عادي

«البخلاء» للجاحظ.. نقد اجتماعي مغلف بالهزل والسخرية

03:31 صباحا
قراءة 4 دقائق
الشارقة: عثمان حسن

حفل التاريخ العربي بكثير من الكتب التي شكلت بمجموعها ذخيرة أدبية وثقافية، وكانت على الدوام من المراجع المهمة التي تشكل عونا للباحثين والأكاديميين، وشكلت مصدراً من مصادر الإلهام على مستوى تطوير اللغة والثقافة العربية على حد سواء.
ومن هذه الكتب «البخلاء» للجاحظ، هذا العالم والأديب والموسوعي، وصاحب المؤلفات التي يصعب حصرها. وميزة كتب الجاحظ على ما فيها من حكمة ومعرفة، ومنها كتاب البخلاء، أنها أصبحت مرجعاً للقراء، وقد تناولتها الذاكرة الشفاهية العربية، لما فيها من المعلومة والطرفة ذات المغزى، والحكمة والموعظة، وكافة أشكال وألوان الإمتاع والظرف والفائدة.
يحكي كتاب البخلاء عن العديد من النوادر التي تصف حياة أهل عصره، حيث عاش في كنف الدولة العباسية، والكتاب فيه من طرائف ونوادر البخل الشيء الكثير، سيما عند أهل خراسان، والتي جاءت تحت عنوان «طرف أهل خراسان» ونقتطف منها بعض القصص: «قال أصحابنا: يقول المروزي للزائر إذا أتاه، وللجليس إذا طال جلوسه: تغديت اليوم؟ فإن قال: نعم، قال: لولا أنك تغديت لغديتك بغداء طيب، وإذا قال: لا. قال: لو كنت تغديت لسقيتك، فلا يصير في يده على الوجهين قليل ولا كثير».
وفي نادرة أخرى نقرأ: «وكنت في منزل ابن أبي كريمة، وأصله من مرو، فرآني أتوضأ من كوز خزف، فقال: سبحان الله! تتوضأ بالعذب، والبئر لك معرضة؟ قلت: ليس بعذب، إنما هو من ماء البئر. قال: فتفسد علينا كوزنا بالملوحة. فلم أدر كيف أتخلص منه.
ومن قصص أهل خراسان أيضاً: «وقال ثمامة: لم أر الديك في بلدة قط إلا وهو لافظ، يأخذ الحبة بمنقاره، ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا ديكة مرو، فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب. قال: فعلمت أن بخلهم شيء في طبع البلاد وفي جواهر الماء، فمن ثم عم جميع حيوانهم.
فحدثت بهذا الحديث أحمد بن رشيد، فقال: كنت عند رجل من أهل مرو، وصبي له صغير يلعب بين يديه، فقلت له، إما عابثاً وإما ممتحناً: أطعمني من خبزكم. قال: لا تريده، هو مر، قلت: فاسقني من مائكم قال: لا تريده، هو مالح قلت: هات لي من كذا وكذا، قال: لا تريده، هو كذا وكذا، إلى أن أعددت أصنافاً كثيرة، كل ذلك يمنعنه ويبغضه إليّ. فضحك أبوه وقال: ما ذنبنا؟ هذا من علمه ما تسمع؟ يعني أن البخل طبع منيع فيهم وفي أعراقهم وطينتهم».
وميزة هذه القصص بحسب إجماع كثير من النقاد، أنها تلقي الضوء على أسلوب الجاحظ الذي تميز بأنه يجري في مستويين، واحد هو مراعاة السليقة، أي ما يجري على ألسنة العوام، وثانياً مخاطبة النخبة، وهو يتناول في هذا الكتاب نصوصاً أدبية موجزة وشائعة في العصر الإسلامي، حيث ملامح الشعر والخطابة وما يرافق ذلك من سجع وبلاغة وتورية وحسن صياغة وفرادة في البيان والتصوير.
