أبوظبي: علي داوود

على بعد نحو 15 دقيقة من العاصمة أبوظبي، توجهنا إلى مكتبة فريدة من نوعها، إن من ناحية موقعها؛ إذ تقع داخل إحدى منارات المسجد، أو من ناحية تخصصها؛ كونها متخصصة في الكتب والمخطوطات التي تتناول كل ما يتعلق بالحضارة الإسلامية: تاريخاً وتراثاً وفناً. تلك هي «مكتبة مركز جامع الشيخ زايد الكبير»، التي قمنا بزيارة مبناها ذي التصاميم الهندسية الرائعة.
تجولنا بين أقسامها بما تضمه من آلاف العناوين المختلفة، إضافة إلى آلاف أخرى من المخطوطات النادرة، ونسخ القرآن الكريم، التي يرجع تاريخ طباعة بعضها إلى أكثر من خمسة قرون.
وتُعد «مكتبة مركز جامع الشيخ زايد الكبير» أول «مكتبة منارة»، إذا صح الوصف، حيث تقع في الطابق الثالث من المنارة الشمالية للجامع، ولعل موقعها الاستثنائي هذا هو ما يجعلها مقصداً للباحثين والقراء، ونقطة جذب للدارسين من مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى كونها مكتبة متخصصة في مجالات الحضارة والعمارة والفنون الإسلامية. وتضم المكتبة نحو 7600 عنوان للكتب والدوريات، التي تتناول المجالات السابقة الإشارة إليها، كتبت بنحو 14 لغة حية. كما تضم مصغرات فلمية لمخطوطات خاصة بطبعات قديمة للقرآن الكريم، تمت طباعتها في أوروبا في المدة بين 1537 - 1857، ويبلغ عدد المخطوطات نحو 50 ألفاً، ومن أهمها مخطوطة «قصيدة البردة» في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. إضافة إلى أكثر من 100 من الكتب النّادرة، ذات الطبعات الفريدة في قيمتها العلمية والتاريخية، والتي ترجع طباعتها إلى القرون الأخيرة الماضية.

كتب قيّمة

بدأت جولتنا داخل المكتبة بلقاء بدرية الرجيبي، رئيس قسم المكتبة والنشر، التي تبدأ حديثها معنا بالقول إن «مكتبة جامع الشيخ زايد الكبير»، أثناء ساعات عملها من الساعة التاسعة صباحاً إلى السادسة مساءً، طوال أيام الأسبوع عدا يوم الجمعة؛ تقدم عدداً من الخدمات المميزة، من أهمها: تسهيل عمليات البحث عن المصادر، وتيسير استخدامها من قبل رواد المكتبة، إضافة إلى توفير أجهزة الكمبيوتر التي تسمح باستخدام الفهرس الآلي للمكتبة، ومصادر المعلومات الإلكترونية المتاحة عبر الإنترنت، إلى جانب توفير مجموعة قيمة من المصادر المرجعية: كالقواميس ودوائر المعارف والتراجم والأدلة والببليوجرافيات.
تضيف الرجيبي: فضلاً على ذلك فإننا نتعاون مع العديد من الجهات الحكومية والجامعات المحلية، لتوفير المصادر التي تخدم الباحثين والدارسين في مجالات العمارة والفنون الإسلامية، وتوفير خدمة تبادل المصادر لتحقيق أكبر قدر من الفائدة.
أحمد البدواوي، متدرب في «برنامج ابن الدار» التابع للجامع، يؤكد أنه أصبح من المواظبين على القراءة والاطلاع في «مكتبة مركز جامع الشيخ زايد الكبير» منذ أكثر من عام، فضلاً على أنه تلقى تدريباً كأخصائي جولات ثقافية في المكتبة، لمدة أربعة أسابيع، من أجل أن يساهم في تزويد الزوار الأجانب بمعلومات عن المكتبة والكتب والمخطوطات القيمة النادرة التي تضمها.
ويشير البدواوي إلى أن المكتبة التي تضم عناوين عن الحضارة الإسلامية منذ العصور الأولى، باللغتين العربية والإنجليزية، تترك لدى زائرها شعوراً بانشراح الصدر عند دخولها لأول مرة، مضيفاً أن جميع الزوار يعجبون بهذا الإنجاز، ويعني به كونها تقع في منارة الجامع، والطريقة التي يتعامل بها موظفو المكتبة معهم، من حسن استقبال وتوفير المساعدة لهم.

