عادي

التشكيـل البصـري في قصيـدة الطفـل

23:28 مساء
قراءة 4 دقائق
1

د. بهيجة مصري إدلبي

لاشك أن التشكيلات البصرية في قصيدة الطفل، تعد شكلاً من أشكال المؤثرات والمحفزات المعرفية والجمالية، التي تحقق حالة من الانسجام بين حاستي السمع والبصر، إضافة إلى الانسجام بين الفكرة وطريقة إيصالها إلى الطفل.

ما يجعل الطفل منسجماً معها، ومع غنائها، لأن شاعر الأطفال بهذا التشكيل البصري، يفرد في روح الطفل متعة جمالية، ومتعة معرفية بحيث يوصل الثانية عن طريق الأولى، أي أنه يوصل المعرفة عبر الوسيط الجمالي، إضافة إلى ما يتيحه هذا التشكيل من إمكانيةٍ للتقطيع الصوتي والتلوين في تلحين النشيد سواء من قبل الطفل أو من قبل المعلم. 

وقد تراوحت التشكيلات البصرية في قصيدة الطفل بين التشكيل البسيط الجديد والتشكيل الطريف. 

ومن التشكيلات البسيطة والجميلة، أن يتخير الشاعر كلمة، يختم بها المقطع الشعري، يلتزمها، بالتناوب مع كلمة أخرى، ملتزماً تارة بالتنوع الداخلي والخارجي، للقوافي، وأحياناً يلجأ إلى التدوير في البيت الشعري، لينتهي بالقفلة التي قفل بها المقاطع الأولى من القصيدة وهذا هو ما تمليه ابتكارات الشاعر في التشكيل البصري الذي يراه أكثر مناسبة، سواء لموضوعه أو لإيقاعه الذاتي، في رسم لوحة بصرية سمعية، للطفل محمولة على المعنى الجميل كما في قصيدة الشاعر سليمان العيسى «الرسام الصغير»: 

أرسم ماما.. أرسم بابا

بالألوان 

أرسم علمي.. فوق القمم

أنا فنان 

أنا صيّاد اللون الساحر

أرض بلادي كنز مناظر

دعني أرسم.. ضوء النجم

دعني أرسم.. لون الكرم

أكتب شعرا بالألوانْ

أحيا حرا أنا فنان

حيث قفل البيت الأول بكلمة ( الألوان ) والثاني بعبارة ( أنا فنان) ليكون المقطع الثالث مؤلفاً من بيتين مدورين من مشطور المتدارك، بقافية واحدة، ( الساحر  مناظر ) يتلوهما ببيتان آخران بتقفية داخلية وخارجية ( أرسم  أرسم ) ( النجم  الكرم ) لتكون القفلة مختلفة التشكيل عن البداية، حيث تشكل الكلمات التي قفل بها البيتين الأولين عجزاً لصدر حتى آخر القصيدة، مع ملاحظة التصرف الوزني في كلمتي (الألوان ) (أنا فنان) وانسجام القصيدة كاملة مع دلالة العنوان، وهذه من ميزات شعر سليمان العيسى، حيث ينتبه إلى العنوان بشكل جمالي وعميق، لأنه مدرك أنه العتبة التي تشد الطفل وليس جملة خارجة عن النص.

وثمة تشكيلات بصرية أخرى تنهض من تحقيق تشكيل إيقاعي جديد ومختلف عبر توزيع التفعيلات في الوزن الشعري، ما يجعل القصيدة مبنية على صوتين شعريين ويمكنها أن تتيح فرصة للإنشاد الجماعي المشترك مع الغناء الفردي، ما يخلق حالة من التواصل مع النص من خلال تشكيل مختلف للقوافي الداخلية والخارجية بين العروض والضرب واختلافها بين مقطع وآخر كما قصيدة أبو سلمى: 

