الشارقة: أوميد عبدالكريم إبراهيم

تستذكر الساحة الثقافية الإماراتية اليوم ذكرى مرور عام على رحيل أحد أعمدتها وقاماتها المتفردة، وهو الشاعر والكاتب حبيب الصايغ الذي وافته المنيِّة في العشرين من أغسطس/ آب العام الماضي؛ تاركاً خلفه إنتاجاً شعرياً وأدبياً غزيراً؛ فضلاً عن إسهاماته الكبيرة في الارتقاء بالواقع الثقافي الإماراتي نحو آفاق أوسع وأرحب، من خلال ترؤسه مجلس إدارة اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، وشغله منصب الأمين العام للاتحاد العام للكتّاب والأدباء العرب.
ويؤكد عدد من الشعراء والكتّاب والنقَّاد الإماراتيين والعرب في استطلاع ل«الخليج» أن رحيل الشاعر والكاتب حبيب الصايغ كان خسارة فادحة للواقع الثقافي على المستويين المحلي، والعربي، من الصعب تعويضها بسهولة، وأنه تفرَّد بصفات إبداعية وقيادية وإنسانية مكَّنته من تسنّم المكانة اللائقة التي يستحقها، ويجمعون على أن الراحل اسهم في إيصال صوت المبدع الإماراتي إلى الساحة العربية، وترك أثراً شعرياً وإرثاً إبداعياً سيظل مجال الاهتمام طويلاً.
تروي رئيسة مجلس إدارة اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، ونائبة الأمين العام للاتحاد العام للكتّاب والأدباء العرب، الهنوف محمد؛ الكثير من المواقف التي جمعتها بالراحل، وتقول: شخصياً أفتقد حبيب الصايغ كثيراً، وقد جرت الأيام ومرت سنة على رحيله، وأشعر بأن هناك شيئاً ما ينقصنا؛ لقد أمضيت معه سبع سنين علَّمني خلالها تفاصيل الحياة، وعلَّمني الدبلوماسية، وكيفية اتخاذ القرارات المهمة في حياتي، وعلَّمني كيف أكون صلبة في المحن، بفقدانه أشعر بفراغ كبير، هو فراغ الأب، والصديق، والأستاذ، باختصار يمكنني القول إنني تعلمت منه الكثير، ففي الحياة تكون هناك الكثير من القرارات أمامنا، وهو من علَّمني ألا أتعجَّل في الرد، وأن أكون حكيمة في الإجابة، وحالياً أنا أكثر شخصية تمشي على خطاه.
لقد كان الراحل يثق بي كثيراً، وكان يقولها بنفسه، وكان يرى فيَّ بعض الصفات التي كنت شخصياً أجهلها، لذلك هو من علَّمني عن نفسي، وفي يوم وفاته أصبحتُ وحيدة؛ لقد كنا خير دعم لبعضنا بعضاً، ولم تكن هناك حواجز من أي نوع ما بيننا، وكان يناديني «يا أمي»، وأنا كنت أناديه «ولدي الحبيب»، وذلك أمام العلن وفي المناسبات الرسمية، ولم أغضب يوماً عندما كان ينتقدني، والعكس صحيح؛ تعرفنا إلى بعضنا بعضاً عام 2012، وفي أحد الأيام كانت لدنيا جمعية عمومية في اتحاد الكتَّاب، فناداني أمام العلن وسألني: «لماذا يحبك جميع أفراد طاقم العمل في جريدة الخليج؟»، مع أن علاقتي به لم تكن متينة آنذاك، فأجبتهُ: «لأنَّ قلبي نقيٌّ».


