الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

صورة طبق الأصل

29 أبريل 2026 00:17 صباحًا | آخر تحديث: 29 أبريل 00:17 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
الحضور البارز للفن الإفريقي على الساحة العالمية، يؤكد أن قوة هذا الفن تكمن في إعادة صياغة التراث والحكاية الشعبية ضمن سياق معاصر، فتحول الفنان الإفريقي إلى «صانع للمعنى» أعاد من خلال اللوحات والأعمال الفنية والألوان، قراءة قضايا القارة السمراء مثل الهجرة والفقر، والهوية، لكن بلغة بصرية عالمية حديثة، محققاً حضوراً ووجوداً مهماً في صالات العرض وكبرى المزادات الفنية.
والمتبحر في الفن الإفريقي، يدرك أنه فنٌّ تحرر من الصورة النمطية التي كانت تختزله في نظر بعضهم في الأقنعة والتماثيل القبلية وما شابه ذلك، فشهد على أيدي الفنانين الأفارقة تحولاً نوعياً أعاد تعريف حضوره في المشهد الفني العالمي، صحيح أن هذا الإرث التراثي البصري شكّل نقطة انطلاق مهمة للفن التشكيلي الإفريقي، إلا أن الفنانين المعاصرين تعاملوا معه كمرجعية فنية قابلة لإعادة القراءة والتفكيك، في قدرة وجرأة قادرة على التفاوض بين الماضي والحاضر.
الفنان الغاني إيل أناتسوي، على سبيل المثال، أعاد توظيف خامات استهلاكية بسيطة، مثل أغطية زجاجات المشروبات، ليصنع منها أعمالاً تركيبية ضخمة متعددة الأجزاء، من أشهرها عمله «من التراب إلى التراب» و «جلد الأرض»، وهي أعمال تقع عند تقاطع النحت مع النسيج. وتستحضر هذه الأعمال موضوعات مثل الاستهلاك، والتحول المادي، وتاريخ الاستعمار، والذاكرة، وعلاقة الإنسان بالبيئة، كما أنها تستلهم في بنيتها البصرية تقاليد النسيج في غرب إفريقيا، ومنها أقمشة «الكنتي» الغانية، بما يمنحها بعداً إفريقياً متجذراً في التراث والذاكرة الجمعية.
من هنا نجد أن الفنون المعاصرة تسعى إلى توظيف الإرث التراثي كمصدر للإلهام، فتستمد منه الرموز والخامات والتقنيات والعناصر البصرية، ثم تعيد تركيبها ضمن رؤى جديدة تواكب الحاضر، وبهذا التفاعل الخلّاق بين الموروث والحداثة، تحافظ الأعمال الفنية على أصالة الإرث الثقافي وروحه العميقة، وفي الوقت نفسه تنفتح على ابتكارات الفن المعاصر وأساليبه التعبيرية المتجددة، فتغدو قادرة على الجمع بين الذاكرة والانفتاح وبين الجذور والتحول.
وفي المشهد الفني العربي المعاصر، لدينا محاولات لافتة لإعادة استثمار الإرث التراثي العربي داخل منجز فني حداثي، ولكن يجب إعادة تأويل هذا المخزون الرمزي والجمالي العريق برؤية فنية عصرية، أكثر من مجرد استدعاء وإعادة تمثيل للمشهد التراثي على شكل صورة «طبق الأصل»، يجب أن تصاغ الأعمال في بنى تشكيلية جديدة، وبهذا المعنى، يصبح التفاعل مع التراث فعلاً إبداعياً مزدوجاً، يجمع بين الوفاء للجذور والانخراط في أفق الفن العالمي، حيث تتجاور الخصوصية الثقافية مع الحداثة التعبيرية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه