مستقبل العالم في زمن «كورونا»

00:08 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. عصام نعمان

لا أحد في العالم يعرف متى تنحسر جائحة كورونا. قد تنحسر في زمان ومكان، وقد تتواصل في كل الأمكنة والأزمنة. أياً ما كان حالها، فإنها ستترك انعكاسات وتداعيات على كل مناحي الحياة. لعل أكثرها تأثراً وتحولاً في زمانها وما بعده هو ما يتصل منها بحقول خمسة: السلطة والصحة والحرية والاجتماع والاقتصاد.

السلطة هي الفاعل الأول والأقوى في المجتمعات والكيانات والدول في عالمنا لأنها هي التي تقود وتوجّه وتفرض وتمنح وتمنع. بيد مَن ستكون السلطة؟ بيد الذي يملك أدوات القوة والمعرفة، كما هي الحال الآن؟ أم بيد الذي يملك  الأدوية وتجهيزات الصحة ووسائل المعالجة والاستشفاء؟ هل معيار التملك كمي أم نوعي أم زمني ؟ وهل تولي السلطة سيكون وقفاً على الأصحاء أم مفتوحاً للجميع؟

الصحة فاعل مقرر ومتزايد الأهمية نظراً لدورها الحاسم في حياة الجنس البشري وبقائه. الوعي بأهمية هذا الفاعل يولد حساسية حادة وحاجة طاغية عند الناس حيال كل ما يتصل بتأمين الصحة من دواء ووسائل استشفاء وعناية، كما يولد ضغوطاً عارمة متواصلة على السلطة لتوفيرها بسخاء. لذا ستكون الصحة، في كل وجوهها ومتطلباتها، خدمة عامة برعاية الدولة وعلى نفقتها.

الحرية حاجة مرادفة للحياة نفسها. أهميتها تعادل تلك التي للغذاء والدواء والأمان. بسبب تواصل جائحة كورونا وما تتركه من آثار وأضرار على صحة الفرد والجماعة، تجد السلطة نفسها في وضع يضطرها لتنظيم ممارسة الحرية الشخصية والحريات العامة على نحو يتطلب المزيد من الضوابط والقيود. ذلك كله يفضي إلى تداعيات على الفرد والجماعة تتبدى في رفض ضيق أو واسع لتقييد الحرية، وإلى تنظيم حملات أو إقامة تنظيمات شعبية مناهضة للسلطة المنفذة لنهج الضبط والربط.

الاجتماع، بمعنى التجمع والعلاقات الاجتماعية، سيتأثر بوجوه عدة بسبب تواصل الجائحة. ذلك أن السلطة ستضطر لوضع قيود على الاجتماعات والتجمعات في مختلف الأمكنة والأزمنة، وتفرض أوقاتاً لمنع التجوال، وتبتدع مقاربات ومناهج وطرائق وأنظمة وترتيبات تتناول وتشمل مختلف حقول التعليم والتدريب والتصنيع والتطبيب والنقل والسجون والشرطة والجيوش، وسائر الأنشطة التي تتطلب إشتراك أو مشاركة أعداد كبيرة من الناس.

للاقتصاد والمال دور وفاعلية في جميع الحقول آنفة الذكر. ثمة أسئلة تطرح في هذا المجال: على مَن تُفرض الضرائب؟ على الناس أجمعين أم على الأصحاء فقط من دون المصابين؟ هل تصبح الصحة مرفقاً عاماً تابعاً للدولة يستفيد منه كل الناس، وليس المواطنين فقط، لأن العدوى لا جنسية ولا طبقة اجتماعية لها؟ هل يكون الجميع خاضعين أيضاً للأنظمة والترتيبات الموضوعة لفحوص إلزامية، ولتناول اللقاحات والأدوية المتوجبة دورياً أو بحسب تعليمات الأطباء المختصين؟ ثم، هل يكون استيراد الأدوية وقفاً على الدولة أم نشاطاً مشتركاً للقطاعين العام والخاص؟ هل يُصار، محلياً وإقليمياً ودولياً، إلى إقامة صندوق سيادي صحي دائم يُموّل بنسبة مئوية عالية من الميزانية العامة، مهمته تغطية تكلفة المصابين بالآثار الجانبية لأدوية الجائحات، والتعويض على المصابين؟

إلى ذلك، ثمة انعكاسات وتداعيات تتعرض لها العلاقات الدولية نتيجة استشراء جائحة كورونا وأضرارها وطرائق معالجتها أو التلكؤ في التعاون لمكافحتها على جميع المستويات. ذلك يؤدي إلى إعادة النظر في التحالفات الدولية والإقليمية، السياسية والأمنية القائمة، وإلى نشوء تحالفات جديدة في ضوء التحديات والحاجات المستجدة.

غير أن أبرز التطورات في هذا المجال سيكون إعلاء شأن منظمة الصحة العالمية، تمويلاً وتنظيماً وتزويداً بصلاحيات ومهام إضافية. ولن يمر وقت طويل قبل أن يصار إلى تعديل ميثاق الأمم المتحدة لتصبح عضويتها والمشاركة الإلزامية في تمويلها شرطاً لازماً لجميع الدول.

باختصار، الصحة بكل وجوهها ومتطلباتها ستصبح الفاعل والمشتَرَك العام الأكثر حضوراً وفاعلية في العلاقات الوطنية والدولية.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"