نتاج أدبي


الأكاديمية والناقدة د. مريم الهاشمي، تحدثت من جهتها عن الراحل بالقول: لم يمهلني الزمن لأتعرف أكثر إلى الراحل سوى الالتقاء به مرة، أو اثنتين؛ لتسبقنا نداءات الحياة الأخرى أمام نداءاتنا التي وضعنا ورسمنا فيها آمالنا في أن تجمعنا أروقة اللقاءات والندوات وليالي الشعر والقصيد أكثر، ولا يمكنني أن أدّعي أنني تناولت قصائده دراسة كما أشتهي من الدراسة النقدية؛ إلا أن ما تناوله الكتّاب والنقاد روى شيئاً من العطش البحثيّ لديّ، وفتح نافدة للتعرف إلى الراحل الصايغ من خلال نتاجه الأدبي الذي به ظلَّ أثره في المجتمع الثقافي في الإمارات.
لقد اتخذ الراحل موقفاً عشقيَّاً وتصالحياً مع الشعر القديم، أو الكلاسيكي، وأدرك أن الشعر القديم كان مؤكداً لعبقرية الأمة؛ إلا أنه اتخذ له التجربة الشعرية الحديثة؛ ليزاوج بين الأصالة والحداثة عبر الواقع، والمتخيل، وليسرح إلى فضاءات بصرية متجاوزاً اللفظة المنطوقة التي يحكمها التسلسل والتعاقب والترابط، وكما يتحفنا الناقد الدكتور هيثم الخواجة في دراسته حول القصيدة الإماراتية المعاصرة؛ بأن «الصايغ كان يرسم لوحة في قصيدته مطرزة بالبوح، ومزركشة بالأفكار؛ فضلاً عن أنها ذات شكل ولون؛ ليتماهى مع قصيدته مشكلاً علامة من علامات الوعي بالتأسيس لشعر له امتداداته بالوجدان والفكر من دون التخلي عن الذائقتين الشعرية والجمالية»؛ لقد كان للصايغ البصمة الحبيبية في قصيدة النثر: «أنا الوهم، ويكفيني البديهي/ أنا الحلم، ويكفيني الذي ليس له وصف، ولا يشبهه ما يوصف، فأنا المختلف».


امتداد فكري


يؤكد الشاعر عبدالله الهدية أنه لا شك في أننا فقدنا قيمة وقامة ثقافية وفكرية قد لا تعوض في السنين القادمة، لأن الراحل كان إنساناً بمعنى الكلمة، واستطاع بحكمته وحنكته أن يخلق امتدادا ثقافيا وفكريا من خلال رعايته للمواهب الشابة في مختلف المجالات الأدبية والثقافية، ولم أرَ في يوم من الأيام انتقاده موهبةً شابة؛ لأنه كان يشير إلى الإيجابيات أولاً؛ ثم يُلمّح إلى السلبيات إن وجدت، وهذا قلّما نراه في شخصيات قيادية أخرى، وهناك جانب آخر يتعلق بالمواقف التي تخص الساحتين المحلية، والعربية؛ حيث رأيناه يتصدر الساحة، وكان نموذجاً للوطنية، ونموذجاً للعطاءات الفكرية التي تدافع عن الوطن وتقاوم كل الأبعاد المؤدلجة التي تحارب الفكر المتزن.
لقد كان الراحل مدرسة بحدّ ذاتها؛ سواء في الصحافة، أو الشعر؛ أو الأخلاق أو الإدارة، وهذا الإنسان الذي فقدناه من الصعب أن يعوض في الزمن الحاضر؛ لأن الصايغ كان حبيباً بالفعل لكل من تعامل معه، وكل يوم نذهل وندهش بمنتج آخر للصايغ لم نعرفه إلا بعد رحيله، وربما لبعض الظروف لم نكن نعرف أنها كُتبت بقلمه، وأعتقد أن كل ذلك صبَّ في مصلحة الثقافة الإماراتية؛ كما أدار الراحل اتحاد كتّاب الإمارات على المستويين المحلي، والعربي باقتدار، وبذل جهوداً كثيرة للارتقاء بهذا الاتحاد إلى آفاق أوسع وأرحب؛ لقد فقدنا قيمة وقامة كبيرة.


