يعد اضطراب تعدد الشخصيات مرضا عجيبا وخطيرا، وفيه يفقد الشخص نفسه ويتقمص مجموعة من الشخصيات بمستوى عال لا يقدر عليه الممثلون، إذ يصدق تماما في كل مرة أن هذه الشخصية بتصرفاتها وأفكارها الخاصة هي شخصيته الحقيقية.
ويحدث اضطراب تعدد الشخصيات عن طريق انفصام بين شخصيتين أو أكثر يتبدل المريض بينهما، وربما يبدأ المرض بوعي منه أن الشخصية أو الشخصيات الأخرى غير حقيقية ومن نسج خياله، ولكنه يندمج مع هذه الشخصيات وينسى نفسه الحقيقية.
ينتقل مريض اضطراب تعدد الشخصيات بين شخصيته الحقيقية والشخصيات الأخرى، وطالما أنها شخصيات مختلفة فكل واحدة لها عالمها الخاص، ولها صفاتها التي تختلف عن الشخصيات الأخرى. ونتناول في هذا الموضوع مرض اضطراب تعدد الشخصيات بالتفاصيل، ونعرض العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه المشكلة، ونقدم الأعراض التي تظهر ونوضح طرق الوقاية والعلاج من هذه المشكلة.
لا يعرفون بعضهم
يتميز اضطراب تعدد الشخصيات بأن كل شخصية لا تتذكر ولا تعرف شيئا عن الشخصيات الأخرى، وتختلف كل واحدة في سماتها، فربما تكون واحدة لشخص مثقف والأخرى لهمجي، بل وتختلف قوة الحواس من السمع والبصر بين الشخصيات رغم أن الجسد واحد في الحقيقة. ويعني ذلك في الطب النفسي أن المريض لديه اضطراب قوي في الذاكرة، فهو ينسى تماما تفاصيل حياته وشخصيته، ويتذكر تفاصيل أخرى ربما تكون وهمية ولم تحدث، لذا فإن مرضى اضطراب تعدد الشخصيات يدخلون في اكتئاب وحزن، لأنهم لا يتذكرون ماضيهم ويشعرون أنهم غير طبيعيين على الإطلاق.
ويسمى المرض كذلك باضطراب الهوية التفارقي، والتفارق هو مصطلح في طب النفس تقع داخله مجموعة الأمراض النفسية، والتي ينفصل فيها المرء عن الواقع ويتوهم ما لم يحدث، كما يسمى المرض باضطراب الهوية الانفصالي أو الانفصامي.
صدمة شديدة
يرى الكثير من العلماء أن اضطراب تعدد الشخصيات هو مرض نفسي ناتج عن صدمة شديدة في مرحلة الطفولة، وخاصة في الأعمار ما بين 4 و6 سنوات، تركت تأثيرها القوي عليه بعد أن أهمل علاجه، ومع مرور الأيام يزيد تأثير الصدمة أكثر، ويصاب بالاضطرابات النفسية.
وتكون الصدمة عاطفية غالبا كفقدان الأم أو الأب، والذي يمكن أن يكون مرتبطا بحادثة أو جريمة، أو تعرض الطفل لعزلة شديدة لأي سبب، كمرض مقعد مثلا أو تواجد الطفل في منطقة الحروب أو في الكوارث الطبيعية، وكذلك إذا تعرض الطفل لاعتداء جسدي أو جنسي أو عاطفي شديد العنف، وتساعد العوامل الوراثية في قابلية البعض للإصابة بالمرض أكثر من غيرهم.
علاج غير فعال
يعتقد بعض العلماء أن اضطراب الهوية الانفصامي يحدث نتيجة علاجات غير فعالة وغير مناسبة للمريض النفسي، تجعله يسترجع في وعيه ولاوعيه الذكريات العاطفية شديدة التأثير عليه، مما يحدث خللا وترابطا غريبا بين الواقع وماضي المريض، ويسقط في براثن اضطرابات الهوية.
ويرفض بعض العلماء فكرة أن العواطف القاسية وحدها سبب للمرض، وبالتالي تشخيصه على أساسها، ويرون أن هذا المرض هو مضاعفات شديدة لأمراض انفصامية أخرى، خاصة أنه من المعروف أن المرض تصاحبه أمراض نفسية أخرى، كاضطرابات الشخصية الحدية ومتلازمة الذاكرة الخاطئة أو الكاذبة.
