في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة، يزداد التركيز على متانة الاقتصادات وقدرتها على الاستمرار بثبات في مواجهة المتغيرات. فهذه اللحظات لا تختبر حجم الاقتصاد بقدر ما تكشف عن جودة بنيته وعمق توازنه، ومدى قدرته على التكيف مع التحديات دون أن يفقد مساره. وفي هذا السياق، تؤكد تقارير المؤسسات الدولية أن الاقتصادات التي تقوم على قاعدة قطاعية متنوعة وتتمتع بدرجة عالية من المرونة هي الأقدر على الحفاظ على استقرار نموها، نظراً لانخفاض حساسيتها للتقلبات المفاجئة، وارتفاع قدرتها على إعادة توزيع مواردها واستيعاب التحولات التقنية والجيو-اقتصادية بكفاءة. وتعكس تجربة دولة الإمارات هذا النهج بوضوح، حيث تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى ارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية من 71% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2010 إلى 75.5% في عام 2024، في مؤشر على عمق التنوع القطاعي وكفاءة الهيكل الاقتصادي، وقدرته على دعم الإنتاجية وتعزيز استقطاب الاستثمارات النوعية.
في قلب هذا المشهد، تبرز إمارة الشارقة كنموذج اقتصادي يعكس تماسكاً حقيقياً في بنية النمو وتنوعاً فعلياً في مصادره، حيث نجحت في ترسيخ قاعدة قطاعية متعددة تمتد من الصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية إلى قطاعات متقدمة تشمل التكنولوجيا، والرعاية الصحية، والاقتصاد الإبداعي. وقد انعكس هذا التنوع بشكل مباشر على طبيعة الفرص الاستثمارية في الإمارة، حيث أصبح الاستثمار قائماً على منظومة متكاملة تتيح للمستثمرين تنويع محافظهم والدخول إلى قطاعات مرتبطة بتحولات الاقتصاد العالمي، بما يعزز فرص النمو وتأسيس الأعمال على أسس أكثر استدامة واستقراراً.
ويظهر ذلك بوضوح في الأداء الاستثماري الأخير، إذ سجلت الإمارة تدفقات استثمار أجنبي مباشر بلغت نحو 2.1 مليار دولار في عام 2025، مع 142 مشروعاً استثمارياً جديداً بزيادة 45% عن العام السابق، إلى جانب نمو فرص العمل المرتبطة بهذه الاستثمارات بنسبة 25.7%. هذه المؤشرات تعكس اتساع قاعدة الاهتمام الاستثماري، وتؤكد أن تنوع القطاعات لم يعزز فقط استقرار الاقتصاد، بل أسهم في مضاعفة قدرته على جذب الاستثمارات النوعية.
وفي هذا السياق، يضطلع مكتب الشارقة للاستثمار الأجنبي المباشر (استثمر في الشارقة) بدور محوري في تحويل هذا التنوع الاقتصادي إلى تدفقات استثمارية فعلية، من خلال تطوير منظومة متكاملة ترافق المستثمر عبر مختلف مراحل الاستثمار، بدءاً من تحديد الفرص القطاعية الأكثر جدوى، مروراً بتسهيل إجراءات التأسيس والتوسع، وصولاً إلى ربط الشركات بشبكات التوريد والأسواق الإقليمية. ويركّز المكتب على استقطاب الاستثمارات التي تضيف قيمة نوعية للاقتصاد، بما يعزز التكامل بين القطاعات ويرفع من كفاءتها الإنتاجية. كما يعمل على مواءمة الفرص الاستثمارية في الشارقة مع التوجهات العالمية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والصناعات المستقبلية، بما يضمن توجيه الاستثمارات نحو قطاعات قادرة على تحقيق نمو مستدام وتعزيز تنافسية الإمارة على المدى الطويل.
واستناداً لما سبق، وبالرغم من كل الظروف الحالية، فإننا نستطيع القول بثقة إن اقتصادنا راسخ، وقاعدته قوية، ويستند إلى منظومة متكاملة وهيكلية أكبر من أن تُهز. نحن نملك ما هو أقوى من أي طارئ، نملك ثقة العالم بهذا الاقتصاد، ونملك بيئة أعمال أثبتت قدرتها على الاستمرار، كما نملك ثروة بشرية لا تنضب، قادرة على الابتكار وصناعة الفرص وتحويل التحديات إلى مسارات جديدة للنمو.
*المدير التنفيذي ل«استثمر في الشارقة»