ذاكرة للحياة


تقول الشاعرة شيخة المطيري: إن كنّا قد مُنحنا ذاكرة واحدة للموت، فقد منحنا الراحل حبيب الصايغ أكثر من ذاكرة للحياة. الصايغ الذي لم يرحل إلا بعد أن اطمأن على اشتداد عود القصيدة، وشجع الشعراء وأخذ بأيديهم من دون أن يجامل أحداً على حساب الشعر. حبيب الصايغ الذي أشعر بأنني أنظر إليه الآن في الأمسية الأولى التي حضرها لي، وكيف عبَّر لي عن عدم رضاه بما قدَّمت؛ ثم توالت الأمسيات، وفي الأمسية الثانية قال: «الآن أفضل بقليل»؛ إلى أن جاءت الأمسية التي جعلته يقول: «اليوم أستطيع أن أقول إنك شاعرة»، وهذا ما شدَّني إلى الاقتراب من هذه القامة الشعرية لأتعلم أكثر، ولا أنسى حضوره الدائم في برنامج «أمير الشعراء»، ليكون أباً يتابع مشاركة ابنته.
لقد كتب الله سبحانه وتعالى أن تتغير لغة الحديث عنه في العشرين من أغسطس/ آب عام 2019 ليكون كلّ ضمير دالّ عليه ضميراً يتحدث عن الغياب ويقلق نحو الكلام وإعرابه؛ لم يكن الفقد سهلاً؛ لقد كان الخبر شظايا اخترقت الروح؛ كنتُ يومها مستقلة القطار في مدينة لندن، وحين جاء الخبر اختبأتُ في وجوه الزحام؛ رأيتُ حزني يسكن كل التفاصيل، وكنت أشعر بأن العالم قد هدأ فجأة رغم ضجيج المدينة؛ لغات كثيرة تحيط بي، ولكنني لم أكن أسمع إلا لغة الصمت، وصوتي الذي كان يردد في ألمٍ: «احترقت ألوان الفراشة يا أبي».


عطاء وفير


تشير القاصّة والكاتبة عائشة عبدالله إلى أن الساحة الثقافية الإماراتية فقدت الكثير برحيل الصايغ؛ لقد كان وجوده مهماً للكتّاب والمبدعين، ونحن نفتقده في كل فعالية ثقافية اليوم؛ لقد كانت إدارته ل «اتحاد كتّاب الإمارات» سلسة للغاية، وساهم في تذليل العقبات والخلافات، وكان يحتوي كل المواقف؛ كما كان يشجع الشباب ويحيي لهم الفعاليات الثقافية ويدعوهم لبذل العطاء، وكان ينظم الورش ويدعو إليها الكتّاب والمبدعين؛ خصوصاً من فئة الشباب؛ من أجل صقل مواهبهم؛ كما اسهم الراحل في فتح خطوط تواصل بين الاتحاد والجامعات الإماراتية من أجل تنمية مواهب الطلبة ورفدهم إلى الساحة الثقافية المحلية.
لقد ساهم الراحل كذلك في إيصال صوت المبدع الإماراتي إلى الساحتين العربية والعالمية، وعرَّف الجميع بالثقافة الإماراتية، ووجهها المشرق من خلال الوفود التي كان يصطحبها معه، وكان له دور في إبراز الكثير من الأسماء الإماراتية المبدعة التي لم تكن معروفة عربياً وعالمياً، وذلك من خلال إقامة كمٍّ كبير من الفعاليات الثقافية؛ فضلاً عن مساهمته في ترجمة الكثير من الأعمال الإبداعية الإماراتية إلى عدة لغات أجنبية، وكان من أكثر الداعمين للمسرح والعاملين في هذا المجال أيضاً.