الاضطرابات الانفصامية
يعتبر اضطراب تعدد الشخصيات واحدا من مجموعة أمراض نفسية تسمى بالاضطرابات الانفصامية، والتي تتميز كلها بالتفكير المشتت والانفعالات والخواطر المتضاربة، والانسحاب من الواقع مع غرابة السلوك واضطرابات في الكلام، ويقصد بالانفصام انشطار العقل.
وتختلف هذه الأمراض عن مرض الذهان، رغم تشابه الأعراض، إذ أن الذهان منشؤه عضوي وهو تلف في خلايا الدماغ، ونتيجة أمراض أصابته أو بسبب الصرع، أو كثرة تعاطي المنشطات أو المخدرات والخمور لفترات طويلة.
مس شيطاني
يسمي بعض البسطاء اضطراب تعدد الشخصيات بالمس الشيطاني، لما يرونه من تبدل وتغير كامل في شخصية المريض، وعدم تذكره للشخصيات الأخرى وما قام به حال تقمصها له.
ويلاحظ على المريض وجود شخصيتين على الأقل في حياته، كل منهما لها فكرها وعمرها وجنسها بل ونوعها، فربما يصل الأمر لأن تكون إحدى الشخصيات غير بشرية، أي من الحيوانات مثلا.
ويحدث التبادل بين الشخصيات بشكل فجائي، وغالبا بعد التعرض للتوتر، وينسى المريض تماما ما كان يفعله منذ لحظات حين كان بشخصية مختلفة، ولا تعرف شخصيات المريض بعضها، ولا يحدث عنده تصادم بينها ويسمى هذا بالنسيان الافتراقي.
وينتج عن هذا المرض العديد من الأعراض كاضطرابات النوم، واضطرابات المزاج والاكتئاب والقلق والتفكير في الانتحار، وأثبتت دراسات أن حوالي ثلثي مصابي اضطراب الهوية التفارقي حاولوا الانتحار.
حياة مدمرة
يعاني المصاب باضطراب تعدد الشخصيات من مشاكل في شهيته للطعام وتناوله له، وتكثر عنده الهلاوس السمعية والبصرية والنسيان وفقدان الذاكرة والأوهام، ويتجه كثير من المرضى للخمور أو المخدرات، ويضطهد ذاته وبعض المرضى يلجأ للعنف مع غيره.
ويصعب على المريض استعادة الكثير من ذكريات طفولته، ويلاحظ عليه ابتعاده عن المشاركة في أي نشاطات اجتماعية، مع تغيرات مفاجئة وواضحة في المزاج والسلوك بل والمظهر الخارجي كذلك. ولا يستطيع إنسان أن يعيش مع هذا المرض حياة هادئة أو طبيعية، فتتأثر حياته سلبا على جميع المستويات الشخصية والعملية والاجتماعية.
الرغبة في الهروب
تختلف أعراض الأطفال المصابين باضطراب تعدد الشخصيات، إذ يظهر عليهم الخوف وعدم الثقة بالآخرين، والإحساس بعدم الانتماء لأسرته، وضعف قدرته على التعلم والتحصيل الدراسي، ومحاولات للهروب من المنزل وانحرافه واتجاهه للسلوكيات الخاطئة والمشينة، ونادرا ما يصيب المرض الأطفال رغم أن أحداث الطفولة القاسية من الممكن أن تكون سبب المرض.
وتختلف شدة تأثير المرض على المريض الذي لا يعالج، فهي تشتد عند البعض خاصة للذين ما زالوا يعانون الاضطهاد والإساءة لهم، أو ما زالوا يعيشون وسط الأسباب التي أدت لمرضهم، وعند البعض يكون المرض على شكل موجات تهدأ وتختفي ثم تعود لتشتد.
تشخيص صعب
يحتاج تشخيص اضطراب الهوية التفارقي للكثير من الجهد، ولاثنين من المتخصصين أحدهما مختص صحة عقلية ذو خبرة بالطب النفسي، والآخر هو الطبيب النفسي.
