د. نورة صابر المزروعي

انطلاقاً من مبدأ القاعدة الربانية «إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم» (الرعد:11)، فإنه يجب على الإنسان أن يغير من طريقة تفكيره لكي يغير من مسار حياته إلى الأفضل. يؤكد مالك بن نبي في كتابه مشكلات الحضارة وشروط النهضة، أن شعار المفكرين يبدأ بفكرة، قد تُحدث تغيرات على المستوى الفكري، وأفضل نموذج بدأ بفكرة «روحانية» هو المنهج النبوي الذي أحدث تحولات فكرية، وانتقل من العصر الجاهلي إلى العصر الإسلامي.
مر هذا التحول الفكري بعدة مراحل وانتهى بالتوحيد، المرحلة الأولى: بناء العقيدة الإسلامية وكانت سراً في مكة المكرمة، والمرحلة الثانية: العهد النبوي وتأسيس ميثاق المدينة المنورة، والمرحلة الثالثة: الفتوحات الإسلامية وإنشاء الحضارات، والرابعة: بناء الأمة على منهج أخلاقي مرجعه القرآن الكريم والسنة النبوية. إن التحول الفكري ذاته يمر بعدة مراحل يقود الحضارات إلى نقطة تحول، ومن ثم سقوطها إلى الهاوية كالحضارتين اليونانية والرومانية، وغيرهما. وهذا ما يؤكده فيلسوف علم الاجتماعي ابن خلدون، بأن بناء الدولة يمر بعدة مراحل، وهو شبيه بمراحل النمو البشري منذ الولادة، والطفولة، والمراهقة، حتى الشباب، ثم مرحلة الكهولة، وانتهاء بالموت. هذه هي دورة طبيعية للحياة وما فيها من تحولات أو صدمات قد تؤثر إلى حد كبير في الإنسان. ومن بين هذه الصدمات التي كان وقعها كبيراً في نفوس العرب ما سمي بالصدمات الكبرى (غزو التتار، الغزو الصليبي، سقوط بغداد، سقوط الأندلس، الاستعمار الغربي للوطن العربي، سقوط الخلافة الإسلامية، احتلال فلسطين).
إن عدم تجاوز تلك الصدمات التاريخية، والجهل بأهم منعطفاتها، وعدم فهم سياق التاريخ، يخلق حالة من الانعزالية وإشكالية في التعامل مع الآخر، لعدم تقبله لمتغيرات الزمان.
يرفض التفكير الإنساني مثل هذه التحولات، ويصاب بحالة من الرفض (رفض الواقع) فيعلق في مجموعة من الافتراضات المسبقة عن الآخر. وهذا الأمر يعطل العقل البشري ويحدّ من التواصل والتفاعل مع الآخر. أكدت لنا أحداث ما يعرف ب«الربيع العربي» التي مرت بها أجزاء من الوطن العربي خللاً في الفكر الإنساني، ودفعت عدداً من الشباب العربي إلى التطرف. ولو تساءلنا: ما الذي دفعهم للقيام بذلك؟ لكانت الإجابة هي وجود خلل جذري في عدة جوانب. أولاً: خلل في فهم العقيدة الإسلامية، وثانياً خلل في فهم سياق التاريخ الإسلامي، وثالثاً: إهمال منهج التاريخ في المدارس، ما أسهم في اتساع الفجوة بين ماضي الإنسان وحاضره. وإذا تمت معالجة هذه المسائل يستطيع الإنسان أن يحدث نوعاً من التوافق النفسي مع ذاته، وتصحيح الأحكام المسبقة والأفكار المغلوطة عن الآخر، وتبني قيم جديدة تفتح قنوات للتواصل مع الآخر.

[email protected]