلق اللسان، وفي اللسان الحكلة مخففة وهي كالعجمة تكون فيه لا يبين صاحبها الكلام، قال رؤبة: لو أنني أوتيت علم الحكل/ علم سليمان كلام النمل، وفي اللسان الفأفأة وهي أن يردد صاحبها في الفم الفاء، يقال رجل فأفاء وامرأة فأفأة، وفيه اللقلقة وهي ثقل في اللسان، ويقال في لسانه تمتمة وهي تردد التاء، يقال رجل تمتام وامرأة تمتامة، قال ربيعة الرقي: فلا يحسب التمتام أني هجوته/ ولكنني فضلت أهل المكارم».

سار الأصمعي على نهج المفضل الضبي في اختياراته الشعرية المعروفة ب«الأصمعيات»، وتفتتح الاختيارات ب «وهذه بقية الأصمعيات التي أخلَّت بها المفضليات»، وتتضمن 92 قصيدة ل 71 شاعراً، منهم 44 من العصر الجاهلي، و14 من المخضرمين، ممن عاشوا في الجاهلية و شهدوا ظهور الإسلام، و6 شعراء من العصر الإسلامي و7 شعراء مجهولين.
يعتبر الأصمعي في كتاب «فحول الشعراء» امرَأ القيس أهم الشعراء الفحول وأشعر الناس: «ما أرى في الدنيا لأحد مثل قول امرئ القيس: وقاهم جدهم ببني أبيهم/ وبالأشقين ما كان العقابُ، بل امرُؤ القيس أشعر الناس، و «هو أول من بكى الديار وسير الظعن»، «وكلهم - يقصد فحول الشعراء - أخذوا من قوله، واتبعوا مذهبه»، وفي موازنة بين النابغة الذبياني و زهير بن أبي سلمى، يقول: «ما يصلح زهير أن يكون أجيراً للنابغة»، وتقرأ حكمه على الكثيرين من أعلام الشعر العربي، فيصف عمرو بن كلثوم قائلاً: «ليس بفحل»، وعروة بن الورد «ليس بفحل ولكن شاعر كريم»، واعتبر خُفاف بن ندبة وعنترة والزبرقان بن بدر من أشعر الفرسان، وليسوا من الفحول، أما «ذو الرمة فهو حجة على الشعراء؛ لأنه بدوي، ولكن ليس يشبه شعره شعر العرب إلا واحدة وهي التي يقول فيها: والباب دون أبي غسان مسدود».

وكان يفضل جريراً على الفرزدق، قائلاً عن هذا الأخير: «تسعة أعشار شعره سرقة»، وعن الأول «وأما جرير فله ثلاثون قصيدة ما علمته سرق شيئاً قط إلا نصف بيت»، ولا يقف الأصمعي في الكتاب على المفاضلة بين الشعراء، بل يذهب أيضاً إلى المفاضلة بين القبائل في قول الشعر، بحسب ما أنجبته كل قبيلة من عدد الشعراء، وبحسب جودة أشعارهم أيضاً، وتمتد المفاضلة إلى الشاعرات من النساء.

تتعدد الحكايات المروية عن الأصمعي في العديد من الكتب، وهي حكايات تتراوح بين الجدية المطلقة، وربما تمتزج أحياناً ببعض الدعابة ذات المغزي، ففي قصة شهيرة يجلس الأصمعي مع أبي عبيدة، معمر بن المثني وهو من أشهر الرواة، في مجلس يضمهما إلى الفضل بن الربيع، وكان لكل منهما كتاب في الخيل، فيسأل الفضل الأصمعي: «كم يبلغ كتابك في الخيل؟» فيجيبه بأنه يتكون من مجلد واحد، ويسأل أبا عبيدة السؤال نفسه فيرد بأنه يتكون من خمسين مجلداً، فيطلب الفضل من أبي عبيدة أن يصف أعضاء الفرس «قم إلى هذا الفرس وأمسك عضواً منه وسمه، فقال لست بيطاراً، وإنما هذا شيء أخذته عن العرب، فقال لي: قم يا أصمعي وافعل ذلك، فقمت وأمسكت بناصية الفرس، وجعلت أذكر عضواً عضواً وبلغت حافره، فقال الفضل للأصمعي: خذ الفرس، فكنت إذا أردت أن أغيظه، يقصد أبا عبيدة، ركبت ذلك الفرس وأتيته».

عاش الأصمعي في القرن الثاني الهجري، تؤكد سيرته ومؤلفاته وحكاياته أن اللغة كانت قلب الثقافة آنذاك، وكان الرجل، وإن لم ينظُر للغة مثل الخليل، فهو من أئمتها ومراجعها الذين امتد تأثيرهم لقرون، وتجد ظله في العديد من الكتابات المعاصرة، فيسرد من خلال مؤلفاته وأحكامه وموازناته فصلاً من أجمل فصول تاريخ العربية.