مصادر موثوقة

سعيد العامري يشدد على أنه استفاد كثيراً من زياراته إلى المكتبة، من خلال اطلاعه على المخطوطات والكتب الإسلامية القيمة التي تحويها، مشيراً إلى أنه اكتسب الكثير من المعلومات التي تتناول الحضارة والعمارة الإسلاميتين، إضافة إلى كتب عن سيرة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ورسالته. يضيف: الكتب هنا تمثل مصادر موثوقة، يلجأ إليها الجميع لمعرفة تاريخ الحضارة الإسلامية العريقة، إلى جانب الكتب التي تتناول تصميم الحدائق الإسلامية والسجاد.
وبالمثل تقول خديجة الجنيبي: أزور المكتبة للاطلاع على الكتب الخاصة بموضوعات الحضارة الإسلامية وتاريخ دولة الإمارات، إضافة إلى مطالعة كتب السجاد الشرقي، وكتب فن العمارة الإسلامية والمئذنة، بجانب الاطلاع على إصدارات المركز.
أما إيمان رشيد، المهتمة بتصميم الحدائق الإسلامية، فتشير إلى أنها استفادت كثيراً من اطلاعها على الكتب التي تتعلق بمجال اهتمامها، مؤكدة أن الاطلاع على هذه الكتب مثل لها فرصة كبيرة لتعلم أساسيات هذا الفن.

تراث جدير بالإعجاب

ويرى ماثيو إستنافر، أمريكي، أن جماليات المكتبة والكتب التي تحتويها تركت لديه شعوراً بالسعادة والسرور، في أول مرة يزور فيها المكتبة، خصوصاً أنه معجب بالشعب الإماراتي الذي يهتم بعاداته وثقافته وتراثه الجميل. ويؤكد أنه اطلع على عدد من الكتب التي تتناول موضوعاتها الحضارة العربية والإسلامية، وكيف انتشرت بين المجتمعات الأخرى، والتي تمثل مصدر إعجاب لدى جميع شعوب العالم، مضيفاً أنه سيشجع كل من لدي به علاقة في أمريكا على زيارة هذه المكتبة، للاطلاع على الكتب القيمة التي تضمها، وللتعرف على الحضارة والفنون الإسلامية بصورة أكبر.
بينما يشير جيمس إستنافر إلى أنه أصيب بالدهشة، عندما شاهد هذا العدد الكبير من الكتب، التي تتحدث عن الحضارة العربية الإسلامية، والمهتمة بتاريخ الفنون الجميلة، مؤكداً أن الكتب التي اطلع عليها تحتوي على معلومات تاريخية، تجعلك تعيش فترة العصور الأولى.
دوروثي فاوسيتيون، من مدينة نيويورك، ورغم أنها أول زيارة لها إلى المكتبة، فهي تؤكد إعجابها الشديد بما شاهدته من كتب، ما دفعها إلى الرغبة في الحصول على كتاب ليذكرها بهذه الرحلة الجميلة، وحتى تثبت للآخرين أنها زارت جامع الشيخ زايد الكبير، واطلعت على مكتبته.

إصدارات

أصدرت «مكتبة مركز جامع الشيخ زايد الكبير»، عدداً من الإصدارات المميزة، تتناول موضوعاتها الحضارة والفنون الإسلامية، بلغ عددها 19 إصداراً، يمكن شراؤها عند زيارة المكتبة. من أهم هذه الإصدارات:

- «فضاءات من نور»: وهو كتاب مختص بتغطية مسابقة التصوير الفوتوغرافي، التي يرعاها «مركز جامع الشيخ زايد الكبير» بشكل سنوي. ويضم الصور الفائزة في المسابقة.

- «القمر والمئذنة»: كتاب يضم عدداً من رسوم الأطفال المستوحاة من الجامع، بإشراف عدد من رسامي كتب الأطفال في العالم.

- «بيوت الله.. من جامع القيروان إلى جامع الشيخ زايد الكبير»: كتاب يقارن بين جامع الشيخ زايد و19 جامعاً أخرى على مستوى العالم، باللغتين العربية والإنجليزية.إضافة إلى العديد من الإصدارات القيمة الأخرى، الخاصة بالعمارة والفن الإسلاميين.

إهداءات في عام القراءة

تفاعلاً مع مبادرة «عام 2016.. عام القراءة»، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، واستجابة لتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بإطلاق عدد من المبادرات الوطنية التي تعمل على ترسيخ القراءة عادة مجتمعية دائمة في دولة الإمارات، وبين أجيالها المقبلة، أهدى «مركز جامع الشيخ زايد الكبير» مكتبات متنقلة إلى عدد من المستشفيات والمراكز الصحية، وعدد من الجهات الحكومية، في الدولة، تضم مجموعة من إصدارات المركز التي تتناول التاريخ والثقافة الإسلاميين، إضافة إلى الإصدارات التي تعنى بالفنون الإسلامية على اختلاف مجالاتها.