هل تعرف داري يا جاري 

يا ليت ترى غرف الدار 

ما أجمل رائحة الفل

وسكون الطير إلى الظل 

*** 

ما أحلاها

ما أبهاها 

والريحان

 في بستاني 

وثمة تشكيلات بصرية طريفة لجأ إليها بعض الشعراء لإضفاء جمالية بصرية ورؤية ممتعة للطفل، حيث التنوع الكبير في القوافي لتحقيق حالة انسجام متكاملة بين الشكلين البصري والصوتي، كأن يبني القصيدة على أربعة أعمدة أو ثلاثة، أو يكون له مذهب آخر في التوزيع، والشكل الوزني، والقافية، إذا كانت القصيدة من الشكل الحديث، فالشاعر سليمان العيسى قسم قصيدته «افتح سمسم» إلى ثلاثة أعمدة تفصل بينهم قواف مختلفة،كما يلي: 

افتح سمسمْ...        

ماذا عندك ؟/ ماذا عندك ؟/هذا اليومْ

افتح سمسم/ وزع وردك    /قبل النومْ

افتح صدرك/انشر عطرك/للأجيالْ

افتح سمسم /غنّ تحركْ    /نهر خيالْ

افتح سمسم / غن وعلمِّْ/ نحن صغارْ

وغداً نكبر/ وطناً أخضرْ/للأحرارْ

نحن براعم/ وغد باسمْ/ في الأكمامْ

افتح سمسم/ أنت القادمْ/بالأحلامْ

افتح سمسمْ...     

ويلاحظ أيضاً هذا التشكيل الكبير في القوافي بين عمود وعمود، ومقطع ومقطع، إضافة إلى إشراك الطفل في المقدمة والخاتمة، حيث حذف من المقدمة عمودين وترك مكانهما نقاطاً كإشارة إلى تكرار عبارة افتح سمسم ثلاث مرات كي يكتمل السطر الشعري بما يتفق ونظام القصيدة، وذلك ليترك للأطفال اكتشاف ذلك، وإمكانية إكمال السطر الشعري، وكذلك جعل الأمر في الخاتمة، التي كانت أيضاً بعبارة افتح سمسم، حتى إذا لم يدرك الطفل في الافتتاحية أدركها في النهاية، وشارك في إكمال النص، مع إتاحة الفرصة أمام الطفل لإضافة مقاطع أخرى إلى القصيدة لأن الشاعر بناها بناء بسيطاً، يتيح للطفل محاكاتها بمقاطع من تأليفه، فكل مقطع مؤلف من تفعيلتين من البجر المتدارك ولا يتجاوز الكلمتين، وفي معظمها صيغ استفهامية بسيطة، أو مضاف ومضاف إليه أو جار ومجرور.. الخ.

 أما الشاعر نصرت سعيد فكان له شأن آخر في هذا التشكيل، خاصة وأن قصيدته لم تلتزم الشكل العمودي إنما ارتأى لها تشكيلاً خاصاً اقتربت فيه من شكل شعر التفعيلة، وهي قصيدة «الجمل»، فثمة شكل مبتكر وطريف إذا تعمقنا في تأويل التشكيل البصري لدى الشاعر في هذا النص، وكأننا به يقارب صورة للجمل من خلال توزيع الكلمات، والأسطر الشعرية، فالتوزيع لم يكن عشوائياً، وإنما كان مدروساً من قبل الشاعر، وحتى باستخدامه الأبحر الشعرية أو التفعيلات المختلفة كان لذلك دلالات تشكيلية لديه: 

من حملْ

واحتملْ

في العملْ  كالجملْ ؟

ما أنفعكْ !

ما أرفعكْ !

هوب هوب هوب     هوب يا جملْ

* * *

أنت سفينة البراري

بلا شراع أو بخارِ

لولاك سكان القفارِ

لم يسلكوا عبر الصحاري

مهما يَصرْ

دوماً يَسرْ

 في البرّ/ في الحرّ/في القرّ

قيَم هذا المقال
4

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y2sng8my