القاهرة: «الخليج»

حين صدرت الأعمال الكاملة لإميل سيوران عن دار نشر جاليمار، اضطر الناشر إلى الاعتذار، عندما صدر المجلد الأول دون مقدمة أو دراسة، تتناول أعمال المؤلف، احتراماً لمبدأ آمن به سيوران، وهو عدم نشر أي كلام غير ما كتبه المؤلف، فها هو سيوران يقول في إحدى شذراته: «كل تعليق على كتاب هو سيئ أو غير مجد، فكل ما لا يأتي مباشرة لا قيمة له».
بهذه الشذرة صدر الناشر الأعمال الكاملة؛ حيث تتواتر الفكرة بصياغات مختلفة لدى سيوران منها مثلاً: «لا تنبغي الكتابة عن أحد، أبداً، لقد اقتنعت بجدوى هذه الفكرة، إلى درجة أنني كلما ملت إلى فعل ذلك، كانت فكرتي الأولى أن أهاجم الشخص الذي سأكتب عنه، حتى وإن كنت معجباً به».
عاش سيوران في مرحلة تتحدث عن الحداثة وما بعد الحداثة، لكنه اختار الابتعاد عن زمانه، سعى إلى تحطيم المعنى من أجل خوض تجربة اللامعنى- كما يقول محمد علي اليوسفي في ترجمة لشذرات سيوران- أعلن أنه ضد الفلاسفة والمقولات، وفضل شكل الكتابة المقطعية والاعتراف والحكمة المختزلة، على الخطاب المتماسك زوراً وزيفاً، فأمام الفلسفة والفكر يختار الشعر والموسيقى. عن الموسيقى يقول: «أفصل دليل على أن الموسيقى ليست من جوهر إنساني، بأي شكل من الأشكال، هو أنها لا تبعث أبداً على تصور الجحيم، إنها الفن الوحيد الذي يضفي معنى على كلمة المطلق، إنها المطلق معيشاً، لكن عبر وهم كبير، لأنه يتلاشى مع عودة الصمت».
أما الشعر فيقول عنه: «بقدر ما تطول علاقتنا بالشعر، نتمكن من مغالبة الخواء الداخلي، وبالشعر كما بالموسيقى، نلامس شيئاً ما، جوهرياً، وفي الشعر يستبعد الزمن، فإذا أنت خارج الصيرورة، الموسيقى والشعر غيبوبتان متساميتان، وفي إجابة له عن سؤال: كيف تتحمل الحياة؟ أشار إلى ضرورة الكذب من أجل الوجود.
وقال: «إن الكتابة انتحار مؤجل» وعلى نحو عدمي قال أيضاً: «الكتابة نسيان الشيء لصالح تسميته أو معرفته، إنها كتابة تعبر عن انتظار الكائن، وهي لذلك لا تأتي عبر منظومة فكرية، الكتابة المقطعية استجابة لتشظي الكائن».
ولد سيوران في مقاطعة رومانية، في 8 إبريل عام 1911 وعرف منذ طفولته بحبه للعزلة، والتنزه في الجبال المحيطة بقريته، وحصل على دبلوم حول الفيلسوف برجسون، وقد لازمته حالات من الأرق واليأس حينذاك، وألهمته كتابه الأول، ألفه سنة 1932 ونشره بعد عامين بعنوان «على ذرا اليأس» وأعقبته ب «كتاب الخدع» و«دموع وقديسون» وخلال 1934 حصل على منحة دراسية بألمانيا لإعداد أطروحة فلسفية، لكنه لم يفعل، ومر بمرحلة عقم، لم تميزها سوى رحلته إلى باريس قرر إثرها الإقامة في فرنسا التي وصلها سنة 1937.
يتحدث سيوران عن تلك الفترة قائلاً: «عشت لحظات يكون المرء فيها، مأخوذاً خارج المظاهر، هزة فورية تأخذك من دون استعداد، يجد الكائن نفسه في امتلاء خارق، أو بالأحرى في خواء حماسي، كانت تجربة عظيمة، الكشف المباشر ببطلان كل شيء، تلك الإشراقات فتحت لي مجال معرفة السعادة القصوى، التي يتحدث عنها المتصوفة، وخارج هذه العادة المؤقتة، لا يمتلك أي شيء وجوداً حقيقياً، نحن نعيش في مملكة الأشباح، ولا نعود كما كنا أبدا».
التحق بالسوربون لدراسة الإنجليزية، فاكتشف الشعراء الإنجليز، وقرر تعميق لغته الأم (الرومانية)، لكنه قرر سنة 1946 أن يقطع مع لغته الأم ومع الماضي، من أجل الإقامة النهائية في فرنسا، فبدأ يطور لغته الفرنسية، ونشر كتابه الأول بهذه اللغة عام 1949 ضمن منشورات جاليمار: «موجز التفكيك».
وحصل به على جائزة اللغة الفرنسية، المخصصة للكتاب الأجانب، وكان من بين أعضاء لجنة التحكيم أندريه جيد وجول رومان، ثم اتخذ بعدها قراراً برفض كل أنواع الجوائز، وهذا ما التزم به رغم كل العروض الكبيرة، وتأكدت قيمته ككاتب باللغة الفرنسية، وتوالت أعماله: «قياس المرارة- التاريخ واليوتوبيا- السقوط في الزمن - الاعترافات واللعنات - تمارين الإعجاب».
لم تتوسع قاعدة قرائه إلا بعد موته في عام 1995 فظهرت كتبه في سلسلة الجيب الشعبية، وكثرت ترجماته، وتناولت وسائل الإعلام كتبه، وفي مقابلة صحفية معه قال: «بقيت مجهولاً تماماً طوال ثلاثين عاماً، وكانت كتبي لا تباع قط، لقد تقبلت ذلك الوضع جيداً، لأنه يناسب رؤيتي للأشياء، الأعوام الوحيدة المهمة هي تلك التي عشتها مجهولاً، وفي ذلك لذة، مع جوانب من المرارة أحياناً، لكنها حالة خارقة».
وعن مسألة انتمائه يقول: «أشعر بأنني منفصل عن كل البلدان وعن كل المجموعات، أنا متشرد، أشبه قليلاً أولئك الرواقيين في نهاية الإمبراطورية الرومانية، من كانوا يشعرون بأنهم «مواطنو العالم» الأمر الذي يعني أنهم مواطنو اللامكان».