يتصرف بشكل فيه الكثير من التهور والاندفاع، أو حتى باللامبالاة، وفجأة بعد فترة ليست بالطويلة يصاب بحالة من الاكتئاب الشديد، وهو ما يجعله ينعزل ولا يخالط أحداً.
ويعرف الأطباء النفسيون هذه الحالة بالهوس الاكتئابي، أو ما كان يعرف بالذهان الهوسي الاكتئابي، ويصنف على أنه مرض نفسي يكون المصاب به في حالة من عدم اتزان المزاج، ومن الممكن أن يشكل خطراً
على المريض، ويعتبر عائقاً لجودة الحياة.
تكون التصرفات الجنونية للمصاب بهذا الاضطراب أحد طرفيه، في حين أن الطرف الآخر للاضطراب هو الاكتئاب الشديد.
ويمكن أن تستمر التغيرات المزاجية المتطرفة لعدة أسابيع وحتى بضعة أشهر، وهو الأمر الذي يشكل خللاً في إدارة أمور الحياة، وربما وصل للعائلة والأصدقاء المقربين.
وتظهر أعراض هذا الاضطراب في العادة بين عمر 15 و 24 عاماً، ومن الممكن أن يستمر طوال العمر، ونادراً ما يصاب بهذا الاضطراب الأطفال أو من تجاوزوا 65 عاماً.
ونتناول في هذا الموضوع مرض الهوس الاكتئابي بكل جوانبه، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك أعراضها وطرق الوقاية والعلاج المتبعة والحديثة.


نوعان رئيسيان


يقسم أطباء علم النفس الهوس الاكتئابي إلى نوعين رئيسيين، الأول عندما يعاني المصاب في وقت سابق، ولفترة واحدة على الأقل ظاهرة الهوس، والتي يمكن أن تشتمل على فترة سابقة من الاكتئاب أو لا تشتمل. ويعاني المصاب في النوع الثاني ولفترة واحدة فقط على الأقل ظاهرة الاكتئاب، والهوس الخفيف لفترة واحدة فقط.
وتشبه نوبة الهوس الخفيف نوبة الهوس العادية، إلا أن أعراضها تكون أكثر اعتدالاً، كما أنها لا تستمر سوى بضعة أيام، ولا تكون على درجة خطورة كبيرة.
ويمكن أن يشعر المصاب بهذا الاضطراب بابتهاج أو قلق بصورة معينة، كما يشعر بأن أداءه اليومي تغير، غير أنه بصفة عامة يتمكن من الاستمرار في حياته بصورة عادية، ولا يحتاج إلى الدخول إلى مستشفى. ويلاحظ بشكل كبير أن فترات الاكتئاب في النوع الثاني من هذا المرض تكون أطول منها في الهوس الخفيف.


ثقة بالنفس


تتغير أعراض الهوس الاكتئابي بشكل عام، وذلك بحسب الأنماط السلوكية التي يشعر بها المريض، والتي تتراوح من بلوغ القمة، والهوس، وحتى النزول للحضيض، والاكتئاب.
ويمكن أن تتراوح شدة العلامات الأولى بين المعتدلة وحتى الحادة وشديدة الخطورة، وربما تكون هناك فترات من حياة المصاب لا يعاني أي تأثير لهذا الاضطراب.
ويظهر على المصاب بالهوس الاكتئابي خلال مرحلة القمة، الهوس، إحساس بالفرحة الشديدة، والإفراط في التفاؤل، مع ثقة بالنفس كبيرة للغاية.
ويصاب بخلل في تحكيم العقل، مع تواتر الأفكار والكلام بسرعة كبيرة، ويتصرف بشكل عدواني، وينفعل عاطفياً، بالإضافة إلى زيادة نشاطه الجسماني.


تصرفات خطيرة


تقل حاجته إلى النوم، ومن الممكن أن يتصرف في هذه الحالة تصرفات خطيرة، كما يسرف في إنفاق المال، وتصبح لديه رغبة في إنجاز الكثير من الأعمال والأهداف، مع عدم القدرة على التركيز، وتناول مواد تؤدي به إلى الإدمان.
يعاني المصاب بالهوس الاكتئابي في مرحلة الحضيض بالاكتئاب من الحزن واليأس، وينعدم لديه الأمل، وتراوده أفكار انتحارية.
ويلازمه شعور بالذنب، كما أنه يصاب باضطرابات في النوم وضعف للشهية، ويشكو من الإرهاق، كما يفقد الاهتمام بالأنشطة اليومية.
وتصبح لديه مشاكل في التركيز، مع الشعور بالقلق والعصبية، ويشكو من
آلام مزمنة، والتي في الغالب لا يكون لها سبب واضح.


