الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عصام نعمان
أستاذ محاضر في القانون الدستوري
أحدث مقالات عصام نعمان
26 ديسمبر 2020
من اقتصاد المعرفة إلى اقتصاد الصحة

د. عصام نعمان

بات العالم برمته حيال السلالة الجديدة من جائحة كورونا قريةً كونية واحدة. جميع الدول والشعوب باتت مهددة بمفاعيل سلالاته القديمة والجديدة ومدعوة تالياً الى تنسيق جهود المواجهة.

 مبعث القلق والاستنفار قدرة سلالته الجديدة على الانتشار بنسبة تصل إلى 70 في المئة من سابقتها لدرجة حملت وزير الصحة البريطاني ماط هانكوك على القول: «يا للأسف. السلالة الجديدة خارجة عن السيطرة». قال ذلك بعدما تبيّن أن السلالة الجديدة مسؤولة عن 60 في المئة من الإصابات في العاصمة لندن وجوارها ما أخضع أكثر من 16 مليون بريطاني لإجراءات إغلاق جديدة وصارمة دخلت حيز التنفيذ منذ يوم الأحد الماضي في لندن وجنوب شرق بريطانيا.

 سرعةُ انتشار السلالة الجديدة حملت دول أوروبا، خصوصاً الأقرب إلى بريطانيا كفرنسا وهولندا، إلى تجميد عمليات النقل والانتقال معها، بحراً وجواً. منظمة الصحة العالمية سارعت بدورها إلى دعوة دول أوروبا إلى «مضاعفة قيودها» ما أدى إلى حظر الطيران والقطارات القادمة من بريطانيا.

 الذعر من سرعة انتشار السلالة الجديدة فعل فعله في جميع أنحاء العالم، من غرب أوروبا إلى شرق آسيا وصولاً إلى أمريكا الشمالية والجنوبية وإفريقيا.

 إنه زمن كورونا بامتياز، لكنه ليس الوحيد. التاريخ ينطق بحقيقة إضافية مفادها أن لكل زمن دولة ورجالاً.. وكورونا بشكل أو بآخر. فخلال الحرب العالمية الأولى 1914 -1918 اندلعت جائحة إنفلونزا واسعة أطلق الناس عليها في المشرق العربي اسم «الحمّى الإسبانية»، ظنّاً منهم أن منطلقها كان إسبانيا، وعمّت أوروبا كما أمريكا. قبلها، عمّت العالم في قرون عدّة جائحات فتّاكة أخرى كالطاعون والكوليرا فضلاً عن الإنفلونزا بمختلف أصنافها.

 لعل كورونا أعظم الجائحات المرصودة لسببين: الأول، الثورة في تكنولوجيا المعلومات التي حوّلت عالمنا كله إلى قرية كونية من حيث التواصل والاتصال وسرعة رصد الواقعات، ونقلها ما جعل العالم برمته معنياً بمواجهة تحدٍّ مشترك وبالغ الخطورة. الثاني، نشوء تحوّلات بالغة التأثير في الاجتماع والاقتصاد والسياسة.

 في الاجتماع، أدت سرعة انتشار كورونا وضحاياها إلى فرض قيود صارمة على الانتقال والنقل والتجمّع والتماسّ الشخصي المباشر بين الناس نتيجةَ قيود التباعد والإغلاق وحظر التجمعات بمختلف أشكالها وغاياتها. هذا التحوّل المستجد ترك وسيترك آثاراً في العلاقات الشخصية الإنسانية الحميمة وربما يؤدي، بقليل أو كثير، إلى خفض معدلات التناسل بين الناس.

 في الاقتصاد، نشأت وستنشأ تحوّلات بالغة التأثير. ذلك أن الثورة في تكنولوجيا المعلومات أنجبت ما جرى التعارف على تسميته «اقتصاد المعرفة» الذي أنجب بدوره صناعة واسعة، منتجة، ومؤثرة في ميادين الاقتصاد جميعاً. غير أن ظهور جائحة كورونا بكل مخاطرها أدى إلى نقل الجهود الخاصة والعامة من اقتصاد المعرفة إلى ما يمكن تسميته «اقتصاد الصحة»، بمعنى التركيز على أولوية إنتاج الأدوية والآليات والطرائق الكفيلة بالحدّ من انتشار الجائحة المستجدة ومعالجتها، وخصوصاً تعزيز التعاون المحلي والعالمي في هذا السبيل. ولاشك في أن التركيز على مختلف وجوه اقتصاد الصحة عزز وسيعزز باطّراد المنافسة في اختراع الأدوية اللازمة لمواجهة جائحة كورونا بكل سلالاتها، وتأسيس الشركات والمؤسسات المعنية بذلك، وتخصيص مليارات الأموال بشتى العملات من أجل تنمية صناعة إنتاج الأدوية وتعميمها.

