يصادف يوم غد الأحد في التاسع من أغسطس / آب الجاري ذكرى مرور السنة الثانية عشرة على وفاة الشاعر العربي والفلسطيني محمود درويش، الذي شكل حالة متفردة في الشعر العربي المعاصر.ومن يقرأ درويش يلحظ في نصوصه ذلك الدفق الإنساني والوجداني الشفاف، فهو مثل عاشق صوفي هائم في ملكوت الحب، وفيوض الحنين، يشتكي مرارة الفقد وتباريح الغياب، يحن إلى الوطن المفقود، وإلى الأسرة، والعائلة، والأم.. بل أن القارىء العربي لا يكاد يقرأ قصيدة له إلا وتتملكه مثل هذه المفردات الطافحة بالشوق والحنين، فهو مبدع القصيدة المتمكن من المفردة، العارف بأحوال الشعر ومقاماته، وهو بكل تأكيد يعد واحداً من أبرز الشعراء العرب، بل والعالم، وأقربهم إلى الحس الإنساني الشفيف.
هناك العديد من قصائد درويش التي تدور مواضيعها حول هذه المشاعر، فلديه نص يحمل اسم «حنين»، يعطي فيه تعريفاً للفقد، والغياب، والشوق، عندما يقول: فليس الحنين ذكرى / بل هو ما ينتقى من متحف الذاكرة / الحنين انتقائي كبستاني ماهر/ وهو تكرار للذكرى وقد صُفيت من الشوائب / وللحنين أعراض جانبية منها / إدمان الخيال / النظر إلى الوراء / والحرج من رفع الكلفة مع الممكن / والإفراط في تحويل الحاضر إلى ماض / حتى في الحب.
وحتى مماته، ظل قلب درويش يتلفت شوقاً، ويتفجر حنيناً نحو فقده الكبير فلسطين.. ولعل نص «أحن إلى خبز أمي»، يمثل ذلك الألق الشعري الفريد الذي يلمع بمفردات الغياب، ويحتشد بالعاطفة الإنسانية النبيلة، ووراء هذا النص تكمن قصة عظيمة، فهو بمثابة إعلان اعتذار لوالدته، فقد ساقه الظن أنها تفضل عليه إخوته الكبار، ولم يكن يدري أن قلب الأم لا يعرف ذلك التمييز، ولا تتسلل إليه مشاعر التفرقة، ولكنه ظن يتملّك كل الأبناء، لأنهم يطمعون في الانفراد بعطف وحنان أمهم، غير أن منعطفات الحياة، وتقلباتها، وأوجاعها، تظهر حنين الأم وعاطفتها الجياشة نحو كل واحد من أولادها حين يتعرض لصروف الدهر، وهذا ما حدث مع شاعرنا الكبير عندما تعرض لتجربة الاعتقال على يد قوات الاحتلال «الإسرائيلي» عام 1965 بتهمة إلقاء قصيدة من دون أخذ إذن تصريح، في أمسية شعرية بجامعة القدس، وعلى خلفية ذلك الأمر تم ترحيله لسجن في منطقة الرملة، حيث قضى أوقاتاً من عمره خلف القضبان الحديدية، إلى أن زارته في إحدى الأيام والدته، وقد لمح في عينيها ذلك الحزن العميق، والخوف الشديد على ابنها.
وقد التقط درويش تلك المشاعر الإنسانية في وجه أمه، وتعبيراته.. جاءت أمه في ذلك اليوم وهي تحمل الخبز والقهوة من صنع يديها، من أجل فلذة كبدها المعتقل، وعلى الرغم من أن حرس السجن رفض تماماً إدخال الطعام والقهوة لدرويش؛ فإن الأم كانت شديدة الإصرار على أن تطعم ابنها من خبز بيتها، فهو يحب ما تصنعه من أطعمة، وبالفعل تم ذلك الأمر، ودخلت الأم لتلقي نظرة على ولدها، فما إن رآها حتى ارتمى في أحضانها يتنفسها، ويشم ثيابها، ويمسح عنها الدموع، لتعود به الذاكرة إلى البيت، وتلك المشاهد التي جمعته بأمه، وقد أحس في تلك اللحظة التي احتضن فيها والدته، ورأى القلق والحزن في عينيها، بالندم والذنب الشديد تجاه مشاعره وإحساسه الخاطئ تجاه أمه، حيث لم يقدر حق التقدير حنوّها الذي لا يفرق بين الأبناء.