وقد مزجت كتاباته بين النثر والشعر، وهذا الأسلوب الذي عرف به يعتبر من مميزات وخصائص أدبه دون غيره من الأدباء، كما أن أسلوبه أشبه بقصص ألف ليلة وليلة، حيث تتناسل الحكاية إلى الحكاية وهكذا، وقد صور الجاحظ في «البخلاء» الناس الذين قابلهم وتعرف عليهم في بيئته الخاصة في بلدة مرو (عاصمة خراسان)، وفيه صور الجاحظ تصويراً واقعياً حسّياً نفسياً فكاهياً، فأبرز لنا حركاتهم ونظراتهم القلقة، وكشف أسرارهم وخفايا منازلهم وأطلعنا على مختلف أحاديثهم، وأرانا نفسياتهم وأحوالهم جميعاً.
نظر بعض الدارسين إلى كتاب البخلاء باعتباره يشكل دراسة اجتماعية تربوية نفسية اقتصادية، ويوثق لهذه الفئة «البخلاء» بشكل ساخر وفكاهي وهزلي، وهو من جهة أخرى، يعتبر كتاباً ذا قيمة في مادته التربوية والأخلاقية، سيما وأن البخل عادة ليست مستحبة عند الناس، وهي ليست من طبائع الكرام، وهو بمثابة نقيصة تنال من كبرياء الناس وأصولهم ودماثة أخلاقهم وتحط من مصداقيتهم، ومروءاتهم. ولقد تنوعت مظاهر الهزل والإضحاك والسخرية بحسب كثيرين، في نوادر الجاحظ، وهي تهدف إلى مقاصد مختلفة، منها ما يحقق النقد الاجتماعي ومنها ما يحمل القارئ، بل يدفعه على تبني سلوك الكرم والسخاء وهو قيمة عربية أصيلة.
ولد الجاحظ في البصرة عام 160ه/ 776م، وقد تعددت الآراء حول تاريخ ولادته الأصلي وقد نشأ الجاحظ في بيتٍ فقير، كما اختلفت الآراء حول أصله؛ فقيل إنّه كناني ليثي، وقيل إنّه مولى أبي القلمس عمرو بن قلع الكناني، وأن جده أسود المعروف بفزارة كان جمّالاً عند ابن قلع، وهو يعد أحد كبار أئمة الأدب، وقد قال الشعر مع الأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وأخذ علمه في النحو عن الأخفش أبي الحسن، أمّا الكلام فأخذه عن النظام، وقد قال عنه أبو هوفان أنّه أكثر الناس حباً للكتب والعلوم، وقال الفتح بن خاقان، إنّه كان يجالس المتوكّل؛ فإن خرج الأخير للقيام بحاجة، أخرج الجاحظ كتاباً من كمّه أو خفّه وقرأه لحين عودته، وقال إسماعيل القاضي إنّه لم يشاهد الجاحظ إلّا وهو يطالع كتاباً أو يُقلّبه.
كان الجاحظ خفيف الظل، وذا عشرةٍ حسنة، ويقول النكات والنوادر، وقد كان الناس يُحبّون مجالسته لسماعها والاستمتاع بها، كما تميّز بالذكاء وسرعة الحفظ. أما أشهر مؤلفاته فهي: «البيان والتبيين»، «الحيوان»، «سحر البيان»، «التمثيل»، «الأخطار والمراتب والصناعات»، «الأمل والمأمول»، «رسالته في القلم»، «رسالته في فضل اتخاذ الكتب»، «أخلاق الشطار»، «الجد والهزل»، «الحسد والعداوة ومسائل القرآن».
توفي الجاحظ في البصرة عام 255ه/ 869م، وذلك في خلافة المعتز، بعد أن تجاوز التسعين عاماً، كما اختلف الرواة في تاريخ وفاته أيضاً، وسبب وفاته إصابته بالفالج.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"