 في السياسة، ستنشأ بالضرورة حوافز ومصالح متعددة بين المجتمعات والشعوب والدول للتعاون والتحالف أو للتنافس والتصارع. قد لا تكون صيغ التعاون والتحالف والتنافس على حساب التحالفات السياسية والعسكرية الراهنة، لكنها ستتجاوزها بالضرورة من حيث هوية وقدرات وجغرافية أطرافها في العالم المعاصر.

 في هذا السياق، سيتراجع الاهتمام بمسألة السيادة وصونها لصالح المزيد من الاهتمام والتركيز على مسألة التعاون والتنسيق في إطار منظمات دولية قائمة، كمنظمة الصحة العالمية، أو منظمات جديدة تتطلبها تحديات جائحة كورونا ومتطلبات مواجهتها في ميادين متعددة.

 لا غلوّ في القول إن كفة الفعل والحضور في قابل الأيام ستميل وترجّح اقتصاد الصحة من دون الانتقاص من أهمية اقتصاد المعرفة ودوره في حياة الناس والشعوب والدول.

[email protected]

13 ديسمبر 2020
لبنان: «الثلث المعطّل» يعطّل

د. عصام نعمان

يعيش لبنان (أو لا يعيش؟) من دون حكومة منذ انفجار مرفأ بيروت مطلعَ شهر أغسطس/آب الماضي. فقد استقالت حكومة حسان دياب ولم يستطع أهل اللاحل واللاربط بين «الحاكمين» تأليف حكومة بديلة حتى بعدما توافقوا على تسمية سعد الحريري رئيساً مكلفاً لتأليف حكومة جديدة. فقد أمضى الحريري أربعة أشهر ونيّف في اتصالات ومشاورات ومحاولات للتوصل إلى صيغة تسوية للحكومة المطلوبة، ولكن دونما جدوى.. لماذا؟

 لأسباب متعددة، هاكم أهمها:

 ثمة خلاف على عدد الوزراء في الحكومة الجديدة. رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يريدها موسعة، عددُ وزرائها لا يقل عن 22، فيما الحريري يريدها مصغّرة بِ 18 وزيراً.

 تتصل بحجم الحكومة مسألة خلافية أخرى هي «الثلث المعطّل». ذلك أن المادة 65 من الدستور تنصّ على أن بعض القرارات لا يستطيع مجلس الوزراء إقرارها إلاّ بأكثرية ثلثي عدد أعضائه. وعليه، يريد الرئيس عون حيازة الثلث المعطّل ليكون قرار الحكومة بيده، في حين أن الحريري يريد الثلث المعطّل لنفسه.

 تزداد هذه المسألة تعقيداً بوجود الفقرة 4 من المادة 53 من الدستور التي تنص على تشارك الرئيسين في تشكيل الحكومة بحيث يُوقَع مرسوم تشكيلها من الرئيسين معاً. وفي حال اختلافهما يتأخر تأليف الحكومة إلى ما شاء الله.

 ليست القوى السياسية المتنافرة في الداخل وحدها من يدلي بشروطٍ لتأليف الحكومة بل تشاطرها هذا الموقف قوى وازنة في الخارج. فالرئيس الفرنسي مانويل ماكرون كان حضر إلى لبنان مرتين لحثّ زعماء القوى السياسية على الخروج من الأزمة وفقاً لمبادئ معينة ضمّنها مذكرة وعده معظم الزعماء بالتزامها في تشكيل الحكومة. أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد هدد بالمزيد من العقوبات إذا ما جرى تمثيل حزب الله في الحكومة الجديدة.