مشاكل عاطفية


يمكن أن يتسبب الهوس الاكتئابي في مشاكل عاطفية ونفسية خطيرة، وذلك في الحالات التي لا تعالج بصورة مناسبة وناجعة، وربما صاحبت هذه المشاكل مشاكل اقتصادية وقضائية، والتي تؤثر في مختلف مجالات حياة المصاب.
وتشمل مضاعفات هذا الاضطراب خلل في أداء المهام التي توكل للمصاب، ومشاكل في الحياة الزوجية، وبالتالي يترتب على كل ذلك الإفراط في استهلاك الكحوليات والمخدرات، والعزلة والإقصاء الاجتماعي، وأخيراً سيطرة الأفكار الانتحارية، والتي يمكن أن ينفذها بالفعل.


تغيرات فسيولوجية


يعد السبب الرئيسي وراء الإصابة بالهوس الاكتئابي غير معروف، حيث لا تتوافر معلومات رئيسية حوله، وربما ترجع الإصابة إلى عدد من عمليات الكيمياء الحيوية، والعوامل الوراثية والبيئية التي تؤدي لظهوره.
وتشير بعض الأبحاث التي أجريت بوسائل تكنولوجية متطورة إلى أن المصابين بهذا الاضطراب يحدث في أدمغتهم تغيرات فسيولوجية بشكل واضح، ويزداد خطر الإصابة بهذا الاضطراب في حالة وجود تاريخ عائلي سابق به.
ويعاني نحو 1% من مجموع السكان في العادة من هذا الاضطراب، وذلك بحسب التقديرات المنشورة،
ويمكن أن يكون هناك بعض الأشخاص مصابين إلا أن التشخيص الخاطئ لحالاتهم بسبب عدم تناسب الأعراض لديهم مع المعايير التشخيصية المعتدة، وهو ما أدى إلى تلقيهم علاجاً دوائياً على أنهم مصابون بالاكتئاب.
ويصيب الهوس الاكتئابي من النوع الأول نسبة متساوية من النساء والرجال، ويلاحظ أن النوع الثاني يكثر بين النساء، ويظهر كلا النوعين غالباً في المرحلة العمرية بين 15 إلى 30 عاماً.
ويمكن أن تزيد بعض العوامل من خطر الإصابة بهذا الاضطراب كأن يتعرض المصاب في بعض الأوقات لتوتر شديد، أو أن يتعاطى مواد تسبب الإدمان، أو يتعرض لبعض الصدمات الحادة كفقد إنسان عزيز عليه.


فحوص مشتركة


يوصي الطبيب المعالج عند شكه في أن المصاب يعاني الهوس الاكتئابي بإجراء بعض الفحوص المشتركة بين الطبية والنفسية معاً.
ويهدف من ذلك إلى نفي أي مشاكل ربما كانت سبباً في الأعراض التي يعانيها المصاب، كما أن هذه الفحوص تساعد على وضع تشخيص دقيق، ومعرفة هل هناك مضاعفات أخرى ترتبط بهذا الاضطراب؟
وتشمل معايير تشخيص الهوس الاكتئابي معاينة تاريخ ونوع النوبات التي تعرض لها المصاب، كالهوس والهوس الخفيف والاكتئاب.
وينبغي على المصاب أن يتحدث مع الطبيب المعالج لمعرفة النوع الذي يعانيه، وحتى يزيد من حجم معلوماته ومعرفته عن وضعه الصحي، ويعرف أيضاً طرق العلاج ووسائله.


