قال تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} «سورة الأنبياء الآية 30». الماء هو السائل الوحيد الذي لا غنى عنه لأي كائن حي مهما كان شكله، أو حجمه، تضاءل أم تضخم..ابتداء من الميكروبات الدقيقة التي لا يمكن للعين المجردة أن تراها وانتهاء بالأفيال والحيتان أضخم الكائنات الحية الموجودة على الأرض وفي البحار.. فالماء هو سر الحياة الذي أودعه الله في كوكبنا الأرضي، ومن دونه لا تقوم قائمة لكائن، طيراً كان أو حيواناً أو دابة تزحف على الأرض أو قوقعة في قاع بحر لجي.
يقول محمد عبد القادر الفقي في «خواطر علمية بين الدين والعلم»: يقرر العلم الحديث في تفسير الآية الكريمة أن الماء يدخل في بناء أي جسم حي، إذ هو في الحقيقة قوام حياته.. فالماء في نظر العلم هو المكون الأصلي في تركيب مادة الخلية الحية.
الخلية هي وحدة البناء في كل شيء حي.. كما أن علم الكيمياء في أبحاثه الحديثة أثبت أن الماء عنصر لازم وفعال في كل ما يحدث من التحولات والتفاعلات التي تتم داخل الأجسام، فهو إما وسط، أو عامل مساعد، أو داخل في هذا التفاعل، أو ناتج عنه.
ولذلك، فإن علماء الفلك في بحثهم عن الحياة في الكواكب الأخرى التي يحفل بها الكون، يبحثون أول ما يبحثون عن الماء، ثم الأكسجين، فكلاهما يجب أن يكون موجوداً بكميات كافية، إذ لا وجود لمخلوق من دون ماء، ولا استمرار لهذا الوجود من دون الأكسجين الضروري للتنفس.
ترجع أهمية الماء إلى دوره الكبير في المحافظة على اتزان حرارة أجسام الكائنات الحية، وبناء الخلايا، وتكوين الدم، وتنظيم التفاعلات الكيميائية، وهضم الطعام. ومن الغريب أن الكثيرين من بنى البشر لا يعرفون أهمية الماء في التغذية، ففي واقع الأمر يعد الماء من أكثر المغذيات حيوية. وسواء أكان الإنسان ذكرا أم أنثى، فإنه عند ميلاده يكون جسمه محتوياً على حوالى 85% من وزنه ماء. وعندما ينمو الإنسان ويشب عن الطوق، ويصلب عوده، يظل جوفه عبارة عن بحر داخلي حيث تكون نسبة الماء عندئذ حوالى ثلثي جسده.
إشارتان إلى جهتين
ومن الأهمية القصوى للماء، أن خلايا الجسم تطلبه بشدة ولا يمكن أن تستمر في أداء وظائفها أو نموها، أو حتى تواجدها من دونه، حيث تستمد حاجتها من الماء من خلال الدم الذي تبلغ نسبته فيه حوالى 83%. ولذلك فحينما تقل كمية الماء بالجسم، وتحتاج الخلايا إلى المزيد، نجد أن الجسم يرسل إشارتين على الأقل إلى جهتين: الأولى: عندما تقل نسبة الماء في الدم، يزداد تركيز الأملاح فيه، ولكى يعوض الدم ذلك نراه يستخرج الماء من غدد اللعاب الموجودة في الفم..وتكون النتيجة جفاف الماء، وشعور بالحاجة إلى شرب الماء. والإشارة الثانية يرسلها الدم إلى الدماغ، يبلغ فيها بنقص الماء، وعندئذ يوجد الإحساس بالرغبة في شرب الماء.