 الرئيسان عون والحريري وافقا على تلبية مطلبي ماكرون وترامب، إلاّ أنهما اصطدما بإصرار رؤساء الكتل البرلمانية على تسمية حصصهم من الوزراء في الحكومة الجديدة أو الموافقة على أسمائهم مسبقاً كشرط لمنحها الثقة.

 إلى ذلك، تتنازع القوى السياسية المتنافرة على جملة قضايا خلافية أهمها مسألة رفع دعم الحكومة لمجموعة من المواد والسلع المتعلقة بالغذاء والدواء والوقود، أو ترشيد الدعم باختصار عددها ونوعها، ومسألة التدقيق المحاسبي والجنائي لحسابات مصرف لبنان المركزي والمصارف الخاصة وإدارات الدولة ومؤسساتها ومجالسها، لاسيما بعدما امتنع مصرف لبنان عن تسليم «شركة الفاريز ومارسال» المستندات المتعلقة بحسابات الدولة وحسابات المودعين في المصارف بدعوى التزام أحكام قانون السرية المصرفية، ومسألة تسهيل تحويل مبالغ بالدولار لتأمين أقساط الطلاب اللبنانين الذين يدرسون في جامعات خارج لبنان، ومسألة سلاح حزب الله ومطالبة خصومه بضرورة تسليمه للدولة.

 غير أن المسألة الأكثر إثارة للجدل والاختلاف هي إجراء انتخابات نيابية مبكرة أو عدم إجرائها قبل انتهاء ولاية البرلمان الحالي في شهر مايو/أيار سنة 2022. محور الجدل والاختلاف قانون الانتخابات الجديد، إذ تطالب قوى سياسية متعددة بإقراره قبل الانتخابات القادمة. فقد تقدّمت الكتلة البرلمانية لرئيس مجلس النواب نبيه بري باقتراح قانون مبني على أسس اعتماد لبنان كله دائرة وطنية واحدة، والتمثيل النسبي، وخفض سنّ الاقتراع إلى الثامنة عشرة، وعدم التقيّد بالتوزيع الطائفي للمقاعد النيابية. إلا أن القوى السياسية المسيحية رفضت اقتراح القانون هذا بحجة أنه مخالف للمناصفة (الطائفية) المنصوص عليها في الدستور، ويخدم القوى السياسية الإسلامية كما العلمانية.

 إزاء هذه الخلافات التي تكتنف مسألتي تشكيل الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة أو عدم إجرائها، كما الخلاف بشأن قانون الانتخابات الجديد، ينهض سؤال ملحاً: هل تتوافق القوى السياسية المتناحرة على إجراء إنتخابات مبكرة في ظلّ أحكام قانون الانتخابات الحالي، وهل يمكن أن تتوافق هذه القوى المتناحرة على انتخاب رئيس جمهورية جديد خلفاً للرئيس عون الذي تنتهي ولايته في شهر تشرين الاول/أكتوبر سنة 2022؟

 من الصعب التبّرع بجواب قاطع في الوقت الحاضر. ومع ذلك، يجب التحسّب لاحتمالين خطيرين: الأول، انفجار صراع أهلي أمني يحول دون إجراء انتخاب برلمان ورئيس جمهورية جديدين. الثاني، أن يؤدي الصراع بين القوى السياسية إلى توافق على تمديد ولاية مجلس النواب الحالي سنة أو سنتين، وكذلك تمديد ولاية الرئيس عون مدة مماثلة.

 في كلتا الحالتين، لن يكون وضع لبنان في السنوات الأربع المقبلة آمناً.. فحدّة الأزمات التي تعصف به قد تدفعه إلى مهاوي اضطرابات أمنية تنعكس سلباً على كيانه الوطني الهش.

21 نوفمبر 2020
مستقبل العالم في زمن «كورونا»

د. عصام نعمان

لا أحد في العالم يعرف متى تنحسر جائحة كورونا. قد تنحسر في زمان ومكان، وقد تتواصل في كل الأمكنة والأزمنة. أياً ما كان حالها، فإنها ستترك انعكاسات وتداعيات على كل مناحي الحياة. لعل أكثرها تأثراً وتحولاً في زمانها وما بعده هو ما يتصل منها بحقول خمسة: السلطة والصحة والحرية والاجتماع والاقتصاد.

