المصدر : (أحمد حلمي سيف النصر)



الكعبة هي بيت الله الحرام والمحراب المشترك لنبضات قلوب المؤمنين، وقبلة المسلمين، جعلها الله سبحانه وتعالى مناراً للتوحيد، ورمزا للعبادة، يقول الله تعالى: "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس) (المائدة 97)، وهي أول بيت وضع للناس من أجل عبادة الله جل وعلا ...

الكعبة هي بيت الله الحرام والمحراب المشترك لنبضات قلوب المؤمنين، وقبلة المسلمين، جعلها الله سبحانه وتعالى مناراً للتوحيد، ورمزا للعبادة، يقول الله تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس) (المائدة 97)، وهي أول بيت وضع للناس من أجل عبادة الله جل وعلا، قال تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (آل عمران 96).

وقد خص الله تعالى البلد الحرام في كتابه العزيز بالتكريم، وذكره بأسماء عديدة بلغت أحد عشر اسماً، ومن هذه الأسماء: مكة، وبكة، والبلد الآمن، والبلد الأمين، والحرم الآمن، وأم القرى. كما أشار إليه في مواقع عديدة بأسماء أخرى، وأقسم به، وأعطاه ما لم يحظ به أي بلد في الدنيا.

وشاء جلت قدرته، أن تكون الكعبة المشرفة، والمسجد الحرام، فيها فكانت لهذه المشيئة آثارها ونتائجها من حيث بناء مكة، وتعميرها، وسكانها.

وفي ظاهر مكة نزل الوحي الإلهي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول سور القرآن الكريم، وتوالى الوحي بعد ذلك حتى عرفت بعض آيات القرآن الكريم بالمكية، وهي التي نزلت في مكة المكرمة والمدنية وهي التي نزلت في المدينة المنورة.

وفي أرض مكة وبطاحها، كان جهاد المسلمين الأوائل في مواجهة الشرك والضلال وعبادة الأصنام، وفيها كان نصر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، يوم دخلوها، في العام الثامن للهجرة، ظافرين منتصرين، فانتهت دولة الشرك ورفع فيها اسم الله وحده، وحطمت الأصنام، وطُهّر البيت، وباتت مكة آمنة، طاهرة، وإلى كعبتها المشرفة يتجه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها في صلواتهم خمس مرات في اليوم، وبالطواف حولها يبدأون حجهم، وبه ينهونه.

بيت الله

إن الكعبة مقطع مجسم لعمود نوراني يمتد من مركز الأرض إلى سدرة المنتهى والتي لا يفتر الإنس والجن من الطواف حولها في كل وقت وتشتاق إليها مليارات من الأرواح الطاهرة، المرئية منها وغير المرئية. أيْ أنها بناء لا مثيل ولا نظير له. فإن قلنا إن قيمتها تعادل السموات لم نقل شططاً. فاسمها في الأرض وفي السماء هو بيت الله.

وفي كل عام يهرع المؤمنون إلى جوها الروحاني الدافق والدافئ من أرجاء الارض بالطائرات أو السيارات أو البواخر، ومنذ بداية رحلتهم يضعون جانبا جميع مشاغلهم اليومية وجميع مشكلاتهم وأسباب قلقهم ويتخلصون منها. وبعد أن يلتحفوا لباس الحج الأبيض الطاهر يصلون إلى درجة ونوع قريب من الملائكية يغبطون عليها.

في هذه الرحلة المباركة يحس معظم المسلمين بأنهم يتجولون في دهشة وذهول في سواحل عالم آخر ودنيا أخرى. تراهم مرة في وقفة وقورة كوقفة شجرة دلب ضخمة، أو وقفة مهيبة كهيبة غابة صامتة، أو وقفة تذكرك بعظمة البحر الزاخر... ولكنك لن تعدم ملاحظة صفة عامة فيها، ألا وهي صفة الإخلاص والصدق.

روح البناء ومعناه

وبعد أن يتفاعل ما أحسوا به وحدسوه ورأوه وما شاهدوه طوال رحلتهم في أعماق قلوبهم وأرواحهم، يصلون إلى الكعبة التي تنتظر زوارها بشوق وتنظر اليهم وقد تطاول رأسها إلى ما وراء السموات- ويضع الحاج نفسه في شوق شديد في أحضانها.

أجل!.. إن كل قلب يشاهد المنظر الوقور للكعبة وظلّ جبهتها النورانية المنعكسة على المرمر، والمعاني التي تمثلها والتي تسمو وتتطاول نحو السموات، وجوها الذي ينبثق نورا، لا بد وأن يلمس بعض المعاني الخاصة الموجودة وراء منظر الكعبة، ويحس بلذة الهدف الذي من أجله قام بهذه الرحلة، وذلك في جو من نشوة العبادة، فيصل إلى سعادة لا توصف.

وكل من ينظر اليها بدقة يكتشف وجود رابطة قوية بين موضعها وموقعها وبين روحها ومعناها. فكأنها لم تُبْنَ بمواد بناء من الخارج بل انبثقت من جوف الأرض، أو كأن الملائكة بنتها في السماء ثم أنزلتها إلى الأرض.

إنها درة تاريخية تتضاعف قيمتها حية وجديدة ونابضة في القلوب. وكما كان آدم عليه السلام أهم مصدر من ناحية خلق وطباع جميع الأجيال التي جاءت من صلبه، كذلك الكعبة، فهي بيت في الأرض يحمل أسرار وغموض روح البناء ومعناه.

وهي تبدو وكأنها تقود حلقة ذكر بين الجبال والتلال وأكوام الحجارة الموجودة بالقرب منها والتي أحرقتها الشمس، وكأن الوجود حولها يئن بأنينها وترفع أيدي الضراعة نحو السماء ثم تصمت وتستمع إليها في خشوع.

