يقول الحق تبارك وتعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ لا يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، (سورة النحل الآية: 32). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة»، ولقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين- عندما تحضرهم الوفاة واللحظات الأخيرة من سكرات الموت يشغلون بصرهم برؤية منزلتهم في الجنة، ويشغلون القلب بالفكر في انتظار اللقاء، فلا تحس الجوارح بما يجري، ومن بين هؤلاء الصحابي الجليل جعفر بن أبى طالب - رضي الله عنه - الذي استشهد في معركة مؤتة، فبمجرد أن استشهد زيد بن حارثة حمل جعفر لواء الإسلام، وأقدم على القتال إقدام رجل يسعى للشهادة، وتكاثر عليه الروم، وراح يقاتل بجسارة واستبسال حتى استشهد فرضي الله عنه وجعل أعلى عليين مأواه.
يذكر الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»، أن رجلاً من بني مرة بن عوف قال: لكأني أنظر إلى جعفر يوم «مؤتة»، حين اقتحم على فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل حتى قُتل.
90 ضربة

وروی البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إن قُتل زيد فجعفر، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة».
وانطلق جعفر وسط جيش الأعداء وهو يلهب قلوب المسلمين حماساً، وأيقن الروم أن هذا الرجل الذي يقاتل بمثابة جيش كامل، فأحاطوا به وحاصروه، وضربوا يمينه بالسيوف، فقطعوها، وقبل أن تسقط بالراية، حمل الراية بيساره، فضربوا يساره، فاحتضن الراية بعضديه حتى لا تسقط على الأرض، فضربوه بسيوفهم حتى قطعوه نصفين. واستشهد جعفر بن أبي طالب في الثالثة والثلاثين من عمره.
وعندما أقبل المسلمون يتفقدون شهداءهم وجدوا فيما بقي من جسد جعفر تسعين ضربة ما بين طعنة رمح وضربة سيف. قال عبد الله: «كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين، من طعنة ورمية». وفي البخاري عن ابن عمر: أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعدد به خمسين، بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، يعني: ظهره.
دموع النبي
وعندما جاء جبريل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بنبأ استشهاد جعفر، قام إلى بيت ابن عمه، وكانت زوجته «أسماء بنت عميس» تنظف أولادها وتعطرهم. فدعا، صلى الله عليه وسلم، بأطفاله وبنيه، فتشممهم وقبلهم وذرفت عيناه الدمع. فقالت له أسماء: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ما يبكيك، أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟، فأجابها: «أصيبوا اليوم». فراحت تبكي واجتمعت النساء، فخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، إليهم وقال: «لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاماً، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم».
وذكر عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه أنه قال: أنا أحفظ حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمي، فنعى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي وعيناه تهريقان الدموع حتى تقطر لحيته، ثم قال: «اللهم إن جعفراً قدم إلى أحسن الثواب، فأخلفه في ذريته أحسن ما خلفت أحداً من عبادك الصالحين في ذريته».
وقال محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في كتاب «سير أعلام النبلاء»: عن خالد بن شمير، قال: قدم علينا عبد الله بن رباح، فاجتمع إليه ناس، فقال: حدثنا أبو قتادة، قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيش الأمراء، وقال: «عليكم زيد، فإن أصيب فجعفر، فإن أصيب جعفر، فابن رواحة». فوثب جعفر، وقال: بأبي أنت وأمي، ما كنت أرهب أن تستعمل زيداً علي. قال: «امضوا، فإنك لا تدري أي ذلك خير».
فانطلق الجيش، فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صعد المنبر، وأمر أن ينادى: «الصلاة جامعة». قال - صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم عن جيشكم، إنهم لقوا العدو، فأصيب زيد شهيداً، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء جعفر، فشد على الناس حتى قتل، ثم أخذه ابن رواحة، فأثبت قدميه حتى أصيب شهيداً، ثم أخذ اللواء خالد، ولم يكن من الأمراء -هو أمر نفسه- فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصبعيه وقال: «اللهم هو سيف من سيوفك فانصره -فيومئذ سمي سيف الله-. ثم قال: انفروا فامددوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد» فنفر الناس في حر شديد».

مع جبريل وميكائيل

وعن ابن إسحاق: حدثنا يحيى بن عباد، عن أبيه، قال: لكأني أنظر إلى جعفر يوم مؤتة حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل حتى قتل. قال ابن إسحاق: وهو أول من عقر في الإسلام، وقال:
يا حبذا الجنة واقترابها
              طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها
         عليَّ إن لاقيتها ضرابها..
وقال الواقدي: «حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، قال: ضربه رومي فقطعه بنصفين. فوجد في نصفه بضعة وثلاثين جرحاً. وعن ابن عمر، قال: فقدنا جعفراً يوم مؤتة، فوجدنا بين طعنة ورمية بضعاً وتسعين، وجدنا ذلك فيما أقبل من جسده». وعن أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، أن ابن عمر قال: «جمعت جعفراً على صدري يوم مؤتة، فوجدت في مقدم جسده بضعاً وأربعين من بين ضربة وطعنة». وعن عمرو بن ثابت، عن أبيه: سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عن جعفر، فقال رجل: «رأيته حين طعنه رجل، فمشى إليه في الرمح، فضربه، فماتا جميعاً».
وعن ابن عباس: «بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وأسماء بنت عميس قريبة إذ قال: يا أسماء، هذا جعفر مع جبريل وميكائيل مر، فأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا فسلم، فردي عليه السلام، وقال: إنه لقي المشركين، فأصابه في مقاديمه ثلاث وسبعون، فأخذ اللواء بيده اليمنى فقطعت، ثم أخذ باليسرى فقطعت. قال: فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة آكل من ثمارها».
وعن أسماء، قالت: «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فدعا بني جعفر، فرأيته شمهم، وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، أبلغك عن جعفر شيء؟» قال: «نعم، قتل اليوم. فقمنا نبكي، ورجع، فقال: اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد شغلوا عن أنفسهم». وعن عائشة، قالت: لما جاءت وفاة جعفر، عرفنا في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - الحزن.
وحدثنا الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «رأيت جعفر بن أبي طالب ملكاً في الجنة، مضرجة قوادمه بالدماء، يطير في الجنة». وعن أبي هريرة مرفوعاً: «رأيت جعفراً له جناحان في الجنة». وجاء نحوه عن ابن عباس والبراء عن النبي -صلى الله عليه وسلم.