عبدالله الهدية الشحي
يحكى أن زرافة ما قررت في أحد الأيام البهيجة أن تقوم بجولة صباحية دون تخطيط مسبق لطبيعة المنطقة المقصودة ، وبينما هي بين الحشائش الممتدة على مرمى البصر صادفت مستنقعاً وكان لزاماً عليها خوض هذا المستنقع من أجل أن تكمل رحلتها الممتعة، ودون تفكير أو دراسة للوضع قررت المغامرة معتمدة على طول ساقيها وإذ بها تتفاجأ بصعوبة الوضع، حيث بدأ الوحل شيئاً فشيئاً بابتلاع ساقيها فإذ بها لا تصدق وتصاب بالصدمة في المرحلة الأولى ولكن دون فائدة تجدى ثم بدأت بالتذمر وإلقاء اللوم على مسؤولي حماية البيئة، ولن يجديها التذمر واللوم أيضاً، ثم بدأت بالبكاء حين لا ينفع البكاء لتتحول بعد هذا إلى طلب العون على أمل الحصول على طوق نجاة من أي يد تمتد إليها ولكن هيهات هيهات، وحين أدركت أنه لا محال من الغرق قامت تحدث نفسها عن أجر الغريق والجنة التي تنتظره وهي تعلم في نفسها علم اليقين أن هذا الحديث ما هو إلا حديث المستسلم الضعيف الذي لا حول ولا قوة له سوى إقناع نفسه بأنه على صواب، فهل نستفيد من قصة هذه الزرافة لنعي أهمية التخطيط ودراسة الأمور قبل الإقدام عليها اعتماداً على وهم المقدرة المؤطرة بالتعالي على معطيات الظروف وعشوائية المخاطرة.
تصنف أنماط الشخصيات بعدة تصنيفات ، فهناك العملي والتحليلي والتعبيري والودي، وهناك شخصية النمر وشخصية الحلزون وشخصية الزرافة التي تهمنا هنا كونها شخصية تعتمد على طولها وحجمها فتفرض نفسها وقت تتويج الحدث، فهذه الشخصية لا دور لها في مسيرة أي مشروع ولا جهد لها في أي إنجاز، ولكنها في ساعة عرض الإنجاز أو الاحتفال نراها في الصف الأول تطل برأسها هنا وهناك لتشاهدها عيون المسؤولين ولتلتقطها عدسات المصورين فينسب لها فضل النجاح فتشكر وتنال التقدير.
مثلما تتعدد شخصيات الإنسان بالنسبة للطبائع والسلوك تتعدد شخصية الموظف بالنسبة لتنفيذ الأوامر والمبادرة والإبداع، فهناك من ينتظر الأوامر كما تنتظر الدجاجة العلف، وهناك من يسأل عن الأوامر لكونه لا يدري بما يدور حوله، وهناك من يقترح القيام بمبادرة ما وحين لا يجد من يسمعه يلزم الصمت، وهناك من ينوي العمل بمشروع ما وحين لا يجد المعين ينزوي، وهناك من يعمل ويسوق لعمله سواء كان كبيراً أو صغيراً في كل حين مع كل شاردة وواردة عند مسؤوليه لينال التقدير والإعجاب، وهناك من يعمل بصمت ويبدع بصمت ويبتكر بصمت وينتظر الأجر من رب العالمين فهو لا يتحدث عن منجزه، بل يدع المنجز ليعبر عنه ويدع الأثر الإيجابي يتحدث عنه بينما هو يلزم الصمت وكأنه كالزرافة التي لا صوت لها فيا ليته يعلم أن التسويق للمنجز حق مشروع وأن عرض القدرات أيضاً حق مشروع، فقد قال سيدنا يوسف عليه السلام حين عرف قدراته وآمن بها (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)، فكم من موظف لم ينل حقه تعزيزاً وتكريماً بسبب صمته المطبق وهنا التسويق ضروري شرط أن يعرف الموظف متى وكيف وأين يسوق لنفسه.
[email protected]