فرديناندو جيوجليانو *

شهد العقد الماضي تدهوراً تدريجياً في العلاقات بين ألمانيا وبعض شركائها في منطقة اليورو جنوبي القارة. ففي ذروة أزمة الديون السيادية للكتلة، صور المتظاهرون اليونانيون المستشارة أنجيلا ميركل بشوارب أدولف هتلر، وهي طريقة قاسية لانتقاد الإصلاحات الهيكلية المؤلمة وإجراءات التقشف التي تفاوضت عليها الدول الدائنة مع أثينا.

 وبينما جسدت اليونان وألمانيا ذات يوم الصدع بين جنوب وشمال أوروبا، تمثلت إيطاليا مواقف الجنوب في السنوات الأخيرة بسبب ديونها السيادية الضخمة. وزادت أيام تفشي الوباء الأولى الأمور سوءاً بين برلين وروما، حيث ألقى السياسيون الإيطاليون باللوم على الألمان في عدم التضامن معهم في أزمة قاتلة.

 لكن مؤخراً ظهرت لحسن الحظ بوادر على أن هذه العلاقة المتعثرة في تحسن. كانت ألمانيا حريصة على مساعدة مرضى كورونا في الخارج، بما في ذلك العديد من المرضى في إيطاليا، وأبلت بلاء حسنا لتعديل سمعتها. ثم أصبحت ميركل واحدة من أثمن الحلفاء الأوروبيين لإيطاليا بعد أن دافعت عن صندوق ضخم للتعافي من الأوبئة في مواجهة معارضة دول مقتصدة مثل هولندا والنمسا. وفي حين أن الحماسة الإيطالية بشأن الاتحاد الأوروبي لا تزال فاترة، ساد الدفء العلاقة مع أقوى دولة في الاتحاد.

 لكن الحاجة لمزيد من الإصلاحات لا تزال قائمة. فمنذ اعتماد العملة الموحدة«اليورو»، كانت برلين المدافع العنيد عن الانضباط في موازنات الاتحاد والسياسات النقدية المتشددة. وبرلين هي التي ضغطت من أجل إنفاذ القواعد المالية مثل ميثاق الاستقرار والنمو، الذي يحد من حجم العجز والديون الوطنية.

 وقد صعّد تفشي الوباء من موجة الانتقادات في البداية. وظهر رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، على التلفزيون الألماني في مارس للمطالبة باستجابة أكثر تماسكاً من الاتحاد الأوروبي حيال صدمة الوباء. وفي مايو/أيار، أظهر استطلاع للرأي نشرته صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية أن نسبة الإيطاليين الذين قالوا إنهم يثقون بألمانيا قد انخفضت من 42٪ في يناير 2019 إلى 26٪ في إبريل 2020، ما يضع برلين في نفس مستوى بكين وبعد موسكو مباشرة.

 لكن الأمور اليوم أفضل. ويبدو أن الجمهور الألماني، الذي كان متشككاً منذ فترة طويلة بشأن التضامن الأوروبي، قد تغير. وضربت الصور الدرامية التي خرجت من إيطاليا خلال الموجة الأولى من تفشي المرض - بما في ذلك الجيش الذي ينقل التوابيت من بيرجامو لأن المقابر المحلية مكتظة - على وتر حساس مع بلد كان في ذلك الوقت أقل تأثراً بفيروس كورونا. ونقلت الحكومة الألمانية المرضى الإيطاليين جواً من وحدات العناية المركزة في لومباردي ومناطق أخرى إلى مستشفياتها. وقد حدث تحول أعمق خلال فصل الربيع، عندما تخلت ميركل عن معارضتها طويلة الأمد لجمع مبلغ كبير من الديون على مستوى الاتحاد الأوروبي. وفي تموز/يوليو، وافق زعماء أوروبا على تأسيس صندوق «الجيل القادم من الاتحاد الأوروبي»، وهو تسهيل بقيمة 750 مليار يورو (910 مليارات دولار) لصرف المنح والقروض للدول الأعضاء حسب احتياجاتها الاقتصادية.

 ولم تعد «العلامة التجارية الألمانية» سامة في نظر الطليان، كما كانت من قبل. ففي تشرين الأول /أكتوبر، عندما اضطر كونتي إلى مغادرة اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي بسبب مشاغل محلية، فوض عنه ميركل في المفاوضات الحاسمة بشأن صندوق مكافحة الأوبئة - وهي خطوة لم يكن من الممكن تصورها قبل عام واحد فقط.

 ومع ذلك تبقى العلاقة بين ألمانيا وجنوب أوروبا معقدة. فالاتجاه المستقبلي للسياسة النقدية واستخدام صندوق مكافحة الأوبئة هما مسألتا خلاف دائم بين البلدين. ولكن في الوقت الحالي، يعتبر التقارب بين برلين وروما مصدر سرور لمنطقة اليورو. إنه يثبت أن أوروبا يمكنها البرهان على وحدة الهدف، حتى في أوقات الطوارئ.

* كاتب عمود في «فاينانشال تايمز» و«بلومبيرج»