ويقوم الطبيبان بعدة مقابلات مع المريض والتحدث معه وطرح العديد من الأسئلة، ويكون التشخيص صعباً لتشابه المرض مع مجموعة الأمراض الانفصامية والذهانية، ولأن المريض يحاول إخفاء مرضه ولا يتذكر الكثير من التفاصيل عن حياته. ويستدعي ذلك ضرورة مقابلة أهله وأصدقائه، والتعرف منهم على أعراض المرض وما يلاحظونه على هذا الشخص المصاب.
ويتأكد الطبيبان من عدم تعاطي الكحوليات أو المخدرات، إذ إنها من الممكن أن تسبب أعراضاً متشابهة على نحو ما. ويتكرر في بعض الحالات لقاء المريض مع الأطباء، حتى يكشف المريض عن أسراره ويحكي عما تعرض له في طفولته من عنف أو فقدان شخص عزيز عليه.
العلاج بالمعرفة
لا يوجد علاج شاف أو أقراص دوائية لاضطراب الهوية التفارقي، ولكن توجد الكثير من الوسائل التي تساعد المريض على شفاء نفسه بنفسه، عن طريق العلاج المعرفي والسلوكي، بإقناع المريض بمرضه ودفعه لمقاومته، والتخلص من الشخصيات الوهمية التي تسيطر عليه. ويتم العلاج بتكرار جلسات العلاج النفسي بشكل منتظم، ليتعرف المريض على حالته ويتقبل أنه بحاجة للعلاج، ويستعد لمواجهة المرض مما يساعد كثيرا في تحجيم المرض وتقليل آثاره، هذا إن لم ينجح في علاجه بشكل كبير.
التنويم المغناطيسي
يساعد أسلوب التنويم المغناطيسي أو الإيحائي كثيرا في علاج المريض، والتنويم المغناطيسي هي حالة من الاسترخاء التام يصل لها المريض بإرادته، وتشبه اللحظات الأخيرة قبل النوم أو فور الاستيقاظ، أو الاستغراق التام في أحلام اليقظة أو القراءة فهي أنواع من التنويم الإيحائي. ولا يمكن أن يتسبب التنويم المغناطيسي في جعل الشخص يقتنع أو يفعل ما يرفض مبادئه، ومن المستحيل أن يدخل في هذه الحالة رغما عنه، وهي حالة استرخاء ينشط فيها العقل الباطن أو اللاوعي. ويعرف الطبيب النفسي كيف يدفع مريضه للاسترخاء التام والاستمرار في هذه الحالة من وعي العقل الباطن، واستغلالها في شرح طبيعة المرض له وإقناعه ببذل الجهد للتخلص من هذه الشخصيات الوهمية، والتركيز على الواقع والحقيقة من حوله.
1 إلى 3% من سكان العالم
يصيب مرض اضطراب تعدد الشخصيات نحو 1% إلى 3% من سكان العالم، ويصل عدد شخصيات المريض الوهمية إلى حوالي 16 كحد أقصى عند النساء و7 لدى الرجال. ويصيب المرض النساء أكثر من الرجال نظراً لاستعدادهن العاطفي، وإن كان بعض العلماء يرون أن النسبة ربما تكون مختلفة، لأن الذكور أكثر عنفاً ،وبالتالي فمن الممكن أن يذهب بهم مرضهم إلى السجون بدلا من المستشفيات.
عانى 90% من مرضى اضطراب الهوية التفارقي، في المرحلة العمرية بين 4 و6 سنوات، من الصدمات الشديدة أو الإيذاء الفظيع الجسدي والاعتداءات الأخرى، ويحاول 70% من المرضى الانتحار لما يتعرضون له من كبت نفسي واكتئاب وتغيرات شديدة في المزاج.
يصلح العلاج الإيحائي بالتنويم المغناطيسي مع 90% من الناس، وال10% الباقين من الممكن أن يؤدي التنويم المغناطيسي لاجترارهم الذكريات التعيسة، وإعادة تذكر الصدمات القديمة بشكل أكبر، لذا يرى بعض العلماء أن التنويم المغناطيسي ربما يفاقم المشكلة أو يكون هو سبباً للإصابة باضطراب تعدد الشخصيات إذا ما استخدم استخداماً خاطئاً.