تتردّد في الأوساط الفكرية والنقدية مصطلحات عدّة تنسب إلى الثقافة كمصطلح «ثقافة النخبة»، وغالباً ما يصعب تعريف هذا المصطلح المثير للجدل في علاقته مع الأدب، والفنون الجميلة، وفنون الأداء، في مقابل ثقافة جماهيرية (أو شعبية)، أقل رقيّاً وتعلّماً. وبحسب ما هو منشور في (موسوعة أوروبا الحديثة: 1789-1914/ موسوعة عصر الصناعة والإمبراطورية)، أنه منذ سبعينيات القرن الفائت، جرى تعديل مفهوم الثقافة الشعبية في مجالات التاريخ الاجتماعي والتاريخ الثقافي، بشكل كبير، من خلال استكشاف مواضيع متنوعة كالثقافة المادية، والثقافة القومية، والثقافة الحضرية، وظهور الرياضات الجماهيرية. كما أن دراسة الثقافة الشعبية تعيدنا إلى القرن ال19 حيث ظلت هذه الثقافة في كثير من النواحي، محلية أو إقليمية، ولم تكن منتشرة في جميع أنحاء القارة. وشكلت مصارعة الثيران، على سبيل المثال، مركزية في الثقافة الإسبانية، كساحة مصارعة الثيران في مدريد، وطقوسها التي أسهمت في تشكيل ثقافة شعبية محلية لآلاف، بل ملايين الناس.
وبالمثل، كانت هناك اختلافات جوهرية بين الثقافة الشعبية في المدينة والقرية. كانت أوروبا الريفية في نظر بعض سكان المدن، لا تقلّ وحشية عن الدببة التي تربّيها، وكانت العديد من الثقافات الريفية (بخاصة في مناطق البحر الأبيض المتوسط) لا تزال تعيش وفقاً لسلوكات متوارثة، كالثأر، وكانت بعض المجتمعات الأخرى لا تزال تمارس أعمالاً جماعية.
إن نظرة متعمقة في الثقافة الشعبية لا بد أن تشير إلى أوجه التشابه بين المناطق المختلفة، فعلى سبيل المثال، استكشف المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم استمرار ظاهرة قطاع الطرق، التي كانت مدعومة غالباً بشبكات عائلية ومجتمعية، كما في صقلية واليونان، وأشهرها المافيا في جنوب إيطاليا، كما ازدهرت في المجتمعات الشمالية، كما في قصص روبن هود وديك توربين التي تروى باستمرار في الثقافة الشعبية الإنجليزية.
من هنا، لا ينبغي استنتاج أن الثقافة الشعبية كانت قاتمة، أو عنيفة في معظمها، فقد احتفظت معظم مناطق أوروبا بمزيج من الثقافة الشفوية والحكايات الشعبية، من الأغاني، وفرق القرى، وقاعات الموسيقى العمالية، وعروض الشوارع والمهرجانات الترفيهية، وغيرها.
وقد شهد القرن التاسع عشر تحولاً في الثقافة الشعبية، فتراجع عالم الخرافات والسحَرة والأشباح والعرافين والأوهام، تدريجياً، لتحل محلّه ثقافة أكثر عقلانية، وبحلول القرن العشرين شهدنا استبدال الثقافة الشفوية للمجتمع الريفي بالثقافة المكتوبة للمجتمع الحضري، ما أحدث تحولاً في الثقافة الشعبية.
