لم تكن الساعات واللحظات الأخيرة في عمر الصحابي الجليل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه وأرضاه، وابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة سيدة نساء العالمين، وأبي السبطين الشهيدين الحسن والحسين، وأول من أسلم من الشباب، ورابع الخلفاء الراشدين، مثل غيره من الصحابة سهلة يسيرة، بل كانت في قمة الصعوبة والتعقيد، وشهدت الكثير من الابتلاءات والمحن والأحزان، وقد خاض عليٌّ الكثير من الحروب، كان آخرها موقعة «صفين» التي كاد ينتصر فيها على جيش معاوية لولا خدعة رفع المصاحف، وقبول التحكيم، وطلب من الناس نصرته، ولكنهم تقاعسوا، ولم يجبه أحد، وبلغت الفتنة ذروتها، بالمؤامرة التي دبرها ثلاثة من الخوارج الذين اتفقوا على أن يتخلصوا من أمير المؤمنين علي، ومعاوية وعمرو بن العاص، رضي الله عنهم، وكلف عبدالرحمن بن ملجم بقتل الإمام، والبرك بن عبدالله التميمي بقتل معاوية، وعمرو بن بكر بقتل عمرو بن العاص، ونجح الأول في مهمته، بينما فشل الآخران.
أشقى الآخرين
يؤكد الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»: أن أمير المؤمنين علياً بن أبي طالب كان يعلم أنه سيقتل تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم له: «أتعلم أشقى الأولين؟ قال: عاقر ناقة صالح. فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أتعلم من أشقى الآخرين؟ فلما لاذ بالصمت قال له الرسول: الذي يضربك على هذه (وأشار إلى جبهته) فتتخضب هذه بالدم (وأشار إلى لحيته)».
وقيل أيضاً إن أمير المؤمنين علياً بن أبي طالب، رضي الله عنه وأرضاه، كان يعلم أن عبدالرحمن بن ملجم هو الذي سيقتله، حيث قدم ذات يوم على ابن ملجم، وسأله لم تسم سيفك؟ فقال ابن ملجم: لعدوي وعدوك.. فكان الإمام ينظر إليه ويقول: أريد حياته ويريد قتلي.
وجاء على لسان ابنته أم كلثوم رضي الله عنها أن أباها رأى ليلة مقتله رؤيا فقال لأولاده: (إني رأيت الساعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في منامي وهو يقول لي: «يا أبا الحسن إنك قادم إلينا عن قريب، يجيء إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك، وأنا والله مشتاق إليك، وإنك عندنا في العشر الأواخر من شهر رمضان». فلما سمعوا كلامه ضجّوا بالبكاء، فأقسم عليهم بالسكوت، ثم أقبل يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، وقيل: إنه كان يكثر في ذلك اليوم من قول: (اللهم بارك لنا في لقائك)، ويكثر من قول: (لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم).
«فزت وربّ الكعبة»
ويروي أبوبكر عبدالله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب «المحتضرون»، عن عبدالله بن بكير قال: «لما كانت الليلة التي أصيب فيها عليٌّ رحمه الله، أتاه ابن النباح حين طلع الفجر يؤذنه بالصلاة وهو مضطجع مثاقل، فعاد الثانية وهو كذاك، ثم عاد الثالثة، فقام علي يمشي وهو يقول: (شد حيازيمك للموت فإن الموت آتيكا، ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا)، فلما بلغ الباب الصغير، شد عليه عبدالرحمن بن ملجم، فضربه. فخرجت أم كلثوم بنت علي، فجعلت تقول: قتل زوجي أمير المؤمنين صلاة الغداة، وقتل أبي صلاة الغداة. وعن هارون بن أبي نجيح، عن شيخ من قريش أن علياً رضي الله عنه قال لما ضربه ابن ملجم: فزت ورب الكعبة.
ويذكر الإمام جمال الدين أبوالفرج بن الجوزي في كتاب «صفة الصفوة»، عن أبي أراكة قال «صليت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه صلاة الفجر، فلما سلم انفتل عن يمينه، ثم مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح قال: وقلب يده: «لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً قد باتوا لله سجداً وقياما يتلون كتاب الله يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين». ثم نهض فما رئي مفتراً يضحك حتى ضربه ابن ملجم وحمل الناس أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه إلى داره وقبضوا على القاتل.
ويقول الحافظ أبو سليمان محمد بن عبدالله في كتاب «وصايا العلماء عند حضور الموت»: «عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: لما ضرب علي بن أبي طالب رضي الله عنه تلك الضربة قال: ما فعل ضاربي؟ قالوا: قد أخذناه، قال: أطعموه من طعامي، وأسقوه من شرابي، فإن أنا عشت رأيت فيه رأيي، وإن أنا مت فاضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها.
وصيته للحسن
لما رقد عليٌّ رضي الله عنه على فراش الموت، وهو يعانى جراحاً شديدة، دخل عليه ابنه الحسن رضي الله عنه باكياً. فسأله: لم تبكِ يا بني؟ قال: لماذا لا أبكي؟ أنت في أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، فقال علي رضى الله عنه «سأوصيك بثلاث خصال، وأنصحك بالابتعاد عن ثلاث: إن أغنى الغنى: العقل. وأكبر الفقر: الحمق. وأوحش الوحشة: العجب. قال الحسن: يا أبتاه، علمني الثلاث الأخرى. فقال: «إياك ومصادقة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. وإياك ومصادقة البخيل، فإنه يبعد عنك أحوج ما تكون إليه. وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه».
ثم أوصى الحسن رضي الله عنه بألا يغالي في الكفن، وقال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تغلوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً». وامشوا بي بين المشيتين، لا تسرعوا بي، ولا تبطئوا، فإن كان خيراً عجلتموني إليه، وإن كان شراً ألقيتموني عن أكتافكم».
وعن محمد بن علي بن أبي طالب أن علياً لما ضرب أوصى بنيه، ثم لم ينطق إلا ب«لا إله إلا الله» حتى قبضه الله. وقال العلماء بالسير: ضربه عبدالرحمن بن ملجم بالكوفة، يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رمضان، وقيل: ليلة إحدى وعشرين منه سنة أربعين، فبقي الجمعة والسبت ومات ليلة الأحد.