تشهد أسواق المال الأمريكية مرحلة استثنائية مع اقتراب إدراج شركة «SpaceX» في ما قد يكون أكبر اكتتاب عام أولي في التاريخ، بتقييم مستهدف يقارب 1.75 تريليون دولار، وجمع نحو 75 مليار دولار، وسط توقعات بأن يتزامن ذلك مع طروحات مرتقبة لشركتي «OpenAI»، و«Anthropic»، وهما من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي الخاصة في العالم.
ولا تكمن أهمية هذه الاكتتابات في حجمها فقط، بل في كونها تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الأسواق المالية على استيعاب شركات عملاقة خلال فترة زمنية متقاربة، وفي وقت تشهد فيه الأسهم الأمريكية مستويات تقييم مرتفعة مدفوعة بالحماس تجاه الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما تناولته في مقال سابق بعنوان «فقاعة الذكاء الاصطناعي»، نُشر بتاريخ 25 نوفمبر 2025، حيث أشرت إلى أن التدفقات الاستثمارية الضخمة نحو شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى تضخم التقييمات إلى مستويات تتجاوز الأسس، الاقتصادية والمالية، الحقيقية، وأن الأسواق قد تنتقل من مرحلة الاستثمار القائم على الأداء إلى مرحلة التسعير المبني على التوقعات المفرطة. واليوم، ومع اقتراب طرح SpaceX وOpenAI وAnthropic بتقييمات غير مسبوقة، يعود السؤال ذاته: هل تعكس هذه القيم السوقية الإمكانات الاقتصادية الفعلية لهذه الشركات، أم أننا أمام موجة جديدة من التفاؤل المفرط؟
عندما تطرح شركة بحجم SpaceX عشرات المليارات من الدولارات للاكتتاب، فإن هذه الأموال لا تأتي من فراغ، بل تنتقل من محافظ استثمارية قائمة. وهذا يعني أن جزءاً من السيولة سيخرج من الأسهم، والصناديق الاستثمارية، والسندات، وغيرها من الأدوات المالية، للمشاركة في الاكتتاب الجديد. ومع احتمال إدراج OpenAI وAnthropic خلال الفترة نفسها، قد تحتاج الأسواق إلى استيعاب مئات المليارات من الدولارات، الأمر الذي قد يفرض ضغوطاً مؤقتة على بعض الأسهم والأصول، نتيجة إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية.
وعلى الرغم من المكانة الاستثنائية التي تتمتع بها SpaceX في قطاع الفضاء والاتصالات، فإن الجدل الأكبر يدور حول تقييمها المستهدف البالغ 1.75 تريليون دولار. فبينما ترى الأسواق أن الشركة تمتلك إمكانات نمو هائلة، تشير بعض التقديرات إلى أن القيمة العادلة قد تكون أقل من ذلك بكثير، ما يثير تساؤلات حول مدى استدامة هذه التقييمات، إذا لم تتحقق معدلات النمو المتوقعة خلال السنوات المقبلة.
كما أن جزءاً كبيراً من التقييم الحالي، يعتمد على توقعات مستقبلية بعيدة المدى، أكثر من اعتماده على الأداء المالي الحالي، ما يزيد من حساسية السهم تجاه أيّ تباطؤ في النمو، أو تراجع في الإيرادات. من هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يدفع المستثمرون مقابل الأداء الحالي للشركة أم أنهم يشترون أحلام المستقبل؟
ومن الصعب أيضاً فصل SpaceX عن شخصية مؤسسها، إيلون ماسك، إذ ترتبط جاذبية الشركة، إلى حد كبير، بسجله في بناء شركات غيرت صناعات كاملة مثل Tesla وSpaceX. إلا أن هذا الواقع يخلق ما يعرف بـ«مخاطر الرجل الواحد»، حيث تصبح التقييمات وثقة المستثمرين مرتبطة بشخصية قيادية واحدة، ما يجعل السهم أكثر حساسية لأيّ تطورات تتعلق بها.
أما في ما يتعلق بالاقتصاد الحقيقي، فإن الانتقاد التقليدي للاكتتابات العملاقة يتمثل في أنها قد ترفع أسعار الأصول المالية من دون أن تضيف قيمة مماثلة للنشاط الاقتصادي. إلا أن حالة SpaceX تختلف جزئياً، إذ يمكن أن تسهم الأموال المحصلة من الطرح في تمويل توسع شبكة Starlink وتطوير برنامج Starship والاستثمار في البنية التحتية الفضائية والتكنولوجية.
وبالمثل، تستثمر OpenAI وAnthropic مليارات الدولارات في مراكز البيانات والرقائق المتقدمة والبحث والتطوير، وهي استثمارات تدعم الإنتاجية والتقدم التكنولوجي، وخلق فرص العمل. لذلك يمكن القول إن هذه الاكتتابات تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد من خلال دعم الابتكار، إلا أن هذه القيمة تبقى أقل بكثير من التقييمات السوقية الضخمة التي تمنحها الأسواق لهذه الشركات، ما يستوجب التمييز بين القيمة الاقتصادية الفعلية، والقيمة المالية الناتجة عن توقعات المستثمرين.
ومن وجهة نظري، لا خلاف على أن SpaceX تمثل أحد أهم المشاريع الصناعية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين، وأن إدراجها سيمنح المستثمرين فرصة نادرة للمشاركة في قطاع كان مقتصراً على المستثمرين الخاصين. إلا أن التقييم المقترح يبدو متفائلاً للغاية، مقارنة بالمؤشرات المالية الحالية، خاصة أن جزءاً كبيراً منه يعتمد على توقعات النمو المستقبلية، أكثر من اعتماده على الأرباح والتدفقات النقدية الفعلية.
أما طرح SpaceX بالتزامن مع طروحات محتملة لـ OpenAI وAnthropic فقد يمثل سلاحاً ذا حدين؛ فمن جهة يعكس قوة الاقتصاد الأمريكي وريادته التكنولوجية، ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى استنزاف جزء مهم من السيولة المتاحة، ورفع مستويات المضاربة إلى حدود يصعب تبريرها اقتصادياً.
وفي الختام، فإن ما نشهده اليوم قد يكون بداية مرحلة جديدة من التحول التكنولوجي العالمي، وقد يكون في الوقت ذاته اختباراً حقيقياً لقدرة الأسواق على التمييز بين القيمة الحقيقية والاندفاع الاستثماري. وكما أشرت في مقالي «فقاعة الذكاء الاصطناعي»، فإن التحدي لا يكمن في جودة التكنولوجيا، أو أهمية الابتكار، بل في قدرة الأسواق على تسعير هذه التطورات بشكل متوازن ومستدام. فالتاريخ المالي يعلمنا أن أعظم الابتكارات قد تتحول إلى استثمارات سيئة إذا تم شراؤها بأسعار مبالغ فيها، وأن القيمة الحقيقية لا تُقاس بحجم التقييمات السوقية، بل بقدرة الشركات على تحويل رأس المال إلى إنتاجية، وأرباح، ونمو اقتصادي، ملموس ومستدام.
*مستشار في الأسواق المالية والاستدامة