وإذا كانت هذه هي أهمية الماء للإنسان، فإن أهميته للنبات لا تقل.. فالنبات يمتص الماء من التربة، وبه الغذاء اللازم لنموه من الأملاح المعدنية الموجودة بالتربة.. ويكون انتقال هذه الأملاح الضرورية لنمو النبات في صورة محاليل مائية أيضاً تمتصها الجذور من الأرض، ويتم بعد ذلك توزيعها على مختلف الأجزاء النباتية التي تعمل على الاستفادة منها لتنشيط الحياة النباتية وازدهارها، كما أن الأسمدة الطبيعية والعضوية تنتقل إلى داخل النبات بهذه الوسيلة أيضاً، ومن هنا كان الإعجاز العلمي في قوله تعالى:{ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} (سورة الحج الآية5).
تجربة مدهشة
وقام فريق من العلماء في جامعة إنجلز بولاية «ويلز» الأسترالية بإجراء تجربة على النباتات التي تعانى من العطش، وسجلو الذبذبات الصغيرة التي تصدر من أوراقها وسيقانها آنئذ، ولشد ما كانت دهشتهم حينما وجدوا أن هذه النباتات تصدر أصواتاً بالمعنى العلمي للكلمة، وقد استخدمت في هذه التجارب أجهزة دقيقة جداً لتسجيل ذبذبات الصوت، وقارنوها بالذبذبات الناتجة عن النبات في حالة توافر الماء، فوجدوا أن الذبذبات في الحالة الأولى أشد وأقوى، وكأن النباتات تصيح وتصرخ لكي تحصل على احتياجاتها من الماء.
وإذا نظرنا إلى قصة خلق آدم وسلالته وجدنا أن الله تعالى خلقه من الطين كما جاء في قوله عز وجل: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} (سورة المؤمنون الآية ١٢). والطين كما هو مقرر علمياً هو خليط من الماء والتراب، أي أن الماء عنصر أساسي في تكوين أي شيء حي.
ومن جهة أخرى يقول محمد كامل عبد الصمد في كتابه «ثبت علمياً»: «كشفت دراسات علمية حديثة عن أهمية تناول الماء بكميات كافية لتنشيط وظائف الكليتين، وتنظيف مجرى البول من الرواسب والمخلفات، مما يبعد عن الإنسان خطر العدوى والمرض، وذلك فضلاً عن أهمية الماء في تنظيم حرارة الجسم، وتجديد حيوية كل خلاياه، وتنشيط الجهاز الهضمي، وتسهيل عملية الإخراج، وبالتالي تنقية الجسم من السموم».
وثبت أن تناول المياه بكميات كافية يساعد على تخفيف التهاب المفاصل وليونة حركتها، وكذلك يساعد على منح الجسم الرطوبة اللازمة، مما يكسب الجلد الليونة، ويحول بالتالي دون تشققه بعد جفافه، كما يحفظ الماء للعينين بريقهما.
علاج في الحمامات
ولا يقتصر العلاج بالماء على الشرب أو الارتواء، وإنما يتعداه إلى الحمامات، وذلك على النحو التالي: حمامات المياه الباردة، تؤدى إلى انقباض الأوعية الدموية، مما يؤدى إلى التنشيط والانتعاش، ورفع كفاءة الجهاز المناعي، وتخفيض درجة حرارة الجسم، وتنشيط مسام الجلد..كما تساعد الحمامات الباردة على تخفيف آلام الروماتيزم.
وتساعد حمامات المياه الدافئة، على تهدئة الأعصاب واسترخاء الجسم، وبالتالي تساعد على النوم، وتسكين الآلام الخفيفة، كما تؤدى إلى اتساع الأوعية الدموية بالجسم بفعل حرارة الماء الدافئ، مما يزيد الدم بها.كذلك تساعد تلك الحمامات على تخفيف آلام المفاصل والانزلاق الغضروفي، وتساعد أيضاً على تخفيف التهاب الشعب الهوائية.
أما حمامات الماء البارد والماء الدافئ بالتبادل: ويطلق عليها اسم «الحمامات المتعاقبة» فلها مفعول جيد إذا تم عمل الحمام الدافئ، أولاً، ويليه مباشرة الحمام البارد.