طويل المدى


يعتبر الهوس الاكتئابي من الحالات التي تحتاج إلى علاج طويل المدى، ولذا يتناول المصاب أدوية مختلفة بصورة يومية وعلى مدى حياته، حتى في الفترات التي يشعر المصاب بالتحسن فيها، ويجب أن يقترن العلاج الدوائي باستشارة الطبيب النفسي بصورة دائمة.
ويتسبب تأثير هذا الاضطراب على العديد من مجالات حياة المريض اليومية والطبيعية في إشراك العديد من الأشخاص في خطة العلاج، كالمعالجين النفسيين والاجتماعيين وغيرهم.
ويعد العلاج ناجعاً ومناسباً عندما تتقلص وتيرة نوبات الهوس والاكتئاب وتقل حدتها وخطورتها، وهو ما يترتب عليه أن يمارس المريض حياته بشكل متوازن.


مهم للغاية


يعتبر العلاج الوقائي مهماً للغاية، لأنه يستمر حتى عندما يكون المريض هادئاً وتقل حدة الاضطراب، ويتعرض المصابون الذين يهملون هذا الأمر لخطر الأعراض المتكررة للمرض بشكل أكبر وأسرع.
ويضاف إلى ذلك أن المريض في هذه الحالة يكون عرضة بشكل كبير إلى أن تتحول النوبات المعتدلة إلى نوبات هوس أو اكتئاب شديدة.
ويجب في الحالات التي تعاني مشاكل بالنسبة للمشروبات الكحولية أو المخدرات علاج هذه المشاكل، وذلك لما لها من أثر سلبي على أعراض الهوس الاكتئابي.
ويعد العلاج الدوائي مركباً ومركزياً، ويشمل مثبتات المزاج، ومضادات نوبات الصرع ومضادات الاكتئاب، كما أن هناك أدوية غير روتينية مضادة لظواهر الذهان. وتساعد من لا يستفيدون من الأدوية المضادة للاختلاجات، وتساعد أيضاً الأدوية المضادة للقلق، حيث ربما حسنت من جودة النوم.


نفسي وكهربي


يجب الانتباه إلى أن هذه الأدوية تتسبب لبعض الحالات في آثار جانبية جادة وقاسية، وبالتالي فإن المريض يحتمل أن يتوقف عن تناولها، وينبغي أن يراجع طبيبه النفسي، حتى يقوم بتغيير الدواء الذي له أثر جانبي.
ويعتبر العلاج النفسي مهماً وعاملاً مركزياً ضرورياً، ويشمل هذا العلاج العلاج السلوكي الإدراكي والعلاج العائلي والجماعي.
ويعالج المرضي الذين يعانون فترات اكتئاب حاد مصاحبة لأفكار وميول انتحارية بالصدمة الكهربية، وكذلك من لا تجدي معهم وسائل العلاج الأخرى، ويتم في هذا العلاج تمرير تيار كهربائي مراقب عبر دماغ المريض، وذلك حتى تثار نوبة صرعية.
يمكن أن يتم إدخال بعض المصابين بالهوس الاكتئابي المستشفى بهدف الاستشفاء، وذلك في حالات معينة، والذي ربما ساعد في موازنة وتثبيت المزاج، بصرف النظر هل يعاني المصاب نوبة هوس شديدة أو نوبة اكتئاب عميقة.


محاذير ونصائح


يحذّر الأطباء من أن نوبات الهوس الاكتئابي عرضة للحدوث بالرغم من تناول المريض لعلاجه الدوائي، ويزيد خطر الإصابة بها مع توقف المريض بشكل مفاجئ.
ويشيرون إلى أن سرعة العلاج تساعد على تلافي تدهور حالة المصاب وتفاقم حدة المرض، مع ملاحظة أن هذا الاضطراب ليس له طريقة يستطيع الشخص من خلالها الوقاية من الإصابة به.
ويمكن أن يلجأ بعض المرضى إلى علاجات بديلة أو مكملة بهدف السيطرة والتحكم في أعراض هذا الاضطراب، وتحسين المزاج وتقليل حدة التوتر النفسي بشكل كبير.
وتشمل هذه الطرق العلاج الديني الروحاني والتأمل، وتناول المضافات الغذائية كالفيتامينات أو الأدوية ذات الأصل النباتي.
وينصح الأطباء بالحصول على قسط وافر من الراحة، مع دعم الدوائر القريبة من المصاب، كالأسرة والأصدقاء، حتى يتغلب على أعراض هذا الاضطراب.