بعد كل فضيحة مالية يأتي السؤال: أين كانت هيئات التنظيم؟ الجواب التلقائي في كل مرة: «نائمون على المقود». عندما فتحت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية تحقيقًا رسميًا في شركة فساد شركة «إنرون» عام 2001، كانت عملاق تجارة الطاقة قد نزفت 83٪ من قيمتها السوقية، وكانت على وشك إعلان إفلاسها.
في الآونة الأخيرة، أظهرت سلسلة من فضائح غسيل الأموال في أوروبا أن هيئات تنظيم الأسواق قد فاتتها كل مؤشرات الخطر لعدة سنوات. واليوم تكشف حالة انهيار شركة «ويركارد» الألمانية لخدمات التقنيات المالية أن الأمور أشد حرجاً.
ومعلوم لدى الجميع الدور الذي تقوم به شركة التدقيق المحاسبي «بافين»، المصنفة رقم واحد في ضبط حركة الاقتصادات الأوروبية. فقد تبين في الأشهر التي سبقت الكشف الصادم في يونيو الماضي عن ضياع 1.9 مليار يورو (2.2 مليار دولار) من النقد في دفاتر «ويركارد»، أن «بافين» كانت تتغاضى عن التحقيق مع «بطل وطني» في مجال المدفوعات الإلكترونية، بل إنها كانت تلاحق الأشخاص الذين يحاولون فضح ممارساتها المحاسبية المراوغة.
وعندما تراكمت الأدلة على الممارسات الوهمية في تقارير صحيفة «فايننشال تايمز» بناءً على إفادات المبلغين عن المخالفات والوثائق الداخلية، قدمت «بافين» شكوى جنائية في أبريل - ضد مراسلي الصحيفة والعديد من البائعين على المكشوف. و قبل بضعة أشهر، فرضت حظراً على بيع أسهم «ويركارد» على المكشوف، في مؤشر على دعمها الذي جنب الشركة أقوى ضغوط الأسواق المالية. وقبل ذلك عندما نشرت شركة «زاتارا ريسيرتش» تقريراً سلبياً شكك في ضبط المخاطر لدى «ويركارد» سارعت «بافين» إلى ملاحقة الشركة صاحبة التقرير قضائياً.
لا شك أن التحيز المؤسسي والتعامي عن الأخطاء المحاسبية ليس جديداً. فقد فشلت لجنة الأوراق المالية والبورصات في الكشف عن مخطط «بونزي لبيرني مادوف» لعدة عقود، رغم تكرار التحذيرات من قبل المبلغين عن المخالفات، لأن بادوف كان شخصية بارزة في المؤسسة. ومن المحتمل أن يكون نجاح «ويركارد» قد أعمى «بافين» بنفس الطريقة كما فعل في المدققين والمساهمين المتفائلين ووسائل الإعلام الألمانية.
ولكن في محاولة لشرح الأسباب التي حدت بشركة «بافين» لاستخدام مواردها المحدودة لملاحقة منتقدي «ويركارد»، فإن تعليقات رئيسها فيليكس هوفيلد، في شهري يوليو وأغسطس قد كشفت كل أساليبها الملتوية. فقد شكلت الأعذار والتبريرات الدفاعية جوهر القضية. وقال هوفيبلد إن شركته لم يكن لديها السلطة للتحقيق الكامل في عمليات احتيال «ويركارد»، وإنها بذلت كل ما في وسعها لتحفيز الهيئات الرقابية والمدعين العامين على اتخاذ إجراء. وبلغ هوفيلد حد القول إنه على الرغم من امتلاكها ترخيصًا مصرفيًا، فقد تم تصنيف «ويركارد» كشركة تكنولوجيا - وهو خطأ فادح في الفئة لدرجة أنه يشبه وصف لحم البقر «بورجينيون» بأنه طبق نباتي.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو الكشف عن أن الموظفين في «بافين» كانوا يتداولون في أسهم «ويركارد» في الأشهر التي سبقت إفلاسها. قد يكون مستوى التداول منخفضًا بشكل عام، ولكن نظرًا لدور «بافين» كمشرف على الشركة فلا شك أن النتائج مروّعة.
ومع مقاومة هوفيلد دعوات التنحي، ووجود الكثير من الأسئلة بلا إجابة، فلا عجب أن المشرعين الألمان قرروا إجراء تحقيق برلماني كامل. مثل هذه الخطوة ستحظى باهتمام واسع وربما تكشف إلى أي مدى سيطرت «ويركارد» على المؤسسة السياسية والمالية الألمانية.
لكن ما نحتاجه حقًا هو إصلاح نظام الإشراف التنظيمي في ألمانيا. بينما لا يتوقع أحد فرض نظام ملاحقة قضائي على الطريقة الأمريكية بين عشية وضحاها، هناك أمل ضعيف في أن تتمكن «بافين» من التخلص من تصرفاتها والاستفادة من درس الفضيحة.
تتطلب الأسواق المالية المترابطة في أوروبا وجود جهات تنظيمية قوية. قد تكون «ويركارد» حالة متطرفة وفظيعة، لكنها كشفت عن وجود ثغرات في اللوائح التنظيمية الألمانية ونقص في فهم المخاطر التي يمكن أن تتحملها معالجات الدفع وشركات التكنولوجيا المالية. هذه مشكلة كبرى بالنظر إلى الدور المتزايد للتكنولوجيا المالية. ومما يثير القلق أن 31٪ من شركات التكنولوجيا المالية في أوروبا لا تخضع لأي نظام إشراف.
* بلومبيرج
أين هيئات التنظيم؟
6 سبتمبر 2020 02:44 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 سبتمبر 02:44 2020
شارك
ليونيل لورنت *