فضاءات جمالية


يرى الناقد الأدبي د. هيثم الخواجة أنه عندما نتحدث عن حركة الشعر المعاصر في الإمارات؛ لا بد أن نتوقف عند تجربة الصايغ لكونها تجربة لها سماتها المميزة؛ لقد استطاع الصايغ الذي كتب القصائد الكلاسيكية، والتفعيلة، والنثر؛ أن يبدع شعراً مميزاً مكَّنه من أن يتسنَّم مكانة لائقة بين شعراء عصره، ففي بنية قصيدته الشعرية رونق من خلال رصده للواقع ولحركة الحياة؛ ليقتنص أفكاراً مهمة وأسئلة مستفزة تتجاوز الألم بحثاً عن الخلاص، وتتخطى العذابات التي تحيط بهذا الكون؛ لقد ركَّز الصايغ في قصيدته على البعدين الرمزي، والدلالي، واهتم بالتكثيف ؛ ليكون نصه متخماً بالدلالات التي تدهش القارئ وتدفعه إلى حيز الإجابات الغامضة؛ نائياً بشعره عن الفجاجة والخطابية والمباشرة المنفرة، ومن ميزات شعر الصايغ توظيف التكرار في قصيدته وإثارة الأسئلة النابضة، والاهتمام بالتشكيل الاستنادي، وباللغة الاقتصادية وكناياتها الجمالية. ما يمكن إضافته في هذا الصدد هو تلفع نصوصه برداء الثنائيات الضدية التي تبرز الصراع، وكذلك اهتمامه بالغموض الذي يوازي الألغاز، والأحاجي، وتركيزه على الانزياحات اللغوية الدالَّة والمؤثرة، والأساليب السردية الشعرية المجازية والملونة، وغير ذلك من اتجاهات تخدم نصه الشعري وتنهض به إلى فضاءات جمالية وفكرية، والجدير بالذكر في هذه العجالة هو اهتمامه بالقصيدة الطويلة مثل قصيدة «أُسمّي الردى ولدي»، من منطلق إيمانه بالنص الواحد الكلي الذي يغدو أكثر ثراءً؛ سواء كان ذلك في الهدف والمغزى؛ أو في الجماليات؛ أو في البُعدين التعبيري والدلالي، والفضاء الإبداعي؛ أو في مركزية الفكرة ورؤاها التي تشكل عبر البوح الصادق والنسيج السردي الفني العميق.


شخصية قيادية



تتحدث مديرة المكتب الثقافي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة صالحة غابش عن شخصية الشاعر الراحل قائلة: في بداياتي كان الصايغ يشرف على باب «نادي القلم» في الصفحة الثقافية بإحدى الصحف المحلية، وكان من أكثر المشجعين للكتّاب الإماراتيين في ذلك الوقت، وأتذكر أنني أرسلت إليه إحدى القصائد ذات يوم، وكان ردّه لي كالتالي: «أنت شاعرة قادمة مع الأيام»؛ مع العلم أنني كنت لا أزال أشق طريقي في عالم الشعر حينذاك، وكأنه، رحمه الله، كان يستشرف مستقبل الكاتب في حال أخذ الكاتب نفسه كلامه على محمل الجد، وهذه كانت بمثابة رسالة لي لأشق طريقي، وأنا أذكر هذا الموقف دائماً وأقول إنه ترك أثراً كبيراً في مسيرتي الإبداعية.
حبيب الصايغ كان شخصية ثقافية إبداعية لا تدور حول ذاتها، ولكنها تشعُّ قيادة؛ حيث كان يعشق القيادة، وقد حقق ذلك ونجح فيه، وهذا الأمر لم يكن جديداً عليه، فقد كان يستشرف من خلال التجارب البسيطة المستقبلَ الذي سيكون عليه هذا المبدع، أو ذاك، وأعتقد أن لكثير منّا مواقف لا تنسى مع الصايغ، ويمكن القول إنه اجتهد لرفع مستوى الثقافة الإماراتية، وكان يعكس الثقافة الإماراتية في المحافل العربية والدولية، كما ساهم في دعم اتحاد الكتّاب الإماراتيين ليكون للثقافة الإماراتية شأنها على المستويين العربي والدولي.


«وردة الكهولة»



صدر عن مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، ضمن سلسلة «الفائزون» الكتاب الشعري الجديد بعنوان: (وردة الكهولة) للشاعر الراحل حبيب الصايغ (1955 2019)، وكان الصايغ قد فاز ب«جائزة سلطان بن علي العويس حقل الشعر» في الدورة الرابعة عشرة (2014 2015)، وجاء في حيثيات الفوز حسب لجنة التحكيم: (قررت اللجنة منح الجائزة للشاعر حبيب الصايغ؛ لكونه أحد رواد الحداثة الشعرية في الخليج العربي، ولجهوده في تجديد شكل القصيدة وإيقاعاتها ومضامينها، بأنماطها الثلاثة: العمود، التفعيلة، والنثر؛ فجعلها مرايا شعرية نُبصر من خلالها مكابدات الإنسان العربي أنّى كان، وأخرجها من محليتها إلى رحابة الهم الإنساني العام).