إن الكعبة حرم مفتوح لأسرار الصديق، وما حواليها مضيف مفتوح للغير. والصفا والمروة بمثابة قمرية لمشاهدة سماء الحقيقة وتأملها. وعلى بعد خطوات هناك المقام الإبراهيمي كسلّم نوراني يقود إلى ما وراء الأفق. ثم بئر زمزم وكأنها ساقي الشراب في مجلس العشق الإلهي. وعندما يقوم كل هؤلاء معا بتحية المسافر العاشق، يحس ذلك المسافر بأنه انتقل إلى عالم آخر... إلى عالم أخروي، فيبدأ بالتطلع إلى عالم الملكوت من خلال النوافذ التي فتحت في قلبه، وتأخذ أشرعة خياله بالإبحار إلى آفاق رحبة وبعيدة، حتى يخيل إليه أنه لو خطا خطوة أخرى لوجد نفسه في ذلك العالم الخيالي الأزرق الموجود خلف الآفاق البعيدة وراء هذا العالم.

سحر خاص

في حرمها تشم الأرواح المنفتحة على الحقائق في كل وقت الروائح الفردوسية المنتشية التي تهب من جميع الجهات. والذين يهرعون إليها من جميع أصقاع العالم، ما إن يروها حتى يغيبوا عن أنفسهم ويبدأوا بالطواف حول هذا المحراب العام طواف الفراشة حول النور باحثين عن طرق الوصول إلى المصدر الحقيقي للأنوار. ومع أن الطواف الظاهري لأهل القلوب هو حول الكعبة، إلا أنه يجري في الحقيقة داخل حلزون نوراني مستند إلى القلب يغيب في المكان ويتلاشى.

الأرواح العاشقة التي تصل إلى أنس الكعبة وجوها العبق، وتحقق الوصال معها، تصل إلى بعد أعمق في فكرها العميق أصلا، وتحس بسحر الكعبة وتشعر به بشكل أقوى وبمذاق آخر.

الكعبة في نظر أمثال هؤلاء مكان عند الحضرة الإلهية. ومعناها وروحها وجوهرها في نظر الإنسان هو كأستاذ ناصح للإنسان مرشد له يهمس في قلبه شيئا ما على الدوام.

لكل وظيفة ومهمة حول الكعبة سحر خاص. ولا يمكن للقلوب المؤمنة إلا أن تبقى تحت تأثير هذا السحر. فالأرواح الطائفة حولها في كل لحظة، والتي تزداد في كل حين حتى تغدو كسيل هادر يملأ كل ما حواليها تنسى أنفسها في دوامة هذا السيل وفي دوامة مشاعر الحب والوجد والتوله، وتجد أنفسها في عالم روحاني لا يمكن وصفه. وهناك في ذلك العالم الروحاني يحس كل واحد أن كل دعاء وتضرع وتوسل تعبير عن أشواقه ولهفته، ويجد أنه إن أخفى مشاعر قلبه تجد طريقها إلى لسانه بأخفى الكلمات وأكثرها سرا... عند ذلك سيتذكر طوال حياته أحاسيسه هذه التي اتحدت في ظل تلك الأصوات والأضواء والموسيقا والتي أوصلته إلى لذائذ لا توصف ويصعب بلوغها، ويحتفظ بها كأعز وأثمن وأدوم الذكريات في حنايا فؤاده.

كانت هذه الرحلة المباركة تتم في السابق على ظهور الخيول والإبل. ويصادف كل حاج في طريقه عشرات الأضرحة والمقابر، ويزور الأماكن التي عاش فيها الأنبياء العظام ويعيش ويتحاور مع خيالاتهم، ويشترك في مجالس الأولياء والأصفياء، فيقتبس منهم نوراً لقلبه، أي تكون رحلته هذه رحلة عامرة بالمعاني، ويتسلح روحه ويتطهر وكأنه اغتسل في محراب الجمال والشعر والرومانسية، فيكون مستعداً لجميع الإلهامات والعطايا الواردة من عالم المعاني، ومستعداً بعد ذلك لطرق باب الحق تعالى.

حجة الوداع

في هذا المكان المهيب وأثناء حجة الوداع ارتقى النبي صلى الله عليه وسلم جبل الصفا فأطل على الكعبة العظمى وهتف معلنا انتهاء الوثنية:

لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير... لا إله إلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.. ولم ينس النبي صلى الله عليه وسلم أن يوضح ولو بشكل عام حقيقة كبرى هي الطريق الذي يتعين على المسلمين سلوكه بعد غياب آخر النبوات في التاريخ: أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفسه فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي.

وفي عرفات وقف النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا وراح يبين للمسلمين ثقافة الاسلام ومبشرا بعهد السلام: أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فاني لا ادري لعلي لا القاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا... ان دماءكم وأموالكم حرام عليكم الى ان تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.

ثم أعلن إلغاء العنصرية وتكريم الإنسان: أيها الناس إن ربكم واحد وان أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، ان اكرمكم عند الله اتقاكم، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.

ثم راح يؤسس لعهد جديد يسوده السلام والمحبة والوئام: من كانت عنده امانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.. وإن ربا الجاهلية موضوع، وان أول ربا أبدأ به هو ربا عمي العباس ابن عبد المطلب، لكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن دماء الجاهلية موضوعة، وان اول دم ابدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وختم كلامه الشريف قائلا: ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

وفي تلك البقعة الروحانية الجميلة هبط جبريل يحمل البلاغ الاخير:

يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس... وأدى الرسول أمانته وبلغ رسالته، وهبط جبريل مرة أخرى يعلن بشارة السماء: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا.