الشارقة: علاء الدين محمود
يقدم الدكتور محمد الباهلي، من خلال مؤلفاته، حفراً معرفياً عميقاً، بأدوات العلم والبحث المنهجي الصارم، للعديد من القضايا التي تشغل بال الأمتين العربية والإسلامية، والإنسانية جمعاء، ونلمح من خلال كتاباته تلك الروح القلقة على الأمة ومستقبلها، وهذا الهم يشكل خيطاً ناظماً لكل الكتب التي رفد بها المكتبة العربية، فكل المواضيع تتجه نحو إبراز دور العروبة والإسلام والأخطار التي تتهدد ذلك، وهي بالطبع أخطار تقف في مواجهة كل الحضارة الإنسانية، لأن صناعة الكراهية هي ثقافة هدم وعداء تهدد كل البشرية.
ونلاحظ ذلك الخيط الناظم الذي يربط الأفكار والرؤى برابط وحدة الفكر والموضوع من خلال عملين مهمين، هما: «مفاتيح الحضارة»، و«الملحدون الجدد»، وقد صدرا عن دار منشورات بتانة، 2020، ففيهما نجد الدفاع عن الحضارة الإسلامية يتجول في كل الصفحات والأقسام، وهو دفاع يبذل فيه المؤلف جهداً فكرياً راقياً يخاطب العقول، ويرصد التاريخ ويطل على الواقع، ويشير صوب المستقبل.
ففي «مفاتيح الحضارة»، وجاء في 255 صفحة من القطع المتوسط، يتوقف المتلقي عند العنوان كعتبة نصية شديدة الإغراء بالتأمل فيها، فالكتاب يرصد كل ما يتعلق بالحضارة من مداخل وبوابات عدة، من حيث كيفية التكون والتشكل، والظواهر المتعلقة بمفهوم الحضارة نفسها، كما يقدم تتبعاً تاريخياً يكتشف حدود المفهوم، ويتناول بمنهج علمي الحضارة الإسلامية ودورها الإنساني، وموقعها الرائد بين الحضارات العالمية، وتفوقها في كثير من المناحي.
والمؤلف، يتلمس الأسس التي تقوم عليها مفاتيح الحضارة الحقيقية، خاصة على مستوى تكوين العقل العربي والمسلم، فقد تلاقت الحضارة العربية الإسلامية مع نتاج حضارات مهمة وعلى رأسها الغربية، وبالتالي صار العقل العربي المسلم قادراً على إحداث التأثير في تلك الحضارات، ويعرج الكتاب على مسألة في غاية الأهمية، وهي ما يسميه المؤلف بـ«الإشكالية الحضارية»، ونتجت عن التخلي عن الدور الحضاري الإسلامي، وبالتالي العيش على قشور الحضارة، ويقدم المؤلف دعوة نحو استعادة الدور التاريخي للحضارة الإسلامية.
ويتوقف الكتاب، عند الكثير من العناوين اللافتة في كل قسم من أقسامه مثل: «الحضارة كفريضة»، «ديناميكية التطور»، و«التعليم وصناعة المستقبل»، وغيرها من المواضيع الجاذبة والمهمة.
*الدين والتحديات
أما الكتاب الثاني «الملحدون الجدد»، وجاء في 270 صفحة من القطع المتوسط، فينهض على فرضية أن «الإلحاد هو أخطر معول يحاول أن يضرب الأمة الإسلامية من الداخل، ليفتك بعقيدتها وحضارتها وهويتها ولغتها وقيمها وعقول أبنائها»، ويحيط الكتاب بصورة حاسمة بظاهرة الإلحاد وأسبابها ومنابعها، وكيف يمكن للعقل الإسلامي أن يشكل حائط صد ضد تسلل تلك الظاهرة، ويعود الكتاب بالذاكرة إلى الوراء إلى الحضارة اليونانية، حيث تشكلت أصول الإلحاد، وبصورة خاصة عند الفيلسوف «ديموقريطس»، ويشير إلى الصراع في الغرب بين العلماء والكنيسة في سياق تطور العقل الغربي، وهو الأمر الذي جعل الحضارة الأوروبية الحديثة، تنهض على الفلسفة المادية.
يغوص الكتاب في عمق الحضارة الإسلامية، ويشدد على أن الإسلام لم يتخذ موقفاً نقيضاً للعلم، ولم يعاد المنهج العلمي، وعلى النقيض من ذلك، أكد ضرورة التفكير، والدين الحنيف حرض الإنسان من أجل الوصول إلى الإيمان، على النظر بفكره وعقله إلى ما في الطبيعة والنفس البشرية، حتى يصل إلى اليقين الذي يهديه إلى معرفة الحقيقة.
ويذهب المؤلف، لذكر أهم الأسباب التي تقود إلى «داء الإلحاد»، كالجهل بحقائق الدين والعلم والطب النفسي، ويؤكد على ضرورة تجديد الخطاب الديني من أجل مواجهة تلك الظاهرة الخطيرة والقضاء عليها، خاصة في نسختها الجديد مثل «العلمانية».
يحفل الكتاب بالكثير من الاستشهادات والمقابلات بين المفاهيم، ويدعو إلى التفكير من أجل الإحاطة بالظواهر، وهو زاخر بالعناوين الجاذبة الموزعة على عدد من الأقسام، مثل: «الإلحاد نفوراً واستسلاماً»، «بين الشك واليقين»، «معرفة الله»، «الإسلام في سماء العالم»، و«دفاعاً عن الإسلام»، وغيرها من المواضيع المهمة.
«مفاتيح الحضارة» و«الملحدون الجدد» لمحمد الباهلي
30 ديسمبر 2020 20:08 مساء
|
آخر تحديث:
30 ديسمبر 20:11 2020
شارك