وتعد هذه الحمامات بهذه الكيفية بمثابة تدليك للجهاز الدوري، فالأول يوسع الأوعية الدموية، والآخر يؤدى إلى انقباضها، مما يؤدى بالتالي إلى تنشيط كل وظائف الجسم، كما يعمل على تفتيت السموم والمخلفات الضارة الموجودة بالدم والتخلص منها.
المياه المعدنية
وتطرقت الدراسات أيضاً إلى العلاج بالمياه المعدنية فأشارت إلى أن هذا العلاج يعتمد أساساً على امتصاص الجسم للمعادن النافعة الموجودة في بعض أنواع المياه، سواء عن طريق الشرب والارتواء، أو عن طريق امتصاص سطح الجلد لها أثناء الاستحمام.
وتفيد هذه المياه في علاج التهاب المفاصل، وضعف الدورة الدموية والتوتر النفسى، والضعف العصبي، كما تفيد في علاج الضعف الجنسي، وحبوب الوجه عموما وحب الشباب خاصة، وتزيل التقيحات والتقرحات والإكزيما وحساسية الجلد. كما تساعد على إزالة الإحساس بالإجهاد وتقلصات العضلات.
وجدير بالذكر أنه أجريت حديثاً تجربة على 34 مريضاً في فرنسا يعانون من ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم وذلك بقصر علاجهم على تناول المياه المعدنية فقط ثلاث مرات يومياً من دون علاج طبي آخر، واستمر هذا العلاج لمدة ثلاثين يوماً، فحقق نتائج طبيعية للغاية، كما توصل الأطباء في المجر إلى إمكانية علاج حالات التهاب المفاصل دون الاستعانة بعقار«الكورتيزون» اكتفاء بالعلاج عن طريق المياه المعدنية.
وتناولت دراسات وأبحاث أخرى أهمية ممارسة رياضة السباحة في مياه البحر من حيث إنها تمنح الحيوية والطاقة، وتهدئ من التوتر النفسى والإجهاد العصبي، وتنشط الخلايا، فضلاً عن أن مياه البحر غنية جدا بالأملاح المعدنية، واليود، والكلور، والصوديوم، والبوتاسيوم، والزنك، وكثير من المواد الضرورية التي تفيد الجسم.
لذلك اهتمت المراكز الصحية في الآونة الأخيرة بإنشاء حمامات خاصة تحتوى على ماء مالح من البحر، ولكن بدرجة حرارة مرتفعة، تتقارب إلى حد كبير مع درجة حرارة الجسم العادية، حيث إن احتكاك الجسم بالماء الساخن يسهل من عملية تغلغل هذه الأملاح والمواد الضرورية في الجسم.
ومن الثابت علمياً أن خلايا جسم الإنسان تسبح في سائل دموي يسمى «البلازما» يحتوى على بعض المكونات والأملاح المعدنية المركزة، وبعض البروتينات والفيتامينات التي تتشابه إلى حد كبير مع مكونات ماء البحر.
وكشفت الأبحاث العلمية أننا كلما نزلنا عن مستوى سطح البحر، تزيد درجة الحرارة، درجة واحدة كل عشرة أمتار ومع جود نوعية من الصخور تحدث تفاعلات تنتج عنها أبخرة، وخاصة مع بعض العناصر، كالنحاس والذهب وأملاح الكبريت ويتضح هذا بشكل كبير في عيون «حمام فرعون» الشهيرة، الموجودة في جنوب شبه جزيرة سيناء، حيث تصل درجة الحرارة لنحو 73 درجة مئوية، وهى كفيلة بإذابة مثل هذه العناصر والأملاح، والتي ينتج عن ذوبانها اختلاط الأنظمة الأيونية لكل عنصر منها واتحادها معاً. الأمر الذي يؤدي إلى إنتاج مركب جديد يساعد في الشفاء من العديد من الأمراض.