السلطة هي الفاعل الأول والأقوى في المجتمعات والكيانات والدول في عالمنا لأنها هي التي تقود وتوجّه وتفرض وتمنح وتمنع. بيد مَن ستكون السلطة؟ بيد الذي يملك أدوات القوة والمعرفة، كما هي الحال الآن؟ أم بيد الذي يملك  الأدوية وتجهيزات الصحة ووسائل المعالجة والاستشفاء؟ هل معيار التملك كمي أم نوعي أم زمني ؟ وهل تولي السلطة سيكون وقفاً على الأصحاء أم مفتوحاً للجميع؟

الصحة فاعل مقرر ومتزايد الأهمية نظراً لدورها الحاسم في حياة الجنس البشري وبقائه. الوعي بأهمية هذا الفاعل يولد حساسية حادة وحاجة طاغية عند الناس حيال كل ما يتصل بتأمين الصحة من دواء ووسائل استشفاء وعناية، كما يولد ضغوطاً عارمة متواصلة على السلطة لتوفيرها بسخاء. لذا ستكون الصحة، في كل وجوهها ومتطلباتها، خدمة عامة برعاية الدولة وعلى نفقتها.

الحرية حاجة مرادفة للحياة نفسها. أهميتها تعادل تلك التي للغذاء والدواء والأمان. بسبب تواصل جائحة كورونا وما تتركه من آثار وأضرار على صحة الفرد والجماعة، تجد السلطة نفسها في وضع يضطرها لتنظيم ممارسة الحرية الشخصية والحريات العامة على نحو يتطلب المزيد من الضوابط والقيود. ذلك كله يفضي إلى تداعيات على الفرد والجماعة تتبدى في رفض ضيق أو واسع لتقييد الحرية، وإلى تنظيم حملات أو إقامة تنظيمات شعبية مناهضة للسلطة المنفذة لنهج الضبط والربط.

الاجتماع، بمعنى التجمع والعلاقات الاجتماعية، سيتأثر بوجوه عدة بسبب تواصل الجائحة. ذلك أن السلطة ستضطر لوضع قيود على الاجتماعات والتجمعات في مختلف الأمكنة والأزمنة، وتفرض أوقاتاً لمنع التجوال، وتبتدع مقاربات ومناهج وطرائق وأنظمة وترتيبات تتناول وتشمل مختلف حقول التعليم والتدريب والتصنيع والتطبيب والنقل والسجون والشرطة والجيوش، وسائر الأنشطة التي تتطلب إشتراك أو مشاركة أعداد كبيرة من الناس.

للاقتصاد والمال دور وفاعلية في جميع الحقول آنفة الذكر. ثمة أسئلة تطرح في هذا المجال: على مَن تُفرض الضرائب؟ على الناس أجمعين أم على الأصحاء فقط من دون المصابين؟ هل تصبح الصحة مرفقاً عاماً تابعاً للدولة يستفيد منه كل الناس، وليس المواطنين فقط، لأن العدوى لا جنسية ولا طبقة اجتماعية لها؟ هل يكون الجميع خاضعين أيضاً للأنظمة والترتيبات الموضوعة لفحوص إلزامية، ولتناول اللقاحات والأدوية المتوجبة دورياً أو بحسب تعليمات الأطباء المختصين؟ ثم، هل يكون استيراد الأدوية وقفاً على الدولة أم نشاطاً مشتركاً للقطاعين العام والخاص؟ هل يُصار، محلياً وإقليمياً ودولياً، إلى إقامة صندوق سيادي صحي دائم يُموّل بنسبة مئوية عالية من الميزانية العامة، مهمته تغطية تكلفة المصابين بالآثار الجانبية لأدوية الجائحات، والتعويض على المصابين؟

إلى ذلك، ثمة انعكاسات وتداعيات تتعرض لها العلاقات الدولية نتيجة استشراء جائحة كورونا وأضرارها وطرائق معالجتها أو التلكؤ في التعاون لمكافحتها على جميع المستويات. ذلك يؤدي إلى إعادة النظر في التحالفات الدولية والإقليمية، السياسية والأمنية القائمة، وإلى نشوء تحالفات جديدة في ضوء التحديات والحاجات المستجدة.

غير أن أبرز التطورات في هذا المجال سيكون إعلاء شأن منظمة الصحة العالمية، تمويلاً وتنظيماً وتزويداً بصلاحيات ومهام إضافية. ولن يمر وقت طويل قبل أن يصار إلى تعديل ميثاق الأمم المتحدة لتصبح عضويتها والمشاركة الإلزامية في تمويلها شرطاً لازماً لجميع الدول.

باختصار، الصحة بكل وجوهها ومتطلباتها ستصبح الفاعل والمشتَرَك العام الأكثر حضوراً وفاعلية في العلاقات الوطنية والدولية.

[email protected]

6 نوفمبر 2020
«الذئاب الرمادية» محل «الدواعش»

د. عصام نعمان

تقاسي اوروبا حالياً، من جائحتين: كورونا المتفاقمة، والإرهاب المتجدد. فما كادت فرنسا تلملم جراحها بعد العملية الإرهابية المدوّية في كنيسة نوتردام، بمدينة نيسن حتى نفّذ إرهابي من اصل ألباني عملية إرهابية مروّعة في قلب فيينا، عاصمة النمسا.

 وأضفى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في ردّة فعله على الجريمة النكراء طابعاً دينياً، وكذلك فعل غيره من السياسيين، وبعض الإعلام.

 إضفاء طابع إسلامي على جرائم الإرهابيين استثار مشاعر وعتب عدد من رؤساء دول إسلامية كانوا استنكروا وشجبوا، بشدّة، تلك الجرائم، وأعلنوا تضامنهم مع فرنسا. وزير خارجية فرنسا جان ايف لودريان، تفهّم مشاعر الرؤساء المسلمين، وعتبهم فكان أن بعث من أمام الجمعية الوطنية الفرنسية ب«رسالة سلام إلى العالم الإسلامي» لفت فيها إلى أن فرنسا كانت دائماً «بلد التسامح، لا الازدراء، أو النبذ».

 وظاهرة استشراء الإرهاب في دول أوروبا استوقفت المسؤولين السياسيين، والأمنيين. ففي حين تمّت العمليتان الإرهابيتان في باريس، ونيس، على يدَي شخصين لم يثبت التحقيق أنهما ينتميان إلى تنظيم إرهابي معيّن، ما جعلهما أقرب إلى توصيف «الذئاب المنفردة»، فإن الإرهابي الألباني الأصل، حامل جنسية مقدونيا الشمالية الذي نفذّ عملية فيينا تبيّن أنه «داعشي»، بل إن تنظيم «داعش» أصدر بياناً تبنّى فيه العملية الإجرامية.

 وتنظيم «داعش» لا ينشط، على ما يبدو، في دول أوروبا، وحسب، فهو يقوم بعمليات خاطفة في كل من العراق، وسوريا، أيضاً، ويشتبك بوتيرة شبه يومية مع أجهزة الأمن المحلية فيهما.

 إلى ذلك، تبيّن أن لتنظيم «داعش» منافساً قوياً. أين؟ في فرنسا تحديداً. فقد أعلن، يوم الثلاثاء الماضي، وزير الداخلية الفرنسي جيرالد بارمان «ان الحكومة الفرنسية ستتخذ قراراً بحلّ «حركة الذئاب الرمادية» القومية التركية المتطرفة. وكانت أجهزة التحقيق الفرنسية وجهت أصابع الاتهام إلى هذه الحركة بعد الصدامات التي وقعت أخيراً، بين الجاليتين التركية، والأرمنية، في ديسين- شاربيو قرب مدينة ليون (شرق). كذلك، كتبت عبارة «الذئاب الرمادية» على نصب تكريمي لضحايا الإبادة والمركز الوطني للذاكرة الأرمنية قرب ليون، ليل السبت-الأحد الماضي.

 من تراها تكون «الذئاب الرمادية»؟ تُعتبر هذه المنظمة المتطرفة الذراع المسلّحة لحزب الحركة القومية التركي الذي يعارض أيّ تسوية سياسية مع الكرد الأتراك، وهو يعادي الأرمن بالطبع، وقد أُتهم في الماضي بممارسة انشطه إرهابية.