اختمار
كانت تلك اللحظة شديدة التأثير في قلب درويش الشاعر، فاختمرت في دواخله القصيدة، وبدأت تتجمع في أفق خياله، وقلبه، كلمات النص المحتشد بمعاني الشوق والحنين، يقول درويش متحدثاً عن ذلك الموقف العظيم: «ولما انصرفت لم أجد أجمل من الاعتذار لها إلا بكتابة القصيدة؛ اعتذار عن ظلمي لها سنوات لم أكن أفهمها كما ينبغي أن يفهم الأبناء أمهاتهم». وهو الاعتذار الذي حملته كلمات وأبيات ودفقات قصيدة «أحن إلى خبر أمي»، وعندما هم بكتابة الأبيات التي كانت تلح عليه في تلك الساعة، اكتشف أنه لا يمتلك ورقاً، وأنه لا يسمح بدخوله إلى السجن، لكن ذلك لم يفت من عزمه، فقد ولدت القصيدة، واكتملت، وحان مخاضها، ولم يتبق لها إلا أن تكتب، فاستعاض درويش عن الورق بأغلفة علب السجائر، كتبها كلمة كلمة، وبيتاً بيتاً، ومعنى في إثر معنى، فأتت محملة بالعطر الإنساني، وما إن خرجت من قلب درويش حتى سكنت كل القلوب في العالم، فخلد ذلك النص البديع، ولئن كتب على صندوق السجائر، فقد صار يكتب على أفخر الأوراق، فهو نص مسكون بالإبداع يخاطب القلوب، والمشاعر المرهفة.
اعتذار
صارت «أحن إلى خبز أمي»، أيقونة عامرة بالحنين وصدق الأحاسيس، فهذا النص الذي ولد في السجن صار رمزاً لأشياء كثيرة من ضمنها الحرية والانعتاق، وصارت الأم دالة على كثير من المعاني، منها الوطن في الحضور والغياب، وقد أطلق على النص اسم «اعتذار»، لكن القصيدة اشتهرت بين الناس ب«أحن إلى خبز أمي»، وذلك دليل سلامة حس إنساني نبيل لدى متلقي الشعر، فكلمتي «أم»، و«خبز»، أكثر وقعاً وأعظم تأثيراً في النفس، فكان أن ذاع صيتها بين العالمين، وأصبحت ملهمة للشعراء، والفنانين، والمبدعين، وقد تغنى بها كثير من المطربين كالفنان مارسيل خليفة، ما أكسبها مزيداً من الانتشار، وقد كان درويش نفسه ينحاز إلى أن تتحول الأشعار إلى أغنيات، وأناشيد، وهو في ذلك شديد التأثر بمعلمه العظيم جارسيا لوركا، الذي كان يرى بضرورة وجود وسائط، مثل الغناء، تنقل الشعر إلى الناس، ولعل ميزة الموسيقى التي جمعت بين نصوص لوركا ودرويش هي التي أتاحت إمكانية تحول قصائدهما، ونصوصهما الشعرية، إلى غنائية.
أعشق عمري
أحن إلى خبز أمي / وقهوة أمي / ولمسة أمي / وتكبر في الطفولة / يوماً على صدر يوم / وأعشق عمري لأني / إذا متّ، أخجل من دمع أمي!/ خذيني، إذا عدتُ يوماً / وشاحاً لهدبك / وغطّي عظامي بعشب / تعمّد من طهر كعبكِ / وشُدِّي وثاقي / بخصلة شعرٍ / بخيطٍ يلوِّح في ذيل ثوبكِ / ضعيني، إذا ما رجعت / وقوداً بتنور نارك /
وحبل غسيل على سطح داركِ / لأني فقدت الوقوف / بدون صلاة نهاركِ / هرمت، فردِّي نجوم الطفولة / حتى أشارك / صغار العصافير / درب الرجوع / لعشِّ انتظارك.
تلك هي الحكاية الإنسانية التي ألهمت درويش فأنتجت هذا النص الذي يستمد عبقه وسحره وفرادته من بساطة الكلمات وعمق المعاني والدلالات، إضافة إلى احتشاده بالمشاهد والوقائع، وهو ما يجعل اللغة في حالة سيولة فلا يبقى إلا الصور.