يكثر الحديث في الأوساط الثقافية عن تراجع شاعرية الشعراء، وكأن في ذلك تلميحاً إلى أن القصيدة الحديثة فقدت شيئاً من وهجها، أو أن اللغة الشعرية لم تعد تحتفظ بذلك الدفق العاطفي الذي ميّز عصوراً سابقة. قد يرى بعضهم هذا القول مجحفاً، لكنه يفتح باباً لسؤال أكثر عمومية: ما الذي نفتقده حقاً في إبداعنا؟
بداية لا بد أن ندرك أن الشاعر في الماضي كان يعيش في قلب الطبيعة، منغمساً في تفاصيلها، يسير على راحلته في صحراء مفتوحة، لا تشتتها أضواء المدن، وهناك حيث يتسع مدى الصمت، كان يرى وجه محبوبته في انعكاس القمر، يناجي النجوم وكأنها «أصدقاء قدامى»، فتفيض روحه غراماً، وينساب الشعر محمّلاً بصور باذخة الجمال ولدت من رحم هذا الكون الرحب.
اليوم، نحن نعيش بحمد الله، في مدن متطورة، في بيئة حضرية تتداخل فيها الأصوات والإيقاعات اليومية، لكن السؤال: كم منّا يرفع رأسه ليرى القمر فعلاً؟ وكم شاعراً يمنح نفسه فسحة ليحادث السماء بعيداً عن شاشة الهاتف وضجيج الحياة؟
الخلل ليس في الشاعر أو الشاعرية بقدر ما هو في نمط الحياة الذي أعاد تشكيل علاقتنا بالطبيعة، وأعاد تشكيل مصادر إلهامنا، فالعقل الأدبي العربي لم يتراجع عن الإبداع، ولا يمكن له ذلك من حيث المبدأ، إلا إذا أغلقناه بأيدينا، وحبسناه في شاشة صغيرة وفوضى أضواء لا تهدأ.
نحن اليوم أحوج لمن يعيد وصل العقل العربي بأرضه وسمائه، عندها سنراه يتفجر إبداعاً، ومن أراد أن يختبر ذلك، فليذهب إلى صحراء «مليحة»، حيث تمتد الرمال بلا نهاية، وتصفو السماء حتى تكاد تلمس، هناك ستجد نفسك في مواجهة الكون، تتشرب روح المكان، وفي تلك العزلة النبيلة، التي يعود فيها الإنسان إلى بساطته الأولى، ويبدأ الإصغاء، حينها، كن على يقين أن من يقضي ليلة واحدة متأملاً النجوم، سيعود بما يروي عطشنا إلى المعنى.
ما نحتاجه اليوم هو استعادة علاقتنا بالأرض، بتفاصيلها الصغيرة التي كانت تصنع الشاعرية في النفوس، فالأرض أرضنا، والسماء سماؤنا، وما بينهما فضاء واسع من الإلهام لم يستثمر بعد كما ينبغي، علينا أن نبحث في رمالنا وجبالنا وبحارنا عن بذور أفكارنا، وعن الشرارة التي تعيد للكلمة وهجها وللخيال امتداده.
الإبداع لا يولد من الفراغ، بل من الانتماء، وكلما اقتربنا من أرضنا، اقتربنا من أنفسنا، عندها سنبدع شعراً وأدبا ومعنى، فكل ما نحتاجه أن نرفع رؤوسنا قليلاً، ونبحث عن القمر.