 وتُركّز «الذئاب الرمادية» في دعوتها وأفكارها على تفوّق العرق والشعب التركيين، ووجوب استعادة أمجادهما، وتاريخهما التليد، والسعي لتوحيد الشعوب التركية في دولة واحدة تمتد من منطقة البلقان في أوروبا، إلى آسيا الوسطى. هذه القواسم المشتركة هي التي تجمع بين «الذئاب الرمادية»، ومن ورائها حزب الحركة القومية، وحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي أردوغان.

 اللافت في أدبيات حركة «الذئاب الرمادية»، وسياستها، التشدد في محاولتها الدمج بين الهوية التركية، والإسلام. ويتبدّى ذلك في خطابات مسؤوليها، ودعاتها، وأطروحاتهم، وفي معاداة سائر القوميات التي تزخر بها تركيا كالكرد، والعرب، واليونانيين، والأرمن، كما باقي الطوائف الدينية كالمسيحيين، واليهود.

ولا شك في أن التحالف المتين القائم بين حزب العدالة والتنمية والحركة القومية ينعكس إيجاباً على «الذئاب الرمادية» التي تؤيد سياسة أردوغان التوسعية، ووجود تركيا السياسي، والعسكري، والاقتصادي، في الصومال، والخليج، والعراق، وسوريا، وليبيا.. هذا الوجود التركي المتشعب يتيح ل«الذئاب الرمادية» توسيع رقعة نشاطها الإرهابي.

 وفي ضوء هذه الواقعات والتطورات يلّح مطلبان:

 أن يتوقف قادة دول أوروبا عن التسرّع والاستسهال في إضفاء طابع إسلامي على كل نشاط لتنظيم إرهابي، وعلى نسبة كل عملية إرهابية ينفذها، أو يشارك فيها مسلمون في أوروبا، إلى الإسلام.

 أن يسارع القادة والمفكرون والإعلاميون العرب إلى تظهير الفارق الروحي، والحضاري، والسياسي، بين الإسلام العربي، والإسلام التركي، في الحاضر، والمستقبل.

3 أكتوبر 2020
صراع أمريكي فرنسي في لبنان
د. عصام نعمان

لا داخل في لبنان، الخارج متداخل دائماً بالداخل، وله اليد العليا في أغلب الأحيان.

أطراف الخارج لا تتصارع وتتنافس في داخل لبنان بالأصالة، وإنما بالوكالة. الوكلاء هم أطراف لبنانيون تعودوا على التماس تدخل هذا الطرف الخارجي أو ذاك؛ لدعم مصالحهم ومواقفهم المتباينة، ومن الطبيعي والمنطقي ألا تكون أطراف الخارج جمعيات خيرية تسدي لأطراف الداخل اللبنانيين خدمات إنسانية مجانية.

منذ أواخر العام الماضي، اشتد الصراع بين أطراف الداخل اللبناني، الصراع كان وما يزال على المصالح والمغانم والنفوذ. استقالت حكومة سعد الحريري ولم يتمكّن الأطراف المتصارعون من التوافق على تأليف حكومة جديدة برئاسة حسان دياب إلاّ بعد أسابيع وأشهر، التوافق إنهار بعد الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت الذي دمّر أيضاً الأحياء المحيطة به، منذ ذلك الحدث الجلل لم يتمكّن الأطراف المتصارعون من التوصل إلى توافق كافٍ لتأليف حكومة جديدة.

اختلافات هؤلاء جميعاً شجعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على زيارة بيروت مرتين في أقل من شهر واحد، صحيح أن للبنان مكانة خاصة في قلب فرنسا؛ كونها الدولة التي أنشأت «دولة لبنان الكبير» في عام 1920؛ لكن ذلك لا ينفي بطبيعة الحال أن يكون لها مصالح اقتصادية «وثقافية» في لبنان.

ماكرون أقنع قادة التكتلات البرلمانية ال9 في زيارته الثانية بتبني مذكرته الإصلاحية، واتخاذها أساساً لتأليف حكومة من اختصاصيين من غير السياسيين خلال شهر واحد تحت طائلة اضطرار فرنسا إلى اتخاذ تدابير سلبية ضد لبنان وضد مسؤوليه السياسيين.

