غاب محمد صالح القرق عن هذه الفانية بعد سيرة عطرة إنسانية أخلاقية ثقافية يعرفها الوسط الثقافي الإماراتي جيداً، والخليجي، والعربي، كما يعرف هذا الوسط تواضع هذا الرجل الطيب الجميل في مجالسه وفي حضوره المعتاد في المواقف الثقافية المحلية.
محمد صالح القرق نموذج رفيع القيمة الأدبية، مثقف موسوعي، أديب أصيل كان ينهل علومه ومعارفه من التراث العربي، ومن الكتب المرجعية والموسوعات الشاملة والمتخصصة.
ينتمي محمد صالح القرق إلى عائلة كريمة مثقفة مبكراً، فوالده كان يمتلك مكتبة غنية بأصول وفروع الثقافة الأدبية العربية، وتاريخ الأدب العربي ورجالاته القدامى الذين سيكون لهم أكبر الأثر في التكوين الثقافي لهذا الرجل الموسوعي الأصيل.
عرفت محمد صالح القرق منذ أواخر ثمانينات القرن العشرين، وعندما أنجز ترجمته الصافية لرباعيات الخيام بعد تسع سنوات من الانقطاع الصادق لروحية هذا الشاعر العالمي، زرته في منزله العامر وأذكر في منطقة الجميرا، وأمضيت نحو ساعتين في ضيافة هذا الرجل النبيل، وكان يومها فرحاً بإتمامه الترجمة، وأخذني إلى أرفف وكنوز مكتبته، كما عرفت منه أن هناك نحو 400 ترجمة للخيام على أيدي عرب وغير عرب، وكانت له ملاحظاته على الكثير من هذه الترجمات، لكن القرق، ولصفاء روحه الطاهرة معروف عنه أنه لم يدخل في صراع جدلي مع أحد، وكان منقطعاً إلى ذاته الثقافية، ويتابع كل مجريات الحياة الثقافية في الإمارات بصمت ونبل، وله دائماً نظرته النقدية الخاصة به، بعيداً عن السجالات العلنية الحادّة أحياناً، والمتوترة في أحيان أخرى.
محمد صالح القرق جمع بين الأدب والترجمة والثقافة الموسوعية العربية، ولم يكن ذلك من فراغ، فهو قارئ تخصصي يقرأ بأربع لغات: العربية، الإنجليزية، الفارسية، الأوردية.
أمران آخران يترتب الانتباه إليهما في شخصية هذا الأديب الإماراتي الأمين للتراث الأدبي.. أولاً: أنه كرّس الكثير من زياراته وماله ووقته للأدب وجمع الكتب النّادرة التي تخدم خطه الثقافي والأدبي، فقد كانت أسفاره خارج الإمارات هي أسفار ثقافية أدبية إن جاز الوصف باحثاً عن المكتبات والموسوعات والمخطوطات والكتب المرجعية الأدبية التراثية، وهذه خصلة تميّز بها الراحل كما تميز بها أبناء جيله الذين يرفعون من شأن الأدب ويعتبرونه روح الحياة، وروح الإنسانية.
الأمر الثاني الذي يتوجب أن ننتبه إليه ونحن نكتب عن رجل صادق أمين لجوهره الأدبي هو أن محمد صالح القرق له مراسلات عديدة على مدى عشرات السنوات مع أدباء عرب وفي منطقة الخليج العربي، ومن باب الوفاء لهذا الأديب الأصيل أن يجري جمع هذه المراسلات وإصدارها في كتاب، بالطبع، بعد إذن ذويه الكرام، فمن المتوقع أن هذه المراسلات تحمل قيمة أدبية وتاريخية لها اعتباريتها الثقافية.

[email protected]