روبرت بيرجس *

لماذا، في خضم جائحة عالمية أودت بحياة أكثر من 1.77 مليون شخص في جميع أنحاء العالم وأغرقت الاقتصاد في أسوأ أزمة منذ الكساد الكبير، سجلت أسواق الأسهم انتعاشاً تاريخياً لتصل إلى مستويات عالمية جديدة وتنفصل تماماً عن الواقع؟
ولم يكن الأمر يتعلق بالأسهم فقط، حيث إن أي شيء يحمل أي مظهر من مظاهر المخاطرة، سواء السندات غير المرغوب فيها أو البيتكوين، شهد ارتفاعات ملحمية. كل شخص لديه تفسيره لكيفية أداء الأسواق، التي إما أن تكون متفائلة (تتطلع إلى المستقبل، حيث يتوقع المستثمرون اقتصاداً مزدهراً بمجرد القضاء على فيروس كورونا) أو متشائمة (حيث تتم عمليات الشراء في القاع).
صحيح أن شعار السوق دائماً هو «ما سيحدث» بدلاً من «ما حدث»، وأنه من المربح للغاية في السنوات الأخيرة الشراء كلما تراجع السوق. ومع ذلك، لا يفسر أي من الأمرين بشكل كاف الارتفاع المذهل بنسبة 66% في مؤشر «إم إس سي آي» للأسهم العالمية لجميع البلدان، من أدنى مستوى له في أواخر مارس/آذار، والعائدات المنخفضة القياسية في السندات غير المرغوب فيها، إضافة إلى الزيادة بأكثر من خمسة أضعاف في سعر البيتكوين أو أي من تحركات السوق الأخرى التي تبدو غير قابلة للتفسير.
الإجابة أبسط بكثير وتتلخص في رقم واحد وهو: «14 تريليون دولار». فوفقاً للبيانات التي جمعتها بلومبيرج، هذا هو المبلغ الذي بواسطته زاد إجمالي المعروض النقدي هذا العام في الولايات المتحدة والصين ومنطقة اليورو واليابان وثمانية اقتصادات متقدمة أخرى. ولوضع الزيادة في المنظور الصحيح، فإن القفزة إلى 94.8 تريليون دولار تتجاوز بيانات السنوات الأخرى التي تعود إلى عام 2003، وتحطم الرقم السابق بزيادة قدرها 8.38 تريليون دولار في عام 2017.
إن معرفة ما وراء أداء الأسواق هو جزء فقط من القصة، ومن المهم أيضاً فهم الآليات. فنقطة التحرك هي البنوك المركزية، التي لعبت دوراً فعالاً في طباعة الأموال التي احتاجت إليها لضخها مباشرة في الأسواق المالية عن طريق شراء السندات والأصول الأخرى على نطاق لم يسبق له مثيل من قبل. وبحسب البيانات التي جمعتها الوكالة، فإنه اعتباراً من 30 نوفمبر/تشرين الثاني، بلغت أصول الميزانية العمومية المجمعة للاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان وبنك إنجلترا 54.3% من إجمالي الناتج المحلي لبلدانهم، ارتفاعاً من حوالي 36% في نهاية عام 2019، ونحو 10% في عام 2008. ويضخ الاحتياطي الفيدرالي وحده ما لا يقل عن 120 مليار دولار شهرياً في الأسواق المالية من خلال مشترياته من الأصول ذات الدخل الثابت.
وساعدت مشتريات البنوك المركزية على خفض عوائد السندات على مستوى العالم، حيث انخفض المتوسط إلى أقل من 1% هذا العام، وفقاً لمؤشر بلومبيرج باركليز العالمي المجمع. ليس ذلك فحسب، بل إن حجم السندات التي تقل عوائدها عن الصفر قد ارتفع فوق 18 تريليون دولار. بالطبع، لا أحد يرغب في امتلاك سندات دون عوائد، أو حتى معدلات سلبية، ما لم يضطر إلى ذلك لأسباب تنظيمية أو غيرها. والنتيجة كانت تدافعاً على العائد، خاصة فيما يتعلق بالتزامات ديون الشركات وغيرها مع تصنيفات ائتمانية أقل من درجة الاستثمار. أدى ارتفاع الطلب إلى دفع عائدات السندات الصادرة عن هذه الشركات إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 4.59% على مستوى العالم في المتوسط. يدرك الكثيرون أن هذه العوائد المنخفضة لا تقدم الكثير من التعويضات مقابل إقراض الأموال للمقترضين المعرضين لخطر التخلف عن السداد بدرجة أكبر.
بعد كل شيء، لم تأخذ هذه السندات صفة «غير المرغوب بها» عبثاً، وهذا هو السبب في أن الكثير من الأموال التي هبطت على المستثمرين هذا العام وجدت طريقها سالكاً إلى سوق الأسهم، مما دفع القيمة العالمية للأسهم إلى أكثر من 100 تريليون دولار لأول مرة، وارتفاع متوسط أرباح سعر السهم في مؤشر «إم إس سي آي» لجميع البلدان 31 مرة.
أثارت كل هذه الأموال التي ضختها الحكومات والبنوك المركزية أيضاً بعض الأسئلة المهمة حول القيمة الحقيقية للعملات. وهناك عدد كبير من الأشخاص الذين يعتقدون أن أنظمة الصرف الأجنبي على وشك الانهيار بسبب كل عمليات طباعة النقود، ليس فقط هذا العام، ولكن منذ الأزمة المالية التي عصفت قبل أكثر من عقد من الزمان. وهذا يفسر الارتفاع المذهل في قيمة «بيتكوين» والعملات المشفرة الأخرى وكذلك الذهب.
صحيح أن العديد من الحكومات تعرضت للانتقاد، من منظور الرعاية الاجتماعية، في استجابتها للوباء، إلا أن الإجراء السريع الذي اتخذته بالاشتراك مع بنوكها المركزية لدعم اقتصاداتها يستحق الثناء. وذلك بالرغم من مخاوف «الخطر الأخلاقي» الدائم، ودعم البنك المركزي اللامتناهي للأسواق المالية، إضافة إلى تفاقم عدم المساواة في الثروة.
ستمر سنوات، وربما جيل كامل، قبل أن نعرف ما إذا تم جلب الكثير من الأموال (أو ربما القليل جداً) لدعم الاقتصاد خلال أزمة كورونا، التي قد تؤدي إلى تغذية أكبر فقاعة «تضخم»، لا يمكن السيطرة عليها، على مر الوقت.
لكن تخيل الناتج البديل في حال لم يتم فعل شيء. كيف سيكون أداء الأسهم عندها؟

* محرر وكاتب رأي في «بلومبيرج»