رفاعة الطهطاوي.. عبقرية الخروج من ظلام التخلف

قامات إسلامية
02:16 صباحا
قراءة 5 دقائق
بقلم: محمد حماد

رفاعة الطهطاوي (1216 هجرية الموافق 1801 ميلادية - 1290 هجرية الموافق 1873 ميلادية)، أطلق عليه كثير من المؤرخين والمفكرين لقب رائد التنوير في العصر الحديث، وعد في موسوعات المجددين واحداً من مجددي القرن الثالث عشر الهجري، وهو باتفاق الجميع من قادة النهضة العلمية والفكرية في مصر والوطن العربي.
ولد رفاعة رافع الطهطاوي في 15 أكتوبر 1801م، بمدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، ونشأ في أسرة كريمة الأصل شريفة النسب، فأبوه ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وأمه فاطمة بنت الشيخ أحمد الفرغلي، ينتهي نسبها إلى قبيلة الخزرج الأنصارية.
لقي رفاعة الطهطاوي عناية من أبيه، فحفظ القرآن الكريم، وبعد وفاة والده وجد من أخواله اهتماماً كبيراً؛ حيث دفعوا به إلى الشيوخ والعلماء، فحفظ على أيديهم المتون التي كانت متداولة في ذلك العصر، وقرأ عليهم شيئاً من الفقه والنحو.
سافر رفاعة الطهطاوي إلى القاهرة، وهناك التحق وهو في السادسة عشرة من عمره بالأزهر في عام 1817 م، وشملت دراسته في الأزهر الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف.. وغير ذلك من علوم الدين، خدم بعدها إماماً في الجيش النظامي الجديد عام 1824.

منعطف كبير

هذا الشاب الأزهري الذي بعثه حاكم مصر محمد علي باشا إلى فرنسا؛ ليكون إماماً لبعثة فنية تكون نواة للتقدم العلمي لمصر عام 1826، كان دوره المنوط به؛ يتمثل في الحفاظ على ثوابت العقيدة والقيم لدى المبعوثين، وكان أستاذه الشيخ حسن العطار الذي رشحه لهذه المهمة قد طلب منه متابعة ما يراه في باريس وتدوينه.
وكانت هذه المهمة هي المنعطف الكبير في حياة الطهطاوي؛ بل وفي تاريخ مصر والمنطقة التي كانت ترزح تحت وطأة التخلف الفكري والثقافي والحضاري للدولة العثمانية التي عزلت مصر عن العالم الخارجي، فكان كتاب الطهطاوي الشهير «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، وكتبه الأخرى، خطوة نحو آفاق جديدة من المفاهيم والأفكار.
جاءت أهم إضافة إلى معارف الطهطاوي وطريقة تفكيره باحتكاكه المباشر مع الثقافة الغربية في واحدة من أهم عواصم تلك الثقافة، وكان لهذا الاحتكاك المباشر أثر كبير في توسيع مدارك الشيخ الشاب، الذي حرص رغم ذلك على الاحتفاظ بشخصيته المصرية الصعيدية، والاستمساك بدينه، ولا عجب في أن نرى الطهطاوي يرد في كتابه «تخليص الإبريز» على مقولة الغربيين بأنهم أساتذتنا في سائر العلوم، فيقول: «إننا كنا في زمن الخلفاء العباسيين أكمل سائر البلاد تمدناً ورفاهية، وتربية زاهرة زاهية، وسبب ذلك أن الخلفاء كانوا يعينون العلماء وأرباب الفنون. وغيرهم، على أن منهم من كان يشتغل بها بنفسه، فانظر إلى المأمون بن هارون الرشيد فإنه كان يشغل بنفسه بتعلم الفلك وقد حرر ميل دائرة فلك البروج على دائرة الاستواء فوجد ثلاثاً وعشرين درجة وخمساً وثلاثين دقيقة ميلاً».

مدرسة الألسن

أخذ الطهطاوي من المدنية الغربية أحسنها وأقومها وما يتناسب وبيئته المصرية، فرجع إلى وطنه حاملا شعلة التنوير وقد اعتزم خدمة مصر بالعلم والتعليم، فأعانه الله فأبر بوعده ووفى بعهده، فنشر العلوم والمعارف، فتخرج على يديه جيل من خيرة علماء مصر، حملوا مصباح العلم والعرفان وأضاؤوا به أرجاء البلاد.
ولا يمكن تلخيص الأثر الكبير الذي تركه الطهطاوي في عدة سطور أو فقرات قليلة، ولكن يبقى أنه أول من افتتح أول مدرسة للغات في مصر، والتي أصبحت تعرف لاحقاً ب«مدرسة الألسن»، وتعد أهم إنجازاته وأساس النهضة في مصر الحديثة التي أرادها رفاعة وسطاً بين الأصالة والمعاصرة، وفي هذه المدرسة، أنشأ أقساماً متخصصة لترجمة علوم الرياضيات والطبيعيات والإنسانيات، ومدرسة المحاسبة لدراسة الاقتصاد ومدرسة إدارة لدراسة العلوم السياسية، وكان الطهطاوي يقوم إلى جانب إدارته الفنية للمدرسة باختيار الكتب التي يترجمها تلاميذ المدرسة، ومراجعتها وتحريرها.
وكذلك يعد الطهطاوي أول من أنشأ متحفاً للآثار في تاريخ مصر الحديث، فنراه يبدأ في جمع الآثار المصرية القديمة، ويستصدر أمراً لصيانتها ومنعها من التهريب والضياع، كما يعد أول منشئ لصحيفة أخبار في مصر بعد أن قام بتغيير شكل جريدة «الوقائع المصرية»، بعد أن جعل الأخبار المصرية المادة الأساسية بدلاً من التركية، فهو أول من أحيا المقال السياسي عبر افتتاحيته في جريدة «الوقائع».

إحياء التراث الإسلامي

وكان الطهطاوي أول من سعى إلى إنجاز أول مشروع لإحياء التراث العربي الإسلامي، فنجح في إقناع الحكومة بطبع العديد من أمهات الكتب، مثل: «تفسير مفاتيح الغيب» للفخر الرازي، و«معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» في البلاغة، و«خزانة الأدب» للبغدادي، ومقامات الحريري، وغيرها من أمهات كتبنا العربية، والتي لم تكن متوافرة في ذلك العصر.
رأى الطهطاوي أن القيمة العليا في الحضارة العربية والإسلامية تكمن في العدالة، ومن هنا كانت نظرته إلى المرأة في العالم الإسلامي والتي اعتبرها حاضنة الحضارة ومستودع فضائل الأمة، فكان يقول عنها: «إن مقياس تمدن الأمم هو درجة احترامها للمرأة، فكلما كانت الأمة متقدمة زاد احترامها للمرأة والعكس بالعكس»، وقد نادى بأهمية تعلم المرأة في كتابه «المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين».
في دراسة بعنوان «التاريخ والعلم في جدال الحداثة في مصر في القرن التاسع عشر»، كتب الدكتور محمد عبد الوهاب جلال أن القرن التاسع عشر شهد تعاقب ثلاثة أجيال من الأزهريين الإصلاحيين أهم رموزها على الترتيب رفاعة الطهطاوي، وعبد الله فكري، ومحمد عبده. وقد عملوا جميعاً في المؤسسات «الحديثة» للدولة مثل المدارس والإدارة والصحف والقضاء. وشاركوا في محاولة إزالة العقبات التي اعترضت العلم الجديد، الذي كان من أهم أدوات الدولة «الحديثة». ومن أجل ذلك استخدموا رصيدهم الديني، من علم ومكانة وانتماء للأزهر، في صياغة خطاب توفيقي بين العلم والدين. وكان التاريخ أحد مكونات ذلك الخطاب، لكن بدرجات متفاوتة جسدت كل منها الحالة الفكرية للمرحلة.

نضال رسالي

من أدق ما كتب عن دور رفاعة الطهطاوي ما جاد به قلم المفكر الإسلامي الراحل الدكتور محمد عمارة رحمه الله، في كتابه «رفاعة رائد التنوير في العصر الحديث»، الذي أكد في مقدمته على أبوة الطهطاوي لحركة اليقظة العربية الحديثة وريادته لدرب الصحوة الوطنية والتنبه القومي، ووصله حركة اليقظة التي صنعها بعصر المجد العربي وفترات ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، وقيادته العقل العربي وإرشاده كي يتخطى عصور التراجع المملوكية والعثمانية التي سادت عالمنا لأكثر من خمسة قرون. ومثل هذا التقييم وحده يجعل رفاعة الطهطاوي على رأس قائمة المجددين في القرن الثالث عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي.
ومرة أخرى يعود الدكتور عمارة في نهاية كتابه؛ ليؤكد مجدداً تحت عنوان «ذلكم هو رفاعة الطهطاوي»، على أنه واحد من أبر الأبناء بأمته، مصري، صعيدي وشيخ أزهري معمم ضم إلى ثقافته العربية الإسلامية خلاصة كنوز الفكر الغربي وعلوم الحضارة الأوروبية النظرية منها والعملية، فلما عاد إلى وطنه ناضل نضال أصحاب الرسالات؛ كي يخرج أمته من الكهف المظلم الذي احتبسها فيه المماليك والعثمانيون إلى رحابة عصر اليقظة والنهضة والتنوير. ولقد استعان على ذلك بكل ما هو مشرق وصالح ومستنير في تراث الأمة، وكل ما هو ملائم في حضارة أوروبا فكان الرائد الذي ارتاد لأمته العديد من ميادين التقدم والإصلاح والتجديد.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"