بعد أقل من أسبوع على اتفاق ماكرون مع القادة اللبنانيين، أعلن وزير الخزانة الأمريكي فرض عقوبات على وزيرين لبنانيين سابقين؛ الأول هو اليد اليمنى لرئيس مجلس النواب نبيه بري، والثاني هو اليد اليمنى للزعيم الشمالي سليمان فرنجية.

العقوبات الأمريكية حملت بري وكتلته البرلمانية كما كتلة «حزب الله» البرلمانية على التشدد مع الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة السفير مصطفى أديب؛ وذلك بالتشديد على أن يسمّيا الوزراء الذين يمثلانهما في الحكومة، وليس أديب أو أيّ جهة أخرى. هذا الموقف، وغيره من المطالب والمساومات؛ أدت إلى اعتذار أديب عن تشكيل الحكومة.

اعتذار أديب اثار غضب الرئيس الفرنسي الذي عقد مؤتمراً صحاياً أواخر الأسبوع الماضي؛ حمّل فيه على القادة اللبنانيين، متهماً إياهم بأنهم خانوا تعهدهم بتبني مذكرته الإصلاحية، وخصّ «حزب الله» باتهامات قاسية على الرغم من أنه اعترف بأن العقوبات الأمريكية عقّدت مساعيه الوفاقية، وأساءت إليها.

لماذا تصرفت إدارة ترامب على هذا النحو؟ لأن لأمريكا مصالح في لبنان لا تتفق بالضرورة مع مصالح فرنسا، فهي تأخذ على ماكرون أنه تقبّل «حزب الله» وارتضى أن يكون ممثلاً، مباشرة أو مداورة، في الحكومة الجديدة، وهي تريد أيضاً حكومة تكون بتركيبتها موالية أو، في الأقل، غير معارضة لها ولسياستها في المنطقة.

الصراع لم ينتهِ وإن كان ماكرون أمهل القادة اللبنانيين ستة أسابيع للتوافق على تأليف حكومة جديدة؛ ذلك أن تمديد مهلة التأليف إلى ما بعد 3 نوفمبر؛ يسمح للرئيس الفرنسي بمعرفة مَن سيكون نده أو غريمه في البيت الأبيض، وبالتالي سيكون لديه الوقت الكافي؛ للتوصل معه إلى اتفاق ليس حول تركيبة الحكومة اللبنانية الجديدة فحسب؛ بل حول إمكانية الاتفاق أيضاً على حصة كلٍّ من فرنسا وأمريكا في الكميات الهائلة من الغاز والنفط الكامنة في المياه الإقليمية اللبنانية؛ عندما يحين وقت استثمارها في المستقبل المنظور.

الصراع بين فرنسا وأمريكا مستمر بالتوازي مع الصراع بين الأطراف اللبنانيين أنفسهم، ولا سيما بين بعضهم الذي يضطلع بدور الوكيل لهذا الطرف الخارجي أو ذاك.

[email protected]

20 سبتمبر 2020
الصراع في لبنان وعليه؟
د. عصام نعمان

الصراع في لبنان لا يقتصر على قوى الداخل، بل يشمل قوى الخارج، تحديداً بين الولايات المتحدة وفرنسا.

في السياسة والاقتصاد، الخارج متداخل بالداخل في لبنان ويبدو أحياناً أن له اليد العليا. في الثقافة، الغرب بما هو عماد الخارج، في حالة غزو دائم للبنان.

الخارج، في غالبه الأشد تأثيراً، كان فرنسياً من سنة 1920 عندما أقامت فرنسا «دولة لبنان الكبير» إلى سنة 1943 عندما سهّلت بريطانيا إعلان استقلاله وشاركت فرنسا في إدارته لغاية 1958.

منذ سنة 1958 أصبح الخارج معقود اللواء للولايات المتحدة، تشاركها في إدارته، بدرجات متفاوتة من النفوذ، سوريا والسعودية وإسرائيل لغاية إقرار اتفاق الوفاق الوطني في الطائف سنة 1989. بعد ذلك، بات لبنان تحت وصاية سوريا لغاية اغتيال رئيس حكومته رفيق الحريري سنة 2005.

بضغط من أمريكا، اضطرت سوريا إلى الخروج من لبنان. غير أن النجاح في تفشيل حرب إسرائيل على لبنان سنة 2006 أدّى إلى تعديل ميزان القوى في الداخل، فأصبح للقوى المعادية لأمريكا تأثير أكبر في الشأن العام.

إذ اضطرب الوضع الأمني وتراجع النشاط الاقتصادي باطّراد طوال ما يسمى «الربيع العربي» من 2011 لغاية 2017، اشتدّ الصراع في لبنان وعليه بين قوى سياسية متنافسة في الداخل وأخرى متحالفة ومتنافسة من الخارج إلى أن تكامل الانهيار المالي والاقتصادي مع كارثة الانفجار الهائل في مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب 2020.

سارع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في 7 أغسطس إلى زيارة لبنان والاجتماع إلى كبار مسؤوليه الرسميين ورؤساء أحزابه وتكتلاته البرلمانية، ثم عاد بعد ثلاثة أسابيع ليتفق وإياهم على تأليف حكومة جديدة من اختصاصيين غير سياسيين، مهمتها تنفيذ إصلاحات اقتصادية عاجلة قبل 15سبتمبر/أيلول 2020 تحت طائلة اضطرار فرنسا إلى فرض عقوبات على لبنان ومسؤوليه السياسيين.

قوى الخارج لم تكن متوافقة على ما يجب عمله في لبنان. صحيح أن الرئيس الأمريكي ومساعديه أبدوا رضاهم عن مساعي ماكرون لمساعدة لبنان، ثم ما لبث وزير الخزانة الأمريكي أن أعلن فرض عقوبات على وزير المالية السابق واليد اليمنى لرئيس مجلس النواب نبيه بري وعلى وزير الأشغال العامة السابق واليد اليمنى للزعيم الشمالي سليمان فرنجية بحيثيات باتت معروفة.

بري فسّر الأمر بأنه لإرهابه بغية التراجع عن موقفه المتصلّب ضد إسرائيل بشأن ترسيم حدود لبنان البرية والبحرية مع فلسطين المحتلة. فرنجية فسّر الأمر بأنه محاولة لفك تحالفاته في الداخل.

العقوبات الأمريكية أفسدت مساعي التوفيق والإصلاح الفرنسية وتسبّبت في تراجع بري وحلفائه عن قبولهم بحكومة اختصاصيين مستقلة وعودتهم إلى الإصرار على تأليف حكومة سياسية يكونون ممثلين فيها وبأيديهم حقائب وازنة كوزارة المالية.

قوى الداخل، كقوى الخارج، غير متوافقة بل متنافسة. بعض قوى الداخل المحافظة صعّدت معارضتها للمنظومة الحاكمة ودعت إلى إزاحتها وعززت ذلك بعروض عسكرية فاقعة. المكلّف بتأليف الحكومة الجديدة د. مصطفى أديب وجد نفسه محرجاً. فهو مؤيد للمبادرة الفرنسية، لكنه حريص على عدم مجافاة التكتلات البرلمانية المؤيدة لرئيس الجمهورية ميشال عون ولبري وحلفائهم لكونها تمتلك الأكثرية البرلمانية اللازمة لمنحه الثقة.

قد ينجح الوسطاء في الداخل والخارج في التوصل إلى تسوية بين الأطراف السياسيين المتصارعين على تأليف الحكومة وتركيبتها أو قد لا ينجحوا. المهم والخطير في المسألة أن الصراع في لبنان لا يقتصر على قوى الداخل، بل يشمل قوى الخارج، تحديداً بين الولايات المتحدة وفرنسا. فقد بات واضحاً أن الرئيس دونالد ترامب مصمم على البقاء في البيت الأبيض مهما كان الثمن. وهو، في هذا السبيل، يسعى إلى ما يعتبره انتصارات تعزز وضعه الانتخابي. أبرز ما يبتغيه في لبنان الرضوخ لخطة ترسيم الحدود البرية والبحرية للبنان تكون مؤاتية لإسرائيل.

كل ذلك في وقتٍ تزداد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان تفاقماً ومعها الهجرة، بحراً وجواً، إلى الخارج، كما عودة عناصر الإرهاب الداعشي إلى النشاط في شمال البلاد.. الصراع في لبنان وعليه مستمر ومتفاقم.

[email protected]