عادي

دو أسيس.. الأدب يولد من حياة منطفئة

23:47 مساء
قراءة 3 دقائق
1

القاهرة: «الخليج»

ماشادو دو أسيس أكثر كتّاب البرازيل محلية، في رواياته أصدق تصوير للمجتمع الإمبراطوري، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع الصراع بين الحب والمال، بين أرستقراطية الأرض والبرجوازية الناشئة، بين الشارع والمنزل، وهو يظهر تمسكه بوطنه في ابتعاده عن المدارس المستوردة من أوروبا، وفي وقف حياته كلها على خلق لغة برازيلية.

التمسك بالوطن لدى دو أسيس لا يعني الانغلاق أو الانعزال، فهو إذ يكتب روايات نفسية، يستطيع أن يكون برازيلياً إلى أبعد حد، وأن يفتح للأدب البرازيلي في الوقت نفسه مجالاً عالمياً، لأن أبطاله يعبرون عن مناخ الوطن، وفي الوقت نفسه أدب عالمي.

ما من كاتب يمكن أن يعد كلاسيكياً أكثر من البرازيلي ماشادو دو أسيس، إن فنه كله رهافة ونعومة، وأسلوبه كله ألوان هادئة، فقد امتلأ بمناظر مدينة ريو دو جانيرو، التي لم يخرج منها يوماً، وهي مناظر بها كل أنواع العنف، وجدل البحر والجبل، وشهد انحلال الأسرة الأبوية التقليدية، ورأى كل المشاهد المتناقضة في الحياة، وأخرج منها انسجاماً ما.

ولد دو أسيس في يوم 21 يونيو عام 1839، في بيت من بيوت العمال، لأسرة فقيرة ملونة، كان أبوه نقاشاً وأمه خادماً، وقد ماتت وهو صغير، وبدأت تظهر عليه أعراض الصرع، واضطر أن يعمل في مطبعة، ليساعد أسرته، لكنه كان قد أوتي مع ذلك ظمأ شديداً إلى المعرفة، وإرادة قوية، فكان يعمل ليلاً، ويقرأ روايات مستعارة نهاراً، ويتعلم الفرنسية من غاسل صحون، ويتهيأ بذلك لحياته الأدبية المقبلة.

وحين عرض أشعاره الأولى وجد أصدقاء يشجعونه، غير أنه وهو ابن تلك البلاد، التي تهوى الإفاضة في الكلام، ووليد ذلك العصر الذي كثيراً ما اختلطت فيه الغنائية بالفصاحة، ظل محافظاً في قصائده على اعتدال اللهجة، وفي الوقت نفسه كتب بعض مسرحياته باللغة الفرنسية، وبعد ذلك مر بمراحل، أنتج خلالها روايات مثل: البعث – اليد والقفاز – هيلينا – يايا جارسيا، ومن خلال السخرية كملمح أساسي في أدبه، تحررت شخصيته من تأثيرات البيئة الأدبية.

تزوج دو أسيس عام 1869 من برتغالية تكبره بسنوات، وقد قاوم إرادة أهلها، مصطدماً بالتفرقة بين الملونين والبيض، ورغم أنه أصبح يكسب مالاً كثيراً، فقد ظل طوال حياته يعيش عيشة متقشفة بسيطة، موزعاً نشاطه بين عمله في الوظيفة، وعمله في الكتابة الروائية، كان لا يخرج من بيته إلا قليلا، ليودع مدخراته في صندوق التوفير، ويرعى أزهار حديقته، ولا يستقبل في بيته إلا قلة من الأصدقاء، وفي ذلك الوقت كانت الدعوة إلى إنجاز «أدب خلاسي» ضد «الأدب الوافد» مشتعلة، ومع ذلك ظل بعيداً عن تلك المعارك الأدبية.

لم يشارك في الصراع بين الأحزاب القائمة، ورغم أنه كان خلاسياً، لم يسهم في الحملة، التي قامت ضد نظام الرق، لكنه احتفل بيوم إلغاء العبودية، كان يحيط نفسه بالظلال والأسرار، فهذا الكاتب الذي جعل رواياته حواراً مستمراً بينه وبين القارئ، كان يختبئ في حياة منطفئة، هي حياة موظف، أو في مكتبه قرب صفحة بيضاء، وقد أخذ عليه ذلك بعنف في كثير من الأحيان، فوصف بأنه أناني، وقيل عنه إنه منفصل عن المجتمع البرازيلي، ومع ذلك لم يكن هناك أكثر وطنية منه.

في عام 1904 فقد دو أسيس زوجته، فكأنه هو الذي مات، كتب يقول: «ذهب أحسن جزء من حياتي، أنا الآن وحيد في العالم، والعزلة لا تثقل علي، بل العكس هو الصحيح، لأن العزلة هي الوسيلة الوحيدة، لكي أظل أعيش معها، وأسمع صوتها، سألحق بها، إنها تنتظرني». وظن أنه لن يكتب شيئاً بعد موت زوجته، إنه يزداد انحباساً في منزله الصامت، ليعيش مع طيف، إنه يستسلم للموت، الذي يتقدم منه، ثم كافح نوبات الصرع، وها هو ذا يصاب بسرطان في الفم، ثم يموت في اليوم التاسع والعشرين من سبتمبر عام 1908.

قيَم هذا المقال
4

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y5dqvz25