يوسف أبولوز
وراء استمرارية مشروع الشارقة الثقافي منذ نهاية سبعينات القرن العشرين وحتى اليوم أكثر من سبب، وأكثر من تدبير إداري ورؤيوي وتطبيقي، والحديث عن صفة الاستمرارية لهذا المشروع الإماراتي العربي العالمي له ما يبرره في هذا الوقت بالذات، وفي هذه الدورة (39) من معرض الشارقة الدولي للكتاب؛ وهي دورة استثنائية بكل معنى الكلمة، وسمّيها أيضاً دورة تحدي المناخ النفسي العالمي العام الذي نشره وباء كورونا في جهات العالم الأربع.
هذا التحدّي الذي جاء بطابع ثقافي شجاع، هو أيضاً شكل آخر من أشكال استمرارية مشروع الشارقة الثقافي الذي لم يتوقف، ولم يتأثر بأي معطيات أو طوارئ مهما كانت طبيعتها وظروفها العالمية والإقليمية.
(1)
الاستمرارية، إذاً، ميزة ملحوظة في تاريخ مشروع الشارقة الثقافي؛ وذلك لأنه مشروع أصيل، انطلق أولاً من مبادئ وأفكار ورؤى؛ هدفها الأول والأخير إعلاء شأن الثقافة العربية، وإعلاء شأن أية ثقافة إنسانية، تنويرية، مستقبلية، تنسجم مع روح مشروع الشارقة الثقافي وتجاوره وتتكامل معه في القيم والأخلاقيات التي تسم عادة كل ثقافة مقبولة ومُرَحَّبْ بها عند شعوب وحضارات العالم، وفي ضوء هذه الأساسيات والأوليّات، فإنه من الطبيعي ألا يتوقف أو يؤجل أي نشاط مركزي في مشروع الشارقة الثقافي لأي سبب كان.إن أهم صفة ارتبطت بمشروع الشارقة الثقافي أنه ليس مشروعاً مسيّساً، كما أنه ليس مشروعاً مؤدلجاً محكوماً إلى تيار فكري أحادي ضيّق يخدم سلطة بعينها، أو يخدم حزباً أو منظمة أو جهة أو تكتل. إن مشروع الشارقة الثقافي ليس انحيازياً، وليس أيديولوجياً وعقائدياً كما هو الحال عند النظم السياسية الحزبية العربية وغير العربية التي تشتغل على الثقافة بوصفها خادمة للحزب، وتجيّر الثقافة لمصلحة السلطة السياسية الأحادية الشمولية - ولذلك، فإن مثل هذه المشاريع الثقافية المحشوة بالسياسة والنظريات والتنظيرات النفعية الوظيفية للتخديم على حزب أو سلطة أو تيار بعينه.. مثل هذه المشاريع قد سقطت تماماً، فلم تعش ولم تعمّر سوى سنوات قليلة، وانهارت مع انهيار الأحزاب والنظم والسلطات السياسية التي صنعتها.
مشروع الشارقة الثقافي تواصل واستمر ونما وكبر وتجدّد وحاضر إلى اليوم في الذاكرة الثقافية العربية منذ السبعينات وإلى الآن، وسيبقى على هذه الاستمرارية والديمومة؛ لأنه مشروع غير مسيّس ويتجه في بوصلته وأخلاقياته إلى الثقافة، وإلى الثقافة الصافية -الخالية تماماً من أي شوائب سياسية أو نفعية أو ارتهانية، فالمشروع الشارقي يرتهن إلى الإبداع والجماليات والآداب والفنون، والكتابة، والمعرفة، والعلوم - كما هي عليه بصفائها وفطرتها وطهرها الذي لم تتلاعب به السياسة، ولم يتلاعب به وباء فكري أو تتلاعب به جائحة أيديولوجية، عقائدية أو حزبية.
نظافة مشروع الشارقة الثقافي، واستقلاليته الفكرية والمعرفية هي دافع لاستمراريته، فكل كاتب ومثقف وفنان وشاعر، ومفكر، وناقد، وناشر في روحه شيء من روح مشروع الشارقة الثقافي يجد نفسه تلقائياً إلى جانب هذا المشروع.
كل مثقف عربي مستقل، ووطني، وإنساني يرى بالضرورة صورته في صورة مشروع الشارقة الثقافي، وبالضرورة أيضاً سيجد نفسه يدعم هذا المشروع، ويعمل على استمراريته؛ لأن مشروع الشارقة الثقافي هو مشروعه، وحلمه، وهويته الأدبية والأخلاقية والفكرية.
الكتّاب والمثقفون العرب الذين نجوا من شبائك ومتاهات واستغلاليات السياسة لا مكان لهم إلاّ هوية مشروع الشارقة الثقافي، وهنا، ولأكثر من مرّة نؤكد استقلالية واستمرارية مشروع التنوير الشارقي استناداً إلى خلوّه من جائحة التسييس التي لا تقتل الثقافة فقط؛ بل وتقتل أيضاً حتى البشر الذين يجدون أنفسهم مخدّرين ومخدوعين أيضاً بالشعارات والعناوين واليافطات التي مآلها دائماً إلى التجاهل والنسيان.
يتوجه مشروع الشارقة الثقافي إلى المعرفة أولاً وأخيراً. إن ثوابت هذا المشروع لا تقبل الانزياح أو التلوّن.. بل هي ثوابت صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، الأب الروحي والأدبي والإداري والعملي لهذا المشروع الذي نأى به سموه عن السياسة والتسييس، وسوف أعود الآن إلى الدورة السادسة والثلاثين من معرض الشارقة الدولي للكتاب في عام 2017، ففي تلك الدورة قال صاحب السمو حاكم الشارقة: «أنه من دعاة الثقافة والمعرفة وليس من أصحاب السياسة»، وقال سموه في مداخلة تقدم بها خلال جلسة حوارية تناولت علاقة الثقافة بالسياسة في تلك الدورة من معرض الكتاب «أنه من الضروري النأي بالثقافة عن الأمور السياسية، فللسياسة ظروفها ومتطلباتها، ومنهج الشارقة في مشروعها الثقافي والتنموي عدم الخوض في أمور السياسة، والتركيز على خدمة الإنسان وزيادة مداركه العلمية والفكرية»، وأضاف سموه: « إن المشروع الثقافي للشارقة يشمل الوطن العربي وسعى إلى وحدة العالم العربي بعيداً عن الأمور السياسية».
بهذه التأكيدات من جانب صاحب السمو حاكم الشارقة تتبلور أكثر فأكثر استقلالية مشروع الشارقة الثقافي، وتصبح استمراريته تحصيل حاصل طالما أن مفردات هذا المشروع الأساسية جاءت بقلم رجل حكيم ينأى بمشروعه ومشروع بلاده ومشروع المثقفين العرب عن كل ما يعرقل ثوابته وأهدافه ومستقبله.
لم يكتفِ صاحب السمو حاكم الشارقة بوضع المفردات المبدئية الأساسية لمشروعه الأدبي الفني الجمالي فقط؛ بل، وإلى جانب ذلك سموه شريك عامل وفاعل في هذا المشروع، فقد أعطى المسرح في الإمارات أعمالاً تاريخية عديدة؛ تحوّلت إلى عروض مبهرة على خشبة الإمارات المسرحية، وأبهرت جمهور المسرح المثقف في عواصم أوروبية تشاهد للمرة الأولى مسرحاً تاريخياً يستلهم من الماضي وَيُسقط على الحاضر بأسلوب مسرحي فني يخلو من الشعار السياسي الفاقع؛ بل التاريخ وحده هنا هو الملهم للمؤلف المسرحي الذي يعرف كيف ينأى بمادّته المسرحية عن أي أهواء سياسية.
(2)
نتجه الآن إلى خاصية أخرى في هوية مشروع الشارقة الثقافي؛ وهي تدرّجه المنطقي من المحلية (الإماراتية)، إلى «العربية»، إلى العالمية، وَأستخدِمُ هنا عبارة التدرّج المنطقي عن قصد وعن رؤية وعن متابعة، فالمشروع المستمر منذ نهاية السبعينات وحتى اليوم بقوّة استقلاليته وانتماء المثقفين العرب إليه كان ولا يزال حاضنة أمينة تشجيعية تكريمية للكتّاب الإماراتيين، وبخاصة في بداياته وحتى اليوم، والمشروع أيضاً حاضنة أمينة للكتّاب العرب المقيمين في الدولة، هؤلاء الشركاء النبلاء الذين أسهموا في معمار هذا المشروع، وما زالوا يسهمون إلى جانب زملائهم وأصدقائهم من مثقفي مشروع الشارقة الإماراتيين بتنوّعهم التقليدي: الكتّاب، الشعراء، الروائيون، المسرحيون، الفنانون، التشكيليون، التراثيون، المعماريون، الآثاريون، وغيرهم ممّن وُلِدوا مع مشروع الشارقة الثقافي، وكبروا معه، ونضجوا فيه، وراهنوا عليه.
وبتدرّج منطقي مرة ثانية، أخذ مشروع الشارقة الثقافي يُبلور امتداداته العربية: بيوت الشعر العربية في الأردن، مصر، المغرب، تونس، السودان، موريتانيا، ومكاتب تمثيل الهيئة العربية للمسرح في أكثر من 15 مدينة عربية، ثم تنقّل فعاليات ثقافية إماراتية في عواصم ومدن عربية بالتنسيق مع وزارات الثقافة العربية، ومن أهم هذه الفعاليات.. عروض مسرحية، وقراءات شعرية، وندوات وملتقيات يحييها كتّاب عرب، وتقام في بلدانهم.
لقد ألغى مشروع الشارقة الثقافي فكرة القُطْرية، والجهوية، والمحدودية الجغرافية؛ وذلك بانتقال فعاليات المشروع الإماراتي إلى الأفق العربي، وبالطبع، لا ننسى احتفاء هذا المشروع بالكاتب العربي، وبخاصة الكتّاب الشباب «الإصدار الأول»، وهؤلاء يجدون تكريمهم هنا في الشارقة، وسوف تكون أوّل إصداراتهم قد رأت النور في الإمارات.
بعد الأفق العربي، حقّقْ مشروع الشارقة الثقافي أفقه العالمي من خلال المسرح، ومن خلال الترجمة، ومن خلال الحضور المنتظم للشارقة في معارض الكتب الدولية، لا بل إننا نجد تمثّلات عالمية هذا المشروع هنا في الشارقة خلال معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي توسّع في السنوات الأخيرة على مستوى الأجنحة الأجنبية من شرق العالم ومن غربه، ثقافات عالمية متجاورة ومتكاملة وفّر لها مشروع الحياة والمحبة والتسامح فرص التجاور والتحاور والتكامل.
من خصائص أو ميزات مشروع الشارقة الثقافي أيضاً اعتماده على ثنائيات توازنية لا بدّ منها، وهي تشكّل معادلة ثابتة في هذا المشروع، ومن تلك الثنائيات: ثنائية الحداثي والتراثي، فالمشروع يعتمد دائماً صيغة الوسطية الثقافية بحيث تحضر دائماً مرجعيات التراث والثقافة الشعبية والموروث المادي والمعنوي والآثاري، إلى جانب حضور الحداثة الأدبية، والمعمارية، والفنية في الكتابة والمسرح والفنون التشكيلية.
ترتبط الأصالة بالمعاصرة في صميم مشروع الشارقة الثقافي، وبالتالي، ستكون له خاصية تلقائية في هذه الحال، وهي الانفتاح على ثقافات وحضارات وأدبيات وجماليات العالم كلّه.
نلاحظ ذلك، وهذا مثال فقط، في أيّام الشارقة التراثية؛ حيث تلتقي ثقافات شعبية عديدة من العالم هنا في الشارقة، لا بل إن معرض الشارقة الدولي للكتاب في حدّ ذاته هو ملتقى ثقافات وملتقى حضارات، وملتقى ناشرين، وملتقى كتّاب وشعراء يمثّلون معاً «الثلاثية» التي أشرنا إليها قبل قليل؛ وهي: «المحلية، العربية، العالمية».
(3)
هذه «الثلاثية» المشار إليها عند الحديث عن مراحل وتاريخ وَنَقَلات مشروع الشارقة الثقافي؛ أي المحلية، والعربية، والعالمية؛ ستنتج قيماً إنسانية، ثقافية - وجمالية لمشروع الشارقة الثقافي، ومصدر ذلك هو «الكتاب».. الذي هو عِقْد الإنسانية المبرم ضمنياً بين الشعوب والثقافات والحضارات التي تحترم تاريخها الثقافي، وبطبيعة الحال ستحترم التاريخ الثقافي لوطننا العربي، وسوف يجد هذا التاريخ حمايته وحاضنته هنا في مكوّنات مشروع الشارقة الثقافي.
مرة ثانية، وُجِدَتْ هذه المكوّنات عبر الوقت، والخبرة، والتجربة والإدارة.. إنها سردية من المكوّنات عنوانها الأول تلك «المبادرات» المتعاقبة في تاريخ مشروع الشارقة الثقافي: أولاً.. إن بيت مشروع الشارقة الثقافي يتمثل مادياً ومعنوياً وروحياً ونفسياً في دائرة الثقافة. إن الدائرة هي أم المشروع، وهي فضاؤه الواقعي والرمزي معاً.
لا يمكن فصل مشروع الشارقة الثقافي عن دائرة الثقافة في الشارقة. لقد وُلِدَ هذا المشروع قبل قيام الدائرة، ولكنه لحق بكينونتها المؤسسية بوصفها حاملاً إدارياً وتنظيمياً وحتى روحياً للمشروع الذي سيولد في رحابه الكثير من الكيانات التي أصبحت اليوم علامات فارقة في مشروع الشارقة الثقافي: معرض الكتاب، أيام الشارقة المسرحية، بينالي الشارقة، مدينة الشارقة للكتاب، مدينة الشارقة للنشر، ثقافة بلا حدود، جمعية الناشرين الإماراتيين، بيت الحكمة، المقهى الأدبي. الشارقة ذات العواصم الثلاث: عاصمة الثقافة العربية، عاصمة الثقافة الإسلامية، عاصمة الكتاب العالمية، ثقافة الطفل، معرض الكتاب المستعمل، التراث، الآثار، المجلات الثقافية المنتظمة: الشارقة الثقافية، الناشر الأسبوعي، الحيرة من الشارقة، الوسطى، الشرقية... وغيرها من مطبوعات وترجمات.
علامات فارقة
لا يمكن فصل مشروع الشارقة الثقافي عن دائرة الثقافة في الشارقة. لقد وُلِدَ هذا المشروع قبل قيام الدائرة، ولكنه لحق بكينونتها المؤسسية بوصفها حاملاً إدارياً وتنظيمياً وحتى روحياً للمشروع الذي سيولد في رحابه الكثير من الكيانات التي أصبحت اليوم علامات فارقة في مشروع